الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيما سبق، لكن حمله على حالتين أولى، والله أعلم. انتهى.
(105)
(بَابُ مَنْ قَالَ لَا يَقْطَعُ الصَّلاة شَيْءٌ)
أي هذا باب في بيان قول من قال: (لَا يَقْطَعُ الصَّلاة شَيْءٌ)، ومعناه: مِن فعل غير المصلِّي.
514 -
قوله: (حَدَّثَنا عُمَر بنُ حَفْص بنِ غِيَاثٍ). قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي) أَي حفص، ترجمتها في باب المضمضة والاستنشاق من الجنابة.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) أي سُلَيمان بن مِهْران.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا إِبراهِيْمُ) أي النَّخَعي ترجمتهما في باب ظلم دون ظلم.
قوله: (عَنِ الأَسوَدِ) أي ابن يزيد النَّخَعي، ترجمته في باب من ترك بعض الاختيار في كتاب العلم.
قوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي الصِّدِّيقة.
قوله: (وَقالَ الأَعْمَشُ) أي سُلَيمان المتقدِّم في السند.
قوله: (حَدَّثَني مُسْلِمٌ) أي أبو الضُّحَى، ذكر في باب الصَّلاة في الجبَّة الشاميَّة.
قوله: (عَنْ مَسْرُوْقٍ) أي ابن الأجدع الكوفي، في باب علامات المنافق، وزيد في ترجمته في باب التيمُّن في الوضوء والغسل.
قوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي أمُّ المؤمنين رضي الله عنها، ترجمتها في بدء الوحي.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في أربع مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع واحد، وفيه العنعنة في أربع مواضع، وفيه إسنادان أحدهما عن عُمَر بن حَفْص عن أبيه حَفْص بن غياث عن الأَعْمَش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، والآخر عن الأَعْمَش عن مسلم عن مَسْروق عن عائشة، وأشار إليه بقوله:(وَقَالَ الأَعْمَشُ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ) قال الكِرْماني: هذا إما تعليق، وإما داخل تحت الإسناد الأول، وهذا تحويل، سواء كان بكلمة (ح) كما في بعض النُّسخ، أو لم يكن. قال شيخنا: قوله: (قَاَل الأَعْمَشُ) هو مقول حَفْص بن غياث وليس بتعليق، وهو نحو ما تقدَّم من رواية علي بن مُسْهِر. قال العَيني: أراد به الردَّ على الكِرْماني، وليس له وجه؛ لأنَّه ذكر التعليق بالنَّظر إلى ظاهر الصُّورة، وذكر أيضًا: إنَّه داخل تحت الإسناد الأوَّل. انتهى. قلت: لم ينفِ شيخُنا أنَّ ظاهر الصُّورة لا يحتمل التعليق، بل نفى ما يحتمله ظاهر الصُّورة حتَّى لا يتردَّد النَّاظر في ذلك. انتهى.
قوله: (ذُكِرَ عِندَهَا مَا يَقطَعُ الصَّلاة الكَلبُ وَالحِمَارُ وَالمرأَةُ، فَقَالَتْ: شَبَّهْتُمُونَا بِالحُمُرِ وَالكِلَابِ؟! وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي وَأَنَا عَلَى السَّرير بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ مُضطَجِعَةً، فَتَبدُو [لي الحاجة]
(1)
فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ فَأُوْذِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ).
مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إنَّه يدلُّ على الصَّلاة لا يقطعها شيء، بيان ذلك: أنَّ عائشة رضي الله عنها أنكرت على من ذكر عندها أنَّ الصَّلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة، بكونها كانت على السَّرير بين النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وبين القبلة وهي مضطجعة، ولم يجعل عليه السلام ذلك قطعًا لصلاته، فهذه الحالة أقوى من المرور، فإذا لم تقطع ففي المرور بالطريق الأولى، ثمَّ المرور عام من أي حيوان كان؛ لأنَّ الشَّارع جعل كلَّ مارٍّ بين يدي المصلِّي شيطانًا، وذلك في حديث
(1)
[لي الحاجة] : ليست في الأصل، وقد أثبتت موافقة لأصل الحديث.
أبي سعيد الخُدْري أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك، وأبو داود عن القَعنَبي عن مالك عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدْري عن أبي سعيد الخُدْري أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إذا كانَ أحدُكم يُصلِّي فلا يَدْعنَّ أحدًا يَمرُّ بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإنْ أبى فليقاتلْه فإنَّما هو شيطان)) وهو بعمومه يتناول بني آدم وغيرَهم، فجعل نفس المرور قاطعًا، وإنما ذمَّ المارَّ حيث جعله شيطانًا من باب التشبيه.
قال العَيني: وحديث الباب قد تكرر ذكره مطوَّلًا ومختصرًا بوجوه شتَّى وطرق مختلفة، ذُكر في باب الصَّلاة إلى السَّرير، وفي باب استقبال الرجل الرجل في الصَّلاة، وفي باب الصَّلاة خلف النَّائم، وفي باب التطوُّع خلف المرأة، وفي هذا الباب في موضعين. انتهى.
قوله: (ذُكِرَ عِنْدَهَا) أي ذُكر عند عائشة.
قوله: (مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ) كلمة (ما) موصولة، ويجوز فيه وجهان، الأول: أن يكون مبتدأ وخبره قولُه: (الكلْبُ) والجملة في محلَّ النصب؛ لأنَّه مفعول ما لم يسمِّ فاعله، ويكون قوله:(الكُلْبُ) بدلًا منه.
قوله: (وَأَنَا عَلَى السَّرير بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ مُضْطَجِعَةٌ) ثلاثة أخبار مترادفة. قاله الكِرْماني، وقال أيضًا: أو خبران وحال، أو حالان وخبر، وفي بعضها ((مُضْطَجِعَةً)) بالنَّصب، فالأوَّلان خبران، أو أحدهما حال والآخر خبر. قال العَيني: التحقيق فيه أن قوله: (وَأَنَا عَلَى السَّرِيْرِ) جملة اسميَّة وقعت حالًا من عائشة، وكذا قوله:(بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ) حال، وقوله:(مُضْطَجِعَةٌ) بالرفع خبر مبتدأ محذوف تقديره: وأنا مضطجعة، وعلى هذا التقدير تكون هذه الجملة أيضًا حالًا، ويجوز أن تكون (مُضْطَجِعَةٌ) بالرفع خبرًا لقوله:(وَأَنا) أي والحال أنا مضطجعة على السَّرير، فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير مبتدأ، وأما وجه النَّصب في ((مُضْطَجِعَةً)) فعلى إنَّه حال من عائشة أيضًا، ثمَّ يجوز أن يكون هذان الحالان مترادفان، ويجوز أن يكونا متداخلين.
قوله: (شَبَّهتُمُونَا بِالحُمُرِ وَالكِلَابِ؟!) قال شيخنا: قال ابن مالك: في هذا الحديث جواز تعدي المشبَّه بالباء. وأنكره بعض النَّحويين حتَّى بالغ فخطَّأ سيبويه في قوله: شبَّه كذا بكذا، وزعم: إنَّه لا يوجد في كلام من يُوثق بعربيته، وقد وجد في كلام من هو فوق ذلك، وهي عائشة رضي الله عنها، والحقُّ: إنَّه جائز وإن كان سقوطُها أَشهَرُ في كلام المتقدِّمين، وثبوتها لازم في عُرف العلماء المتأخِّرين. انتهى.
قلت: هذا الذي نقله شيخنا عن ابن مالك ذكره في كتاب «شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح» المشهور تعدِّيه شَبَّه إلى مشبَّه ومشبَّه به دون باء؛ لقول امرئ القيس:
فشبَّهتهم في الآل لما تكمَّشوا
…
حدائقَ دوم أو سفينًا مقيرًا
ويجوز أن يعدَّى بالباء فيقال: شبَّهت كذا بكذا، ثمَّ ذكر له تتمَّة. انتهى.
وفي رواية للبخاري: (لَقَدْ جَعَلْتُمُوْنَا كِلَابًا) وهي في باب استقبال الرجل الرجل وهو يصلِّي، وفي رواية مسلم قالت:((عدلتُمونا بالكلابِ والحمر؟!))، وفي رواية أخرى له:((قد شبَّهتُمونا بالحمرِ والكلابِ!)) ورواية الطَّحاوي: ((لقدْ عدلتُمونا بالكلابِ والحميرِ!))، وقد
أخرج الطَّحاوي هذا الحديث من سبع طرق صِحاح، وفي رواية سعيد بن مَنْصور قالت عائشة: ((يا أهلَ العراقِ قدْ عدلتمونا
…
)) الحديث، وقد أخرج العراق: حدَّثنا عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أخرجه مسلم، وقال: حدَّثنا ابن أبي شَيْبَة قال: حدَّثنا إسماعيل بن عليَّة، وحدَّثني زُهَير بن حرب قال: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم عن يُونُس عن حُمَيْد بن هلال، وحدَّثني زُهَير بن حرب قال: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم عن يُونُس عن حُمَيْد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قامَ أحدُكم يصلِّي فإنَّه يسترُه إذا كانَ بينَ مثلِ آخرةِ الرَّحل، فإذا لمْ يكنْ بين يديه مثلُ آخرةِ الرَّحل فإنَّه يقطعُ صلاتَه الحمارُ والمرأةُ والكلبُ الأسودُ)). قلت: يا أبا ذرٍّ، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر ومن الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال:((الكلبُ الأسودُ شيطانٌ))، وأخرجه الأربعة أيضًا مطولًا ومختصَرًا، وقيَّد الكلب في روايته بالأسود، وروى ابن ماجَهْ من حديث ابن عبَّاس عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال:((يقطعُ الصَّلاةُ الكلبُ الأسودُ والمرأةُ الحائضُ))، وقيَّد المرأة في روايته بالحائض، قال شيخنا: وهو عند ابن ماجَهْ من طريق الحسن البصري عن عبد الله بن معقل، وعند الطَّبَرَاني من طريق الحسن أيضًا عن الحكم بن عَمْرو نحوه من غير تقييد، وعند مسلم من طريق أبي هريرة كذلك.
قوله: (فَتَبْدُو ليَ الحَاجَةُ) أي تظهر، وفي «مسند السَّرَّاج» :((فتكون لي الحاجة)).
قوله: (فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ) أي أستقبل رسول الله، وذكر في باب الصَّلاة على السَّرير:(فأكرَه أنْ أسنَحَه) وفي باب استقبال الرحل: (فَأكرَهُ أنْ أَسْتَقَبِلَهُ)، والمقصود من ذلك كلِّه واحد، لكن لاختلاف المقامات اختلفت العبارات.
قوله: (فَأُوْذِي) بلفظ المتكلِّم من المضارع، وفاعله الضَّمير فيه، و (النَبِّيَ) بالنَّصب مفعوله، وفي النَّسائي من طريق شُعْبَة عن مَنْصور عن الأسود عن عائشة في هذا الحديث:((فأكرهُ أنْ أقومَ، فأمرَّ بينَ يديهِ)).
قوله: (فَأَنْسَلُّ) بالرَّفع عطفًا على (فَأُوْذِي) ومعنى: (فَأَنْسَلُّ) أي أمضي بتأنٍّ وتدريج، وقد ذكرناه مرَّة، وفي رواية الطَّحاوي:((فَأَنْسَلُّ انْسِلَالًا)) وكذا في رواية للبخاري.
قال الطَّحاوي دلَّ حديث عائشة على أنَّ مرور بني آدم بين يدي المصلِّي لا يقطع الصَّلاة، وكذلك دلَّ حديث أمِّ سلمة وميمونة بنت الحارث، فأخرج الطَّحاوي حديث أمِّ سلمة عن زينب بنت أبي سلمة عن أمِّ سلمة قالت:((كانَ يفرشُ لي حيالَ مصلَّى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، كان يصلِّي وإنِّي حياله))، وأخرجه أحمد في «مسنده» نحوه، غير أنَّ في لفظه:((حيال مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي تلقاء وجهه، وأخرج الطَّحاوي أيضًا حديث ميمونة عن عبد الله بن شدَّاد قال: حدَّثتني خالتي ميمونة بنت الحارث قالت: ((كانَ فراشي حيالَ مصلَّى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، فربَّما
وَقَعَ ثوبُه عليَّ وهو يصلِّي))، وأخرجه أبو داود ولفظه:((كانَ رسولُ اللهُ صلى الله عليه وسلم يصلِّي وأنا حِذاءَه وأنا حائض، وربَّما أصابني ثوبُه إذا سجد، وكان يصلِّي على الخمرةِ)).
قوله: (مُصَلَّى رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم -بفتح اللَّام- وهو الموضع الذي كان يصلِّي فيه عليه السلام في بيته، وهو مسجده الذي عيَّنه للصلاة فيه، و (الخُمْرَةُ) -بضمِّ الخاء المعجمة- حصير صغير يُعمل من سَعَفِ النَّخل وينسج بالسيور والخيوط، وهي على قدر ما يوضع عليه الوجه والأنف، فإذا كبرت عن ذلك تسمَّى حَصِيرًا. قلت: وفيها خلاف تقدَّم في باب الصَّلاة على الخمرة. انتهى.
وقال الطَّحاوي: فقد تواترت هذه الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدلُّ على أنَّ بني آدم لا يقطعون الصَّلاة، وقد جُعل كلُّ مارٍّ بين يدي المصلِّي في حديث ابن عُمَر وأبي سعيد شيطانًا، وأخبر أبو ذرٍّ: أنَّ الكلب الأسود إنَّما يقطع الصَّلاة لأنَّه شيطان، فكانت العلَّة الَّتي جُعلت لقطع الصَّلاة قد جُعلت في بني آدم أيضًا، وقد ثبت عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أنَّهم لا يقطعون الصَّلاة، فدلَّ على أنَّ كلَّ مارٍّ بين يدي المصلِّي مما سوى بني آدم كذلك أيضًا لا يقطع الصَّلاة، والدليل على صحَّة ما ذكرنا: أنَّ ابن عُمَر مع روايته ما ذكرنا عنه قد رُوي عنه قوله من بعده ما حدَّثنا يُونُس قال: حدَّثنا سُفْيان عن الزُّهْري عن سالم قال: قيل لابن عُمَر: إنَّ عبد الله بن عيَّاش بن أبي ربيعة يقول: يقطع الصَّلاة الكلب والحمار، فقال ابن عمر: لا يقطع صلاة المسلم شيء. فقد دلَّ هذا على ثبوت نسخ ما كان سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتَّى صار ما قال به أولى عنده من ذلك. انتهى. قال شيخنا: وتُعقِّب كلام الطَّحاوي بأنَّ النَّسخ لا يُصار إليه إلَّا إذا علم التَّاريخ وتعذَّر الجمع، والتَّاريخ هنا لم يتحقق والجمع
(1)
لم يتعذَّر، قال العَيني: لا نسلِّم ذلك؛ لأنَّ مثل ابن عُمَر رضي الله عنهما بعدما روي عنه أنَّ المرور يقطع قال: لا يقطع صلاة المسلم شيء، فلو لم يثبت عنده نسخ ذلك لم يقل بما قال من عدم القطع، ومن الدليل على ذلك: أنَّ ابن عياش الذي هو
(2)
أحد رواة القطع روي عنه أنَّه حمله على الكراهة، قال البَيْهَقي: روى سماك عن عكرمة، قيل لابن عياش: أيقطع الصَّلاة المرأةُ والكلبُ والحمارُ؟ فقال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] فما يقطع هذا ولكن يكره. وقال الطَّحاوي: وقد رُوي عن نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّ مرور بني آدم وغيرهم بين يدي المصلِّي لا يقطع الصَّلاة، ثمَّ أخرج عن سعيد بن المُسَيَّب بإسناد صحيح: أنَّ عليًا وعثمان قالا: ((لا يقطع صلاة المسلم شيء، وادرؤوا ما استطعتم))، وأخرجه أيضًا ابن أبي شَيْبَة في «مصنَّفه» عن ابن المُسَيَّب عن علي وعُثْمان قالا:((لا يقطعُ الصَّلاةَ شيءٌ، فادرؤوهم عنكم ما استطعتم))، وأخرج الطَّحاوي عن كعب بن عبد الله عن حُذَيفة بن اليمان يقول:((لا يقطع الصَّلاة شيء))، وأخرجه ابن أبي شَيْبَة
(1)
والجمع: ليس في الأصل، وإنما أثبتت لاستقامة السياق.
(2)
هو: ليس في الأصل، وإنما أثبتت لاستقامة السياق.
أيضًا، وأخرج الطَّبَرَاني من حديث علي رضي الله عنه مرفوعًا:((لا يقطع الصَّلاة شيء إلَّا الحدث)).
وقال الكِرْماني: القائلون بقطع الصَّلاة بمرورهم من أين قالوا به؟ قلت: باجتهادهم، ولفظ:(شَبَّهْتُمُوْنَا) يدلُّ عليه؛ إذ نسبت التشبيه إليهم، وإما بما ثبت عندهم من قول الرسول عليه السلام. قال العَيني: هذا السؤال سؤال مَن لم يقف على الأحاديث الَّتي فيها القطع، وأحد شقي الجواب غير موجَّه؛ لأنَّه لا مجال للاجتهاد عند وجود النصِّ. ثمَّ قال الكِرْماني: فإن قال الرسول به فلم لا يُحكم بالقطع؟ قلتُ: إما لأنَّها رجحت خبرها على خبرهم من جهة إنَّها صاحبة الواقعة، أو من جهة أخرى، أو إنَّها أوَّلت القطع بقطع الخشوع ومواطأة القلب اللسان في التلاوة، لا قطع أصل الصَّلاة، أو جعلت حديثها وحديث ابن عبَّاس من مرور الحمار والأتان ناسِخَين له، وكذا حديث أبي سعيد الخُدْري حيث قال:(فَلْيَدْفَعْهُ) و (فَلْيُقَاتِلْهُ) من غير حكم بانقطاع الصَّلاة بذلك. فإن قلت: لِمَ لَمْ يعكس بأن يجعل الأحاديث الثلاثة منسوخة به؟ قلت: للاحتراز عن كثرة النسخ؛ إذ نسخ حديث واحد أهون من نسخ ثلاثة، أو لأنَّها كانت عارفة بالتاريخ وتأخُّرها عنه. انتهى.
قال شيخنا: ومال الشَّافعي رضي الله عنه وغيرُه إلى تأويل القطع في حديث أبي ذرٍّ؛ فإن المراد به: نقص الخشوع لا الخروج من الصَّلاة، ويؤيِّد ذلك: أنَّ الصحابي راوي الحديث سأل عن الحكمة في التقييد بالأسود، فأجيب: بأنه شيطان، وقد عُلم أنَّ الشَّيطان لو مرَّ بين يدي المصلِّي لم تفسد صلاته كما سيأتي في «الصحيح» :(إذا ثُوِّب بالصلاة أدبرَ الشيطان، فإذا قُضي التثويبُ أقبلَ حتَّى يخطُر بينَ المرء ونفسِه) الحديث، وسيأتي في باب العمل في الصَّلاة حديثُ:(إنَّ الشَّيطان عَرَض لي فشدَّ عليَّ) الحديث، وللنَّسائي من حديث عائشة:((فأخذتُه فصرعتُه فخنقتُه)) ولا يقال: قد ذُكر في هذا الحديث: إنَّه جاء ليقطع صلاته؛ لأنّا نقول: قد بين في رواية مسلم سبب القطع، وهو إنَّه جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهه، وأما سجود المرور فقد حصل ولم تفسد به الصلاة. وقال بعضهم: حديث أبي ذرٍّ مقدَّم؛ لأنَّ حديث عائشة على أصل الإباحة. انتهى. وهو مبني على أنهما متعارضان، ومع إمكان الجمع المذكور لا تعارض.
وقال أحمد: يقطع الصَّلاة الكلب الأسود، وفي النَّفس من المرأة والحمار شيءٌ. ووجَّه ابن دقيق العيد وغيرُه بأنه لم يجد في الكلب الأسود ما يعارضه، ووجد في الحمار حديثَ ابن عبَّاس، يعني الذي تقدَّم في مروره وهو راكب بمنى، ووجد في المرأة حديث عائشة، يعني حديث الباب، وسيأتي الكلام في دلالته على ذلك بعدُ. قال: واستدلَّ بقول عائشة: (فأكرَهُ أنْ أجلِسَ فَأُوذي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم على أنَّ التشويش بالمرأة وهي قاعدة يحصل منه ما لا يحصل
بها وهي راقدة، والظَّاهر: أنَّ ذلك من جهة الحركة والسُّكون، وعلى هذا فمرورها أشدُّ، وقد تقدَّم حديث النَّسائي:((فأكره أنْ أقومَ فأمرَّ بين يديه)) فالظَّاهر أنَّ عائشة إنَّما أنكرت إطلاق كون المرأة تقطع الصَّلاة في جميع الحالات لا المرور بخصوصه.
515 -
قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحاق بنُ إِبْرَاهِيْمَ) أي الحنظلي المعروف بابن راهويه، ترجمته في باب فضل من علم وعلَّم.
قوله: (قَالَ: أَخبَرَنَا يَعْقُوْبُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ بنِ سَعْدٍ) أي القُرَشي المدني الزُّهْري، في باب ما ذكر في ذهاب موسى في البحر.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا ابنُ أَخِي ابنُ شِهَابٍ) أي محمَّد بن عبد الله بن مسلم في باب ما يستر من العورة.
قوله: (أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ) أي محمَّد بن مسلم بن شهاب الزُّهْري، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قوله: (عَنِ الصَّلاة يَقْطَعُها شَيءٌ؟ فَقَالَ: لَا يَقْطَعُها شَيءٌ، أَخبَرَني عُرْوَة بنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرَضِيَ عَنْهَا) ترجمتهما في بدء الوحي.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه الإخبار كذلك في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه السؤال والقول، وفيه رواية الرجل عن عمه، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصحابية، وفيه إنَّه وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ: <إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ الحَنْظَلِي> المعروف بابن راهويه، وفي رواية غيره وقع: <إِسْحَاقُ> غيرَ منسوب، وزَعَمَ أبو نعيم: إنَّه إِسْحاق بن مَنْصور الكوسج، وجزم ابن السَّكَن بأنَّه ابن راهويه وقال: كلُّ ما في «البخاري» عن إِسْحاق غير منسوب فهو ابن راهويه، وقال الكلاباذي: إِسْحاق بن إبراهيم وإِسْحاق بن مَنْصور كلاهما يرويان عن يعقوب. قال شيخنا: وما جزم به ابن السَّكَن أَولى. انتهى.
قلت: قال شيخنا: في غير هذا المحلِّ وكنت أجوِّز إنَّه ابن راهويه لثبوته في «مسنده» عن الفِرْيابي إلى أن رأيت في سياقه له مغايرة. انتهى.
قوله: (قَالَتْ: لَقَد كَانَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُوْمُ فَيُصَلِّي مِنَ اللَّيل وَإِنِّي لَمُعتَرِضَةٌ بَينَهُ وَبَينَ القِبْلَةِ عَلى فِراشِ أَهلِهِ).
مطابقة الحديث للترجمة صريح في قول الزُّهْري، وقال شيخنا: وجه الدلالة من حديث عائشة الذي احتجَّ به ابن شِهاب: أنَّ حديث (يقطع الصَّلاة المرأة
…
) إلى آخره يشمل ما إذا كانت مارَّةً أو قائمة أو قاعدة أو مضطجعة، فلمَّا ثبت إنَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى وهي مضطجعة أمامَه دلَّ ذلك على نسخ الحكم في المضطجع، وفي الباقي بالقياس عليه، وهذا يتوقف على إثبات المساواة بين الأمور المذكورة، وقد تقدَّم ما فيه، فلو ثبت أنَّ حديثها متأخِّر عن حديث أبي ذرٍّ لم يدلَّ إلَّا على نسخ الاضطجاع فقط، وقد نازع بعضهم في الاستدلال به مع ذلك من أوجهٍ أخرى:
أحدها: أنَّ العلَّة في قطع الصَّلاة بها ما يحصل من التَّشويش، وقد قالت: إنَّ البيوت يومئذ لم يكن فيها مصابيح، فانتفى المعلول بانتفاء علَّته.
ثانيها: أنَّ المرأة في حديث أبي ذرٍّ مطلقةٌ، وفي حديث عائشة مقيَّدة بكونها زوجته، فقد يحمل المطلق على المقيَّد، ويقال بتقييد القطع بالأجنبيَّة لخشية الافتتان بها، بخلاف الزوجة فإنَّها حاصلة.
ثالثها: أنَّ حديث عائشة
واقعة حال يتطرَّق إليها الاحتمال، بخلاف حديث أبي ذرٍّ فإنَّه مسوق مساق التشريع العام، وقد أشار ابن بطَّال إلى أنَّ ذلك كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه كان يَقدِر من مِلْكِ إربه على ما لا يَقْدِر عليه غيرُه، وقال بعض الحنابلة: يعارض حديث أبي ذرٍّ وما وافقه أحاديثُ صحيحة غير صريحة وصريحة غير صحيحة، فلا يترك العمل بحديث أبي ذرٍّ الصريح بالمحتمل، يعني حديث عائشة وما وافقه، والفرق بين المار وبين النَّائم في القبلة: أنَّ المرور حرام بخلاف الاستقرار، نائمًا كان أو غيره، فهكذا المرأة يقطع مرورها دون لُبثها. انتهى.
قوله: (لَا يَقْطَعُهَا) أي لا يقطع الصَّلاة شيء، وهذا عام مخصوص بالأمور الثلاثة الَّتي وَقَعَ النزاع فيها؛ لأنَّ القواطع في الصَّلاة كثيرة، مثل القول والفعل الكثير وغيرهما، وما من عام إلَّا وقد خُصِّص إلَّا:{وَاللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَليمٌ} [البقرة: 132] ونحوُه، فإن قلت: قوله تعالى: {اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ} [الزمر: 62] عامٌّ مطلقًا أم مخصوص؟ قلت: هو مخصوص بالحادث؛ لأنَّ القرآن شيء وليس مخلوقًا، وهو تعالى يسمَّى شيئًا وليس خالقًا لنفسه، والمخصص قد يكون عقليًّا وقد يكون عُرفيًّا، فالمخصص في الآية عقليًّا. انتهى.
قوله: (أَخَبَرَنِي) من تتمَّة مقول ابن شهاب.
قوله: (وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ) جملة اسميَّة مؤكَّدة بإنَّ واللَّام في موضع النَّصب على الحال.
قوله: (عَلَى فِرَاشِ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المُسْتَمْلي: <عَنْ فِرَاشِ> قال شيخنا: والأوَّل يقتضي أن تكون صلاته كانت واقعة على الفراش، بخلاف الثَّاني ففيه احتمال، وقد تقدَّم في باب الصَّلاة على الفراش من رواية عقيل عن ابن شهاب مثل الأوَّل. انتهى. وعلى الروايتين هو متعلِّق بـ (يقوم) مع أنَّ الرواية الأولى يحتمل تعلُّقها بلفظ (يصلِّي) أيضًا.
قال العَيني: استدلَّت بهذا الحديث عائشةُ والعلماءُ بعدَها على أنَّ المرأة لا تقطع صلاة الرجل، وفيه جواز صلاة الرجل إليها، وكرهه البعض لغير النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لخوف الفتنة بها وبذكرها واشتغال القلب بها بالنظر إليها، والنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم منزَّه عن هذا كلِّه، مع إنَّه كان في اللَّيل والبيوت يومئذ ليست فيها مصابيح، وفيه استحباب صلاة اللَّيل، وفيه جواز الصَّلاة على الفراش.
(106)(بابُ: مَن حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنِقِهِ) أي هذا باب في بيان من حمل جارية صغيرة على عنقه، يعني لا تفسد صلاته، وقال ابن بطَّال: أدخل البخاري هذا الحديث هنا ليدلَّ أنَّ حمل المصلِّي الجارية على العنق لا يضرُّ صلاته؛ لأنَّ حملها أشدُّ من مرورها بين يديه، فلمَّا لم يضرّ حملها كذلك لا يضرّ مرورها. قال شيخنا: وأشار إلى نحو هذا الاستنباط الشَّافعي رضي الله عنه، لكن تقييد المُصَنِّف بكونها صغيرة قد يشعر بأن الكبيرة ليست كذلك. انتهى. قال العَيني: فكذلك، أي كون حملها لا يضرُّ فكذلك مرورها. ترجم هذا الباب بهذه الترجمة، وبينه وبين الأبواب الَّتي قبله مناسبة من هذا الوجه.
516 -
قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوْسُفَ) أي التَّنِّيسي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا
مَالِكٌ) أي ابن أنسٍ.
قولُه: (عَنْ عَامِرِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ) أي ابنِ العَوَّام.
قولُه: (عَنْ عَمْرو بنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقيِّ) -أي بضمِّ السِّينِ من سُليمٍ والزَّاي من الزُّرَقيِّ وفتحِ الرَّاء منه- وهو نسبه في الأنصارِ إلى زُرَيقِ بنِ عامرِ بنِ زُرَيقِ بنِ عبدِ حارِثةَ بنِ مالكِ بنِ عصبِ بنِ جُشَمِ بنِ الخَزرجِ.
قولُه: (عَنْ أَبِي قَتَادَة الأَنْصَارِيِّ) أي الحارثِ أو النُّعْمانِ أو عَمْرو بنِ رِبعيِّ بنِ بَلدَمَةَ السُّلَمِيِّ، قال الهيثمُ بنُ عَدِيٍّ: إنَّ عليًا رضي الله عنه صلَّى عليه بالكوفةَ في سنةِ ثمانٍ وثلاثينَ.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغةِ الجمعِ في موضعٍ واحدٍ، وكذلكَ الإخبارُ والعَنعَنةُ في ثلاثِ مَواضعَ، وفيه في روايةِ عبدِ الرزَّاق عن مالك: سمعتُ أبا قَتَادة، وكذا في روايِة أحمدَ من طريقِ ابن جُرَيج عن عامرٍ عن عَمْرو بنِ سُليمٍ: إنَّه سمعَ أبا قَتَادَةَ، وفيه: أنَّ رجالَه كلَّهُم مدنيُّون ما خلا شيخ البخاريِّ، وفيه: روايةُ التَّابعي عنِ التَّابعي عنِ الصَّحابيِّ.
قوله: (أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتِ زَينَبَ بِنْتِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلأَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيْعِ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَها، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا) مطابقته للترجمة ظاهرةٌ، فإن قلتَ: أينَ الظُّهورُ وقد خُصِّصَ الحملُ بكونِه على العُنُق، ولفظُ الحديث أعمُّ من ذلك؟ أُجيب بأنَّه أشارَ بذلك إلى أنَّ الحديثَ له طرقٌ أخرى؛ منها لمسلم ٍمن طريق بُكيرِ بنِ الأَشجِّ عن عَمْرو بنِ سُليم، وصرَّح فيه:((عَلَى عُنُقِهِ))، وكذا في روايةُ أبي داود، وفي روايةٍ له:((يصلِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي على عاتقه)). وفي روايةٍ لأحمدَ من طريقِ ابنِ جُريجٍ: ((على رقبته)).
هذا الحديثُ أخرجه البخاريُّ في الأدب عن أبي الوليد الطّيالسيِّ، وأخرجه مسلمٌ في الصَّلاة عن القَعنَبي ويحيى بنِ يحيى وقُتَيْبَةَ ثلاثتُهم عن مالكٍ به، وعن قُتَيْبَة عن ليثٍ به، وعن ابن أبي عُمَر عن سُفْيان بن عُيَيْنةَ، وعن محمَّد بن المثنَّى عن أبي بكرٍ الحنفيِّ، وعن أبي الطاهرِ بنِ السَّرح وهارونَ بنِ سعيدٍ كلاهما عن ابن وَهْبٍ.
وأخرجه أبو داود فيه عن القَعنَبي به، وعن قُتَيْبَة عن اللَّيث به، وعن محمَّد بن سَلَمَةَ عن ابن وَهْب به، وعن يحيى بن خَلَفٍ عن عبد الأعلى عن محمَّد بن إِسْحاق.
وأخرجَه النَّسائي فيه عن قُتَيْبَة عن مالك به، وعن قُتَيْبَة عن اللَّيث به، وعن قُتَيْبَة عن سُفيانَ، وعن محمَّد بن صَدقةَ الحمصيِّ عن محمَّد بن حربٍ.
قولُه: (وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ) جملةٌ اسميّةٌ في محلِّ النَّصب على الحال، ولفظُ:(حَامِلٍ) بالتنوين، و (أُمَامَةَ) بالنَّصبِ، وهو المشهور، ويروى بالإضافة كما في قوله تعالى:{إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} [الطلاق: 3] بالوجهين في القراءة، وقال الكِرْماني: فإن قلتَ: قالتِ النُّحَاةُ: فإن كان اسمُ الفاعل للماضي وجبَتِ الإضافةُ، فما وجهُ عملِه؟ قلتُ: إذا أُريد حكايةُ الحال الماضيةِ جاز إعماله كما في قوله تعالى {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْه} [الكهف: 18].
و (أُمَامَةَ) -بضمِّ الهمزة وتخفيف الميمين- بنتُ زينبَ رضي الله عنها، وكانت زينبُ أكبرَ بناتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت فاطمةُ أصغرَهُنَّ وأَحبَّهنَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أولادُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كلَّها من خديجةَ رضي الله عنهم سوى إبراهيمَ فإنَّه من ماريةَ القِبْطِيَّةِ، تزوج عليه السلام خديجةَ قبلَ البعثة، قال الزُّهْرِي: وكان عمرُه عليه السلام يومئذٍ إحدى وعشرين سنةً. وقيل: خمسًا وعشرين سنةً، زمانَ بُنِيَتِ الكعبةُ، قاله الواقديُّ وزادَ: ولها من العمر خمسٌ وأربعون سنة، وقيل: كان عمرُه عليه السلام ثلاثين سنة وعمرُها أربعين سنة، فولدتِ له
القاسمَ وبه كان يكنَّى، والطاهرَ وزينبَ ورُقَيَّةَ وأمَّ كُلثومٍ وفاطمةَ.
وتزوَّجَ بزينبَ أبو العاصِ بنُ الربيع، فولدَت منه عليًا وأُمامةَ هذه المذكورةَ في الحديث، وتزوَّجها عليُّ بنُ أبي طالبٍ بعد موت فاطمةَ بوصيَّةٍ منها فولدَت منه محمدًا، وكانت وفاةُ زينبَ في ثمانٍ، قاله الواقديُّ. وقال قتادةُ: في أوَّل سنةِ ثمانٍ.
قولُه: (بِنْتِ زَيْنَبَ) قال الكِرْماني: الإضافةُ فيه بمعنى اللّام، فأظهرَ في المعطوف وهو قوله:(ولأبي العاصِ) ما هو مقدَّرٌ في المعطوف عليه. انتهى.
قال شيخُنا: وأشار ابنُ العطَّار إلى أنَّ الحكمةَ في ذلك كونُ والدِ أُمامةَ كان إذ ذاك مشركًا، فنُسبت إلى أمها تنبيهًا على أنَّ الولد يُنسب إلى أشرف أبويه دينًا ونسبًا، ثمَّ بيَّن إنَّها من أبي العاصِ تبيينًا لحقيقة نسبتِها. انتهى.
وقال شيخُنا أيضًا: وهذا السِّياق لمالكٍ وحدَه، وقد رواه غيره عن عامرِ بنِ عبد الله، فنسبوها إلى أبيها ثمَّ بينوا إنَّها بنتُ زينبَ كما هو عند مسلمٍ وغيره، ولأحمدَ من طريق المغيرةِ عن عَمْرو بن سُليم:((يحمل أُمامةَ بنتَ أبي العاصِ وأمُّها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاتقه)).
قوله: (وَلأَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيْعِ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ)، وفي «أحاديث الموطَّأ» للدَارَقُطنيِّ: قال ابنُ نافعٍ وعبدُ الله بنُ يوسفَ والقَعنَبي في رواية إِسْحاق عنه، وابنُ وَهْب وابنُ بُكيرٍ وابنُ القاسم وأيُّوبُ بنُ صالحٍ عن مالكٍ:((ولأبي العاصِ بنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمسٍ))، وقال محمَّد بنُ الحسن:((ولأبي العاصِ بنِ الرَّبيع)) مثلَ قولِ مَعنٍ وأبي مُصعبٍ، وفي «التمهيد» رواه يحيى:((ولأبي العاصِ بنِ ربيعةَ)) بهاء التأنيث، وتابعه الشَّافعي ومُطرِّفٌ وابنُ نافعٍ، والصَّوابُ: ابنُ الربيع. وكذا أصلحَه ابن وضّاح في رواية يحيى، قال عياضٌ: وقال الأَصِيلي: هو ابنُ ربيعِ بنِ ربيعةَ، فنسبَه مالكٌ إلى جدِّه. قال عياضٌ وغيرُه: هذا غيرُ معروفٍ، ونسبُه عند أهل الأخبار بإثباتهم: أبو العاصِ بنُ الربيعِ بنِ عبدِ العُزّى بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ مَنافٍ. وقال الكِرْماني: البخاريُّ نسبَه مخالفًا للقوم من جهتين؛ قال: ربيعة بحرف التأنيث، وعندَهم: الرّبيع بدونه، وقال: ربيعةَ بنِ عبد شمس، وهم قالوا: ربيعِ بنِ عبدِ العُزّى بنِ عبدِ شمسٍ. قال العَيني: لو اطَّلع الكِرْماني على كلام القوم لما قال: نسبه البخاريُّ مخالفًا للقوم من وجهين، على أنَّ الذي عندنا في نسختنا: الربيع بنِ عبد شمس، بالنسبة إلى جدِّه.
واختُلف في اسم أبي العاصِ؛ فقيل: لَقيط، وقيل: بهشَم، قال الزُّبَيْر عن محمَّد بنِ الضَّحّاك عن أبيه: اسمه القاسم، وهو أكثر في اسمه، وقال أبو عمرٍو: الأكثرُ لَقيط، ويُعرف بجرو البطحاء، وربيعةُ عمُّه، وأمُّ أبي العاصِ: هدلة، وقيل: هندُ بنتُ خُويلد أختُ خديجةَ رضي الله عنها لأبيها وأمها.
وأبو العاص أسلمَ قبلَ الفتح وهاجرَ، وردَّ عليه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ابنته زينبَ وماتت معه، وقال ابنُ إسحاقَ: وكان أبو العاصِ من رجال مكَّة المعدودين مالًا وأمانةً وتجارةً، وكانت خديجةُ هي الَّتي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوّجَه بابنتها زينبَ، وكان لا يخالفُها، وذلك قبل الوحي، والإسلام فرَّق بينَهما. وقال ابنُ كثير: إنَّما حرَّم الله المسلماتِ على المشركين عامَ الحُديبيةِ سنةَ ستٍّ من الهجرة، وكان أبو العاص في غزوة بدرٍ مع المشركين ووَقَعَ في الأسر. وقال ابنُ هشامٍ: وكان الذي أسرَه خِراش بنُ الصِّمة أحد بني حَرَام.
وقال ابنُ إِسْحاق
عن عائشة رضي الله عنها: لما بعثَ أهلُ مكَّة في فداء أسراهُم بعثت زينبُ بنتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاصِ بمالٍ، وبعثَت فيه بقلادةٍ لها كانت خديجةُ رضي الله عنها أدخلَتها بها على أبي العاصِ حين بنى عليها، قالت: فلمّا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رقَّ لها رِقّةً شديدةً وقال: ((إنْ رأيتُم أنْ تُطْلِقوا لها أسيرَها وتَردّوا عليها الذي لها فافعلوا))، قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردُّوا عليها الذي لها. وقال ابنُ إسحاقَ: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذَ عليه أن يُخلّي سبيلَ زينبَ- يعني أن تهاجرَ إلى المدينة - فوفّى أبو العاص بذلك ولحقت بأبيها، وأقام أبو العاصِ بمكةَ على كفره، واستمرت زينبُ عند أبيها بالمدينة، ثمَّ آخرَ الأمر أسلمَ وخرجَ حتَّى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ابنِ عبَّاسٍ: ردَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنتَه زينبَ على النِّكاح الأوَّل لم يُحدِث شيئًا. وسنذكر حقيقةَ هذا الكلام في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: (فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا) في رواية مسلم من طريق عُثْمان بن أبي سُلَيمان ومحمَّد بن عجلان، والنَّسائي من طريق الزُّبَيدي، وأحمدَ من طريق ابن جُرَيج، وابنِ حبَّان من طريق أبي العُمَيس، كلُّهم عن عامرِ بن عبد الله شيخِ مالكٍ فقالوا:((إذا ركعَ وضعها))، وفي رواية أبي داودَ من طريق المَقبُري عن عَمْرو بن سُلَيم:((حتَّى إذا أراد أنْ يركعَ أخذَها فوضعَها ثمَّ ركع وسجد، حتَّى إذا فرغَ من سجوده فقام أخذها فردَّها في مكانها)).
قال العَيني: تكلّمَ النَّاس في حكم هذا الحديث؛ فقال النَّوَوي: هذا يدلُّ لمذهب الشَّافعي ومن وافقَه: إنَّه يجوز حملُ الصَّبيِّ والصّبيَّة وغيرِهما من الحيوان في صلاة الفرض وصلاةِ النَّافلة، ويجوزُ للإمام والمنفردِ والمأموم، أما مذهبُ أبي حنيفةَ في هذا ما ذكره صاحبُ «البدائع» في بيان العمل الكثيرِ الذي يفسدُ الصَّلاة والقليلِ الذي لا يفسدُها، فالكثيرُ ما يُحتاج فيه إلى استعمال اليدين، والقليلُ ما لا يُحتاج فيه إلى ذلك، وذكر لهما صورًا حتَّى قال: إذا أخذ قوسًا ورمى فسدت صلاتُه، وكذا لو حملتِ امرأة صبيَّها فأرضعته؛ لوجود العمل الكثير، وأمّا حملُ الصَّبيِّ بدون الإرضاع فلا يوجب الفسادَ. ثمَّ روى الحديثَ المذكورَ ثمَّ قال: وهذا الصّنيع لم يُكره منه عليه السلام؛ لأنَّه كان محتاجًا إلى ذلك لعدم من يحفظُها، أو لبيانه الشرعَ بالفعل، وهذا غيرُ موجبٍ فسادَ الصَّلاة، ومثل هذا أيضًا في زماننا لا يُكره لواحدٍ منّا لو فعل عند الحاجة، أمَّا بدون الحاجة فمكروه. انتهى.
وذكر أشهبُ عن مالكٍ: أنَّ ذلك كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة النَّافلة، وأنَّ مثلَ هذا الفعل غيرُ جائزٍ في الفريضة. وقال أبو عمرَ: حسبُك بتفسير مالكٍ، ومن الدَّليل على صحَّة ما قاله في ذلك أنِّي لا أعلم خلافًا أنَّ مثلَ هذا العمل في الصَّلاة مكروه. وقال النَّوَوي: هذا التأويلُ فاسدٌ؛ لأنَّ قوله: (يؤمَ النَّاس) صريحٌ أو كالصّريح في إنَّه كان في الفريضة. قال العَيني: هو ما رواه سُفْيان بن عُيَيْنَة بسنده إلى أبي قَتَادَة الأنصاريِّ قال: ((رأيت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يؤمَ النَّاس وأُمامةُ بنتُ أبي العاصِ وهي بنتُ زينبَ ابنةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاتقه))، ولأنَّ الغالبَ في إمامةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في الفرائض
دونَ النوافل، وفي رواية أبي داودَ عن أبي قَتَادَة صاحبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((بينما نحنُ ننتظرُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم للصَّلاة في الظُّهر أو العصر وقد دعاه بلالٌ رضي الله عنه للصَّلاة، إذ خرجَ إلينا وأمامةُ بنتِ أبي العاصِ بنتُ ابنته على عُنقه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مُصلّاه وقُمنا خلفَه)) الحديث.
وفي كتاب «النسب» للزُّبير بنِ بكّار عن عَمْرو بن سُلَيم: أنَّ ذلك كان في صلاة الصُّبح. وقال النَّوَوي: وادَّعى بعضُ المالكيَّة إنَّه منسوخٌ، وقال الشيخُ تقيُّ الديّن: وهو مرويٌّ عن مالكٍ أيضًا. وقال أبو عمر: ولعلَّ هذا نُسخ بتحريم العمل والاشتغال بالصَّلاة، وقد رُدَّ هذا بأنَّ قوله عليه السلام:((إنَّ في الصَّلاة لشُغلًا)) كان قبلَ بدرٍ عند قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة، وأنَّ قدوم زينبَ وابنتِها إلى المدينة كان بعدَ ذلك، ولو لم يكنِ الأمرُ كذلك لكان فيه إثباتُ النَّسخ بمجرّد الاجتهاد. وروى أشهبُ وابن نافع عن مالك: أنَّ هذا كان للضرورة. وادعى بعضُ المالكيَّة: إنَّه خاصٌّ بالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم. ذكره القاضي عياض، وقال النَّوَوي: وكلُّ هذه الدعاوي باطلة ومردودةٌ؛ فإنَّه لا دليلَ عليها ولا ضرورةَ إليها، بل الحديثُ صحيحٌ صريحٌ في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالفُ قواعد الشرع؛ لأنَّ الآدميَّ طاهر وما في جوفه من النجاسة معفوٌّ عنه لكونه في معدتِه، وثياب الأطفال وأجسادهُم على الطهارة، ودلائلُ الشرع على أنَّ هذه الأفعالَ في الصَّلاة لا تُبطلها إذا قَلَّت أو تَفرَّقت، وفعلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هذا بيانًا للجواز وتنبيهًا عليه. قال العَيني: وقد قال بعضُ أهل العلم: إنَّ فاعلًا لو فعل مثل ذلك لم أرَ عليه إعادةً من أجل هذا الحديث، وإن كنتُ لا أحبُّ لأحد فِعلَه. وقد كان أحمدُ بن حنبلَ يُجيز هذا، قال الأثرم: سُئل أحمدُ: أيأخذُ الرجلُ ولدَه وهو يصلِّي؟ قال: نعم. واحتجَّ بحديث أبي قتادة.
وقال الخطَّابيُّ: يشبه أن يكون هذا الصنيع من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصدٍ وتعمُّدٍ له في الصَّلاة، ولعلَّ الصبيّةَ لطولِ ما ألفَتْه واعتادَتْه من مُلابسته في غير الصَّلاة كانت تتعلَق به حتَّى تلابسَه وهو في الصَّلاة، فلا يدفعُها عن نفسه ولا يبعدُها، فإذا أراد أن يسجُد وهي على عاتقه وضعَها بأنْ يحطَّها أو يرسلَها إلى الأرض حتَّى يفرغ من سجوده، فإذا أراد القيامَ وقد عادتِ الصبيةُ إلى مثل الحالة الأولى لم يدافعها ولم يمنعها، حتَّى إذا قام بقيَت محمولةً معه، هذا عندي وجهُ الحديث، ولا يكاد يتوهَّم عليه السلام إنَّه كان يتعمَّد حملَها ووضعَها وإمساكَها في الصَّلاة تارةً بعدَ أخرى؛ لأنَّ العملَ في ذلك قد يكثُر فيتكرر، والمصلِّي يشتغلُ بذلك عن صلاته، وإذا كان عَلَمُ الخَميصة يشغلُه عن صلاته حتَّى يستبدلَ بها الأَنبجانيّةَ، فكيف لا يشتغل عنها بما هذا صفته من الأمر؟! وفي ذلك بيانُ ما تأوّلناه.
وقال ابنُ دقيقٍ العيد: من المعلوم أنَّ لفظ (حمل) لا يساوي لفظ (وضع) فعلى هذا: فالفعل الصادرُ منه هو الوضع لا الرَّفع فيَقلّ العملُ، قال: وقد
كنت أحسبُ هذا حسنًا، إلى أن رأيت في بعض طُرقه الصحيحة:(فإذا قامَ أعادَها).
وقال النَّوَوي بعد أن نقلَ ملخَّص كلامِ الخطَّابيُّ: هذا الذي ذكره هذا باطلٌ ودعوى مجرّدةٌ، ومما يرد قوله في «صحيح مسلم» :((فإذا قام حملَها))، وقوله:((فَإذا رَفَعَ مِنَ السُّجود أَعادَها))، وقوله في غير رواية مسلم:((خَرَجَ عَلينا حَامِلًا أُمامةَ فصَلَّى)) وذكر الحديث، وأمّا قضيّةُ الخَميصة فلأنها تشغلُ القلب بلا فائدة، وحملُ أُمامةَ لا نسلِّم إنَّه يُشْغِلُ القلب، وإن شَغَلَه فيترتب عليه فوائدُ وبيانُ قواعد ما ذكرناه وغيره، فاحتمل ذلك الشُّغل لهذه الفوائد بخلاف الخميصة، فالصَّواب الذي لا يُعدل عنه: أنَّ الحديثَ كان لبيان الجواز والتنبيهِ على هذه الفوائد، فهو جائزٌ لنا وشرعٌ مستمرٌ للمسلمين إلى يوم الدين.
وقال العَيني: وجهٌ آخرُ لردِّ كلام الخطَّابيُّ، قولُهُ:(وَقامَ فَأخذَها فردَّها في مَكَانها) وهذا صريحٌ في أنَّ فعلَ الحمل والوضع كان منه عليه السلام لا من أُمامةَ. وقال بعضُ أصحابِ مالك بن أنسٍ: لأنَّه عليه السلام لو تركها لبكَت وشغَلت سِرَّه في صلاته أكثرَ من شُغله بحملها. وفرَّق بعضُ أصحابه بين الفريضة والنافلة، وقال الباجيُّ: إن وَجَدَ من يكفيه أمرَها جاز في النافلة دونَ الفريضة، وإن لم يجد جاز فيهما.
وحمل أكثرُ أهل العلم هذا الحديث على أنَّه عملٌ غيرُ مُتوالٍ؛ لوجود الطُّمأنينة في أركان صلاته، وقال الفاكهانيُّ: كان السِّرُّ في حمله أُمامةَ في الصَّلاة دفعًا لما كانت العرب تألفُه من كراهة البناتِ وحملِهنَّ، وخالفَهم في ذلك حتَّى في الصَّلاة للمبالغة في ردعِهم، والبيانُ بالفعل قد يكون أقوى من القول.
ومن فوائد هذا الحديث: جوازُ إدخال الصِّغار في المساجد، ومنها: جوازُ صحَّةِ صلاة مَن حمل آدميًا، وكذا من حملَ حيوانًا طاهرًا. وللشافعية تفصيلٌ بين المستجمِر وغيره، ومنها: أنَّ فيه تواضعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وشفقتَه على الصِّغار وإكرامَه لهم جبرًا لهم ولوالديهم.
قلتُ: وفيه جوازُ حملِ مَن لا يَتوقّى النجاسةَ إذا احتُمل إنَّه طاهرٌ حالَ الحمل. انتهى.
وروى عبدُ الله بن يوسفَ التِّنِّيسيُّ عن مالكٍ: أنَّ الحديثَ منسوخٌ. قال شيخُنا: روى ذلك الإسماعيليُّ عَقِبَ روايتِه للحديث من طريقه، لكنَّه غيرُ صريحٍ، ولفظه: قال التِّنِّيسيُّ: قال مالكٌ: في حديث النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ناسخٌ ومنسوخٌ، وليس العملُ على هذا. وقال ابنُ عبد البرِّ: لعلَّه نُسخ بتحريم العمل في الصَّلاة. وتُعقِّب بأنَّ النَّسخَ لا يثبتُ بالاحتمال، وبأنَّ هذه القضيَّةَ كانت بعد قوله عليه السلام:((إنَّ في الصَّلاة لشُغْلًا))؛ لأنَّ ذلك كان قبلَ الهجرة، وهذه القصَّةُ كانت بعد الهجرة قطعًا بمدَّة مديدة. وذكر عياضٌ عن بعضهم: أنَّ ذلك كان من خصائصه؛ لكونه كان معصومًا من أن تبولَ وهو حاملُها. ورُدَّ بأنَّ الأصلَ عدمُ الاختصاص، وبأنَّه لا يلزم من ثبوت الاختصاصِ في أمرٍ ثبوتُه في غيره بغير دليلٍ، ولا مدخلَ للقياس في مثل ذلك،