الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(17) كتاب الحدود
*
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
3555 -
[1] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزيدِ بْنِ خَالِدٍ: أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا. . . . .
ــ
17 -
كتَابُ الْحُدُودِ
(الحد): الحاجز بين شيئين، والدفع، والمنع، وتأنيبُ المذنبِ بما يمنعه وغيرَه من الذنب، وفي (شرح كتاب الخرقي) (1): الحد في الأصل المنع، ومنه قيل للبَوَّاب: حدَّاد لمنعه الداخلَ والخارجَ إلا بإذن، وسُمِّي الحديد حديدًا للامتناع به، أو لامتناعه على مَن يحاوله، والحدُّ عقوبةٌ يمنع من الوقوع في مثله، وحدود اللَّه محارمُه، قال تعالى:{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187]، وما قدَّرَه كجعل الطلاق ثلاثًا، ونحو ذلك قال تعالى:{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229]، ولعل تسمية المحارم حدودًا، وكذلك المقدَّرات إشارةٌ إلى المنع من قربان ذلك أو تجاوزه، انتهى. وقال في (الهداية) (2): الحد في الشريعة العقوبة المقدَّرة حقًا للَّه تعالى، حتى لا يُسمَّى القِصاصُ حدًا لما أنه حق العبد، ولا التعزير لعدم التقدير.
الفصل الأول
3555 -
[1](أبو هريرة، وزيد بن خالد) قوله: . . . . .
(1)"شرح الزركشي على مختصر الخرقي"(6/ 1).
(2)
"الهداية"(2/ 339).
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَقَالَ الآخَرُ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ:"تَكَلَّمْ" قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيتُ مِنْهُ بِمِئَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي، ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِئَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَأَمَّا ابْنُكَ فَعَلَيْهِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ فَاغْدُ إِلَى امْرَأَةِ (1) هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا"،
ــ
(اقض بيننا بكتاب اللَّه) مبني على أنه كان في كتاب اللَّه آيةُ الرَّجمِ، ثم نُسِخت تلاوته، فصح القول بأنه كتاب اللَّه، وقيل: المراد بكتاب اللَّه هنا حكمه، وإنما قالا: اقض بيننا بكتاب اللَّه فجاءا عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليحكم به.
وقوله: (إن ابني كان عسيفًا على هذا) أي: أجيرًا، وإنما قال: على هذا لما يتوجه على المستأجر من الأجرة، ولو قال: عسيفًا لهذا ليصح أيضًا، لما يتوجه للمستأجر عليه من الخدمة.
وقوله: (ثم إني سألت أهل العلم) يدل على جواز الاستفتاء والإفتاء في زمانه صلى الله عليه وسلم عن غيره لعدم القدرة على سؤاله عنه لمانع.
وقوله: (وتغريب عام) التغريب داخل في الحد عند بعض العلماء، وعندنا هو سياسة وتعزير مفوَّض إلى رأي الإمام ومصلحته. و (أنيس) بلفظ التصغير اسم رجل
(1) في نسخة "على امرأة".
فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 6633، م: 1697].
3556 -
[2] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصِنْ جَلْدَ مِئَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ. . . . .
ــ
هو سيد قوم المرأة، وهو أنيس بن ضحاك الأسلمي، بعثه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليقيم الحد عليها إن اعترفت، وهذا لا يدل على كفاية اعتراف واحدة في الزنا، كما هو مذهب الشافعي، فلعل المراد الاعتراف المعهود في الشرع وهو أربع مرات، واللَّه أعلم.
3556 -
[2](زيد بن خالد) قوله: (يأمر فيمن زنى ولم يحصن) بضم الياء وكسر الصاد هكذا الرواية، يقال: أحصَنَت المرأة فهي مُحصِنة، وأحصَنَ الرجلُ فهو مُحصِن، وأحصَنا فهما محصِنٌ ومحصِنةٌ، والمحصن والمحصنة يجيئان بفتح الصاد وكسرها، وقرئ هذان اللفظان في القرآن بالكسر والفتح، وكذا أحصن مجهولًا ومعروفًا إلا قوله تعالى:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 24]، فإنها بالفتح بالاتفاق، وفسر البيضاوي (1) الفتح بقوله: أحصنَهنَّ التزويج أو الأزواجُ، والكسر بأحصَنَّ فروجَهنَّ، ومعنى الإحصان أن يكون حرًا عاقلًا بالغًا مسلمًا، قد تزوج امرأة حرة مسلمة نكاحًا صحيحًا، ودخل بها، وهما على صفة الإحصان، وعند الشافعي لا يشترط الإسلام، ووافقه أبو يوسف في رواية؛ لأنه صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين زنيا، ويأتي جوابه في حديث ابن عمر.
وقوله: (وتغريب عام) ظاهره أن التغريب داخل في الحد، وحمله من لم يره من العلماء حدًّا كالحنفية على المصلحة التي رآها الإمام.
(1) انظر: "تفسير البيضاوي"(1/ 209).
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: 6831].
3557 -
[3] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا (1) بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (2) آيَةُ الرَّجْم، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوِ الإِعْتِرَافُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 6829، م: 1691].
3558 -
[4] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 1690].
ــ
3557 -
[3](عمر) قوله: (أو كان الحبل) بفتحتين، هذا الحكم منسوخ.
3558 -
[4](عبادة بن الصامت) قوله: (خذوا عني) مكرر للتأكيد لخفائه؛ لأنه تعالى حكم أولًا في اللاتي يأتين الفاحشة بالإمساك في البيوت وحبسِهنَّ فِيها حتى يتوفاهن الموت، أو يجعل اللَّه لهن سبيلًا، والمراد بالسبيل الحدُّ، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه تعالى قد جعل فيهن سبيلًا، وشرع الحدَّ (البكر بالبكر جلد مئة والثيب بالثيب) والمراد به المحصن (جلد مئة والرجم) وفيه الجمع بين الجلد والرجم، وبه أخذ أصحاب الظواهر وبعض الصحابة والتابعين، والجمهور على أن الجلد منسوخ فيمن وجب عليه الرجم لحديث ماعز وغيره، ثم إنه لم يذكر حكم الثيب مع البكر لظهوره.
(1) زادت التصلية في نسخة.
(2)
لفظ "تعالى" سقط في نسخة.
3559 -
[5] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ الْيَهُودَ جَاؤوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ " قَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ، فَأْتُوا (1) بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا، وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ فَإِذَا فِيهَا آيَةٌ، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَرُجِمَا، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ، وَلِكِنَّا نَتَكَاتَمُهُ بَيْنَنَا، فَأَمَرَ بِهِمَا، فَرُجِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 6841، م: 1699].
ــ
3559 -
[5](عبد اللَّه بن عمر) قوله: (قالوا: نفضحهم) أي: لا نجد حكم الرجم في التوراة، بل إنما نجد أنَّا نفضحُهم، والفضيحة عندهم هو تسويد وجوه الزناة وتشهيرهم.
وقوله: (ويجلدون) بلفظ المجهول، قيل: كأنه أشار بإتيان أحد الفعلين معلومًا والآخر مجهولًا إلى أن الفضيحة كان موكولًا إلى اجتهادهم بخلاف الجلد.
وقوله: (فقالوا) أي: بعضُ اليهود: (صدق) أي: عبدُ اللَّه.
وقوله: (فرجما) وبه أخذ الشافعي في عدم اشتراط الإسلام في الإحصان، وهو رواية عن أبي يوسف، وأجيب بأن رجمه صلى الله عليه وسلم ليهوديين إنما كان بحكم التوراة، والإحصان لم يكن شرطًا في دينهم، وكان صلى الله عليه وسلم يعمل بحكم التوراة قبل أن ينزل حكم
(1) بصيغة الأمر، وفي نسخة بفتحتين على الماضي، ويؤيد الأول ما في رواية مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فجاؤوا بها، قاله القاري (6/ 2331).
3560 -
[6] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي زَنيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ، فَقَالَ: إنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا شَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"أَبِكَ جُنُونٌ؟ " قَالَ: لَا فَقَالَ: "أُحْصِنْتَ؟ " قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ" قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: فَرَجَمْنَاهُ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، حَتَّى أَدْركْنَاهُ بِالْحَرَّةِ. . . . .
ــ
القرآن ولا ينسخ، كذا قيل، ويمكن أن يقال: إنه إنما رجمهما على دينهما إلزامًا لهما، وهما كانا مسلمين على زعمهم، واللَّه أعلم.
3560 -
[6](أبو هريرة) قوله: (فتنحى) أي: الرجلُ، والضمير في (وجهه) للنبي صلى الله عليه وسلم، و (قبله) بكسر القاف وفتح الباء، أي: جانبه.
وقوله: (فلما شهد أربع شهادات) أي: أقرَّ على نفسه أربعَ مرَّاتٍ، وفي هذا دليل لأبي حنيفة على اشتراط الإقرار أربع مرات.
وقوله: (فلما أذلقته الحجارة) أي: أصابته، وأصل أذلقه: أضعفَه، يقال: أذلَقَ الصومُ فلانًا: أضعفَه.
وقوله: (هرب) فيه أنه لا يحفر للمرجوم، وقيل: يحفر للمرأة، وهو المذهب عندنا، قال في (الهداية) (1): وإن حفر لها في الرجم جاز، وقال: الحفر أحسن.
وقوله: (حتى أدركناه بالحرة) سيجيء من رواية أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هلَّا
(1)"الهداية"(2/ 342).
فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى مَاتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 6825، م: 1692].
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ قَالَ: نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ فَأُدْرِكَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَيْرًا، وَصَلَّى عَلَيْهِ". [خ: 6820].
3561 -
[7] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ"، قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:"أَنِكْتَهَا؟ ". . . . .
ــ
تركتُمُوه فلعلَّه يتوبُ)، وقد اختلفوا في أنه إذا شرعوا في الرجم فهرب هل يترك أم لا؟ ويتم في الفصل الثاني.
وقوله: (فرجم بالمصلى) قيل: أراد مصلى الجنائز، ويشهد له الرواية الأخرى ببقيع الغرقد، وقيل: مصلَّى الأعياد، وليس له حكم المسجد إلا أن يتخذ مسجدًا، وإذا اتخذ مسجدًا فلا يجوز فيه الرجم للتلطُّخِ، واللَّه أعلم.
وقوله: (فقال له خيرًا) أي: أثنى عليه.
3561 -
[7](ابن عباس) قوله: (أو غمزت) في (القاموس)(1): غمزَه بيده: مسَّه ونخَسَه، وبالعَين والجَفْن والحاجب: أشارَ، ويجيء بمعنى العَصْر والكبسِ باليد، ويحتمل الحديثُ هذه المعانيَ كلَّها، واللَّه أعلم.
وقوله: (أنكتها؟ ) بالاستفهام على وزن بِعْتَ بلفظ الخطاب: جامعتها، يقال: ناكها ينيك: جامعها.
(1)"القاموس"(481).
لَا يَكْنِي قَالَ: نَعَمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: 6824].
3562 -
[8] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! طَهِّرْنِي فَقَالَ: "وَيْحَكَ! ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِرِ اللَّه، وَتُبْ إِلَيْهِ"، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! طَهِّرْنِي فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟ " قَالَ: مِنَ الزِّنَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَبِهِ جُنُونٌ؟ " فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، فَقَالَ:"أَشَرِبَ خَمْرًا؟ " فَقَامَ رَجُلٌ، فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ، فَقَالَ:"أَزَنَيْتَ؟ " قَالَ: نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، فَلَبِثُوا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: "اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ،
ــ
وقوله: (لا يكني) من الكناية، وهو قول الراوي، أي: قال صلى الله عليه وسلم بالتصريح لا بالكناية.
3562 -
[8](بريدة) قوله: (ويحك) كلمةُ ترحُّمٍ لمن وقع في هَلَكة لا يستحقُّها، وقد يستعمل في مقام المدح والتعجُّب، وقد مرّ تحقيقه مرارًا.
وقوله: (غير بعيد) أي: زمان غير بعيد.
وقوله: (فيم) كذا في جميع نسخ (مسلم) و (كتاب الحميدي)، وأكثر نسخ (المصابيح)، و (في) أَجْليَّةٌ، وفي بعض النسخ:(ممّ) وهو الأوفق ظاهرًا بقوله: (من الزنا).
وقوله: (فاستنكهه) أي: شَمَّ رِيحَ فِيه، والنَّكهةُ ريحُ الفمِ.
وقوله: (فقال: استغفروا لماعز) المراد طلب مزيد الغفران ورفع الدرجات،
لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ"، ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! طَهِّرْنِي، فَقَالَ: "وَيَحَكِ ارْجِعِي، فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ"، فَقَالَتْ: تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَ: "أَنْتِ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ لَهَا: "حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ" قَالَ: وَكفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: "إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا، لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ"، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: "اذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي" فَلَمَّا وَلَدَتْ، قَالَ: "اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ" فَلَمَّا فَطَمَتْهُ، أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ،
ــ
فإنه قد غفر بإقامة الحد.
وقوله: (من غامد) بالغين المعجمة، في (القاموس) (1): غامد أبو قبيلة ينسب إليه الغامديون.
وقوله: (ترددني كما رددت) كلا اللفظين من الترديد، ورجل مردَّد: الحائر البائر، كذا في (القاموس)(2).
وقوله: (وكفلها رجل) أي: أقام بمؤنها ومصالحها، كما في قوله تعالى:{وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37].
(1)"القاموس المحيط"(ص: 290).
(2)
"القاموس المحيط"(ص: 269).
وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ، فَرَجَمُوهَا، فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ بِحَجْرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا، فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ، فَسَبَّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَهْلًا يَا خَالِدُ! فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 1695].
ــ
وقوله: (فحفر لها إلى صدرها) دليل الحنفية على حفر المرجومة.
وقوله: (فيقبل) في أكثر النسخ بصيغة المضارع من الإقبال استحضارًا لتلك الصورة، وفي بعضها:(فتَقبَّلَ) بصيغة الماضي من التقبل.
وقوله: (فتنضخ) بالضاد المعجمة، وروي بالحاء المهملة والمعجمة، أي: ترشَّشَ وانصبَّ، و (المكس) بفتح الميم وسكون الكاف: الضريبة التي يأخذها الماكس، وهو العَشَّار، وقال في (القاموس) (1): المكس: النقص والظلم.
وقوله: (فصلى عليها) هذه اللفظة عند جماهير رواة (صحيح مسلم) بفتح الصاد واللام، أعني: على صيغة المعلوم، فيدلّ على صيغة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وعند الطبري، وفي رواية ابن أبي شيبة وأبي داود بضم الصاد وكسر اللام، وهو الأظهر، فلا يدل على ذلك، وقد جاء في رواية أبي داود:(لم يُصَلِّ عليه) بصيغة المعلوم، يعني لم يصلِّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، بل أمرَ القومَ بأن يصلي، ومن ههنا اختلف الأئمة في الصلاة على المحدود، فكرهه مالك، وقال أحمد: لا يصلي الإمام وأهل الفضل، وقال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما: يصلَّى عليه وعلى كل واحد من هو أهل لا إله إلا اللَّه من أهل القبلة، وإن كان فاسقًا ومحدودًا، وهو رواية عن أحمد.
(1)"القاموس المحيط"(ص: 532).
3563 -
[9] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبيَنَ زِناهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 2234، م: 1703].
3564 -
[10] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَنَتْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَفدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ. . . . .
ــ
3563 -
[9](أبو هريرة) قوله: (فليجلدها الحد) فيه أنه لا رجم على العبد والأمة.
وقوله: (ولا يثرب عليها) من التثريب بمعنى التوبيخ والتعيير، والمراد النهيُ عن التثريب وحدَه وتركِ الجَلدِ، فإنه كان تأديبَ الزُّناة قبل شرع الحد، وهو التثريب وحده، وقيل: المراد النهي عن التثريب بعد الجلد، فإنه صارت كفارة، قال الطيبي (1): في الحديث دليل على أن السيد يقيم الحد على الإماء والعبيد، ويسمع البينة عليهما كما هو مذهبنا، والحنفية حملوا قوله:(فليجلد) على التسبيب، انتهى.
وقوله: (فليبعها) فإنها لعلها تستعف عند المشتري بصونها أو تزويجها.
3564 -
[10](علي) قوله: (من أحصن) المراد بالإحصان هنا التزوج، كما في قوله تعالى:{فَإِذَا أُحْصِنَّ} [النساء: 25].
وقوله: (فإن أمة) دليل على إقامة الحدود على الأرقاء، لكن أُخِّرَ هنا للنِّفاسِ.
(1)"شرح الطيبي"(7/ 128).