الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَقدَّم مِن فهم راوي الخبر حيث قال التابعي: فأين القراءة؟ فإنَّه دالٌّ على أنه أراد كِبَر السن، وكذا دعوى من زعم أن قوله (وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) معارَضٌ بقوله:((يؤم القومَ أقرؤهم))، لأن الأول يقتضي تقديم الأكبر على الأقرأ، والثاني عكسُه، ثم انفصل عنه بأن قصة مالك بن الحويرث واقعةُ عينٍ
(1)
قابلةٌ للاحتمال بخلاف الحديث الآخر فإنه تقريرُ قاعدةٍ تفيد التعميم، قال: فيحتمل أن يكون الأكبرُ منهم كانَ يومَئذ هو الأفقه. انتهى. والتنصيصُ على تقاربهم في العلم يرُدُّ عليه فالجمع الذي قدمناه أَوْلى والله أعلم.
قلت: هو قوله: وقوله في حديث أبي مسعودٍ ((أَقْرَؤُهُمْ)) قيل: المراد به الأفقه، وقيل: هو على ظاهره، وبحسب ذلك اختلف الفقهاء: قال النووي: قال أصحابنا الأفقه مقدم على الأقرأ فإنَّ الذي يُحتاج إليه من القراءة مضبوٌط والذي يُحتاج إليه من الفقه غيرُ مضبوطٍ، فقد يَعرِض في الصلاة أمر لا يَقدِر على مراعاة الصلواتِ فيه إلا كاملُ الفقه، ولهذا قدَّم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا بكر في الصلاة على الباقين مع أنه صلى الله عليه وسلم نصَّ على أنَّ غيرَه أقرأُ منه، كأنَّه عنى حديث أُبَيٍّ. قال: وأجابوا عن الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه، وهذا الجواب يلزم منه أنَّ مَنْ نَصَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على أنه أقرأُ من أبي بكر كان أفقهَ من أبي بكر، فيفسُد الاحتجاجُ بأنَّ تقديمَ أبا بكر كان لأنه الأفقه.
ثم قال النووي بعد ذلك: قولُه في حديث أبي مسعودٍ: ((فإن كانوا في القراءةِ سواءً فأعلمُهم بالسنةِ، فإنْ كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرةً))، يدل على تقديم الأقرأ مطلقاً. انتهى. قال شيخنا: وهذا واضحٌ للمغايَرة
(2)
. وهذه الرواية أخرجها مسلم أيضاً من وجه آخر عن إسماعيل بن رجاء، ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفاً بما تتعين معرفته من أحوال الصلاة فأما إذا كان جاهلاً بذلك فلا يقدم اتفاقاً، والسبب فيه أن أهل ذلك العصر كانوا يعرفون معاني القرآن لكونهم أهلَ اللسان، فالأقرأ منهم لا بل القارئ
(3)
كان أفقه في الدين من كثير من الفقهاء الذين جاؤوا بعدهم. انتهى.
(50)
(بَابُ إِذَا زَارَ الإِمَامُ قَوْمًا فَأَمَّهُمْ)
أي هذا باب ترجمته: إذا زار الإمام أي الإمامُ الأعظم، أو من يجري مجراه، إذا زار قوماً فأَمَّهم في الصلاة، ولم يبين حكمه. هل للإمام ذلك أم يحتاج إلى إذن القوم؟ فاكتفى بما ذُكِر في حديث الباب، فإنَّه يُشعِر بالاستئذان كما سنذكره، إن شاء الله تعالى.
وقال شيخنا: أشار بهذه الترجمة إلى أن حديث مالك بن الحويرث الذي أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه مرفوعاً: ((مَن زارَ قوماً فلا يؤمَّهم، ولْيؤمَّهم رجلٌ منهم)) محمولٌ على مَن عدا الإمامِ الأعظمِ. وقال الزين ابن المنير: مرادُه أن الإمامَ الأعظم ومن يجري مجراه إذا حضر بمكانٍ مملوكٍ لا يَتقدم عليه مالكَ الدارِ والمنفعةِ
(1)
في (الأصل) : ((غير))، والصواب:((عين)).
(2)
في (الأصل) : ((للمعايرة))، والصواب:((للمغايرة)).
(3)
في (الأصل) : ((العاري))، والصواب:((القارئ)).
ولكن ينبغي للمالك أن يأذن له ليجمع بين الحَقَّين: حقِّ الإمام في التقديم وحق المالك في منع التصرف بغير إذنه. انتهى ملخصاً. قال شيخنا: ويُحتمل أنه أشار إلى ما في حديث أبي مسعودٍ المتقدم: ((ولا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانِه، ولا يُجلَس على تَكرِمَتِه إلا بإذنه))، فإنَّ مالكَ الشيء سلطانٌ عليه، والإمام الأعظم سلطان على المالك. وقوله:((إلا بإذنه)) يُحتمل عَودُه على الأمرين: الإمامةِ والجلوسِ، وبذلك جزم أحمدُ كما حكاه الترمذي عنه، فيَحصُلُ بالإذن مراعاةُ الجانبين. انتهى.
686 -
قوله: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ) أي أبو عبد الله المروزي نزيل البصرة، وليس هو أخاً لِمُعَلَّى بن أسد أحدِ شيوخ البخاري أيضاً، وكان معاذُ المذكور كاتباً لعبد الله بن المبارك، وهو شيخه في هذا الإسناد، وحكى عنه البخاري أنه قال في سنة إحدى وعشرين ومائتين: أنا ابن إحدى سبعين سنة، لأنه وُلِد سنة خمسين ومائة.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن المبارك، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) أي بفتح الميم، ابنُ راشد، ترجمته في البدء أيضاً.
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمد بن مسلم بن شهاب، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلامُ على الحقيقة.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) أي بفتح الراء، أبو محمد الأنصاري. وقال أبو نعيم، عقل مَجَّةً مَجَّهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه من دلو في دارهم، ذكرَه الذهبي في كتاب «تجريد الصحابة» منهم، قال العيني: وتقدم في باب المساجد في البيوت. انتهى. قلت: ذكرت قبل ذلك في باب متى يصح سماع الصبيِّ في كتاب العلم. انتهى.
قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصارِيَّ) ترجمته في باب إذا دخل بيتاً يصلي فيه حيث شاء أو حيث أُمِر.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: القول في خمس مواضع. وفيه: السماع. وفيه: رواية التابعيِّ عن الصحابيِّ والصحابيِّ عن الصحابيِّ. وفيه: أن شيخه من أفراده. وفيه: أن رواته ما بين مروزيين والبصري والمدني. قلت: وفيه العنعنة.
قوله: (قَالَ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَأَذِنْتُ لَهُ فَقَالَ: ((أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟)) فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى المَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ، فَقَامَ وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ فَسَلَّمْنَا)
مطابقته للترجمة في قوله: (فَقَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ
…
) إلى آخره، فإنه يتضمن أمرين: أحدهما: قصداً، وهو تعيين المكان من صاحب المنزل. والآخر: ضمناً، وهو الاستئذان بالإمامة.
وقد ذكرنا تعدد موضعه، ومَن أخرجه غيره في باب إذا دخل بيتاً يصلي حيث شاء، وبقية ما يتعلق به في باب المساجد في البيوت.
قوله: (وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ) بفتح الفاء الأولى وسكون الثانية، جمعُ المتكلم، ويروى:(وَصَفَّنَا) بتشديد الفاء أي: صفَّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه.
(51)
(بَابٌ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ)
أي هذا باب ترجمته: إنما جعل الإمام ليؤتَمَّ أي: يُقتَدَى به، وهذه الترجمة قطعةٌ من حديث مالك من أحاديث الباب على ما يأتي إن شاء
الله تعالى.
قوله: (وَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ بِالنَّاسِ وَهُوَ جَالِسٌ) هذا التعليقُ تقدم مسنداً من حديث عائشة رضي الله عنها. فإن قلتَ: هذا لا دخل له في الترجمة، فما فائدة ذكره؟ أجيب: بأنه يشير به إلى أن الترجمة التي هي قطعةٌ من الحديث عامٌّ يقتضي متابعة المأمومِ الإمامَ مطلقاً، وقد لحقه دليل الخصوص، وهو حديث عائشة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مرضه الذي توفي فيه وهو جالس والناس خلفه قيام، ولم يأمرهم بالجلوس. فدل على دخول التخصيصِ في عموم قوله:(إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ).
قوله: (وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) قلتُ: أي عبد الله، ترجمته في باب بنيَ الإسلام على خمس.
قوله: (إِذَا رَفَعَ قَبْلَ الإِمَامِ يَعُودُ، فَيَمْكُثُ بِقَدْرِ مَا رَفَعَ، ثُمَّ يَتْبَعُ الإِمَامَ) هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ عن هشيم أخبرنا حصين عن هلال بن يَساف عن أبي حَيَّان الأشجعي - وكان من أصحاب عبد الله - قال: قال عبد الله: لا تبادروا أئمتكم بالركوع ولا بالسجود، وإذا رفع أحدكم رأسه والإمام ساجد فليسجد ثم ليمكث قدر ما سبقه به الإمام.
قال شيخنا: هذا السياق أتمُّ، وكأنه أخذه من قوله عليه السلام:(إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ). ومِن قوله: (وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا). وروى عبد الرزاق عن عمر نحو قولِ ابن مسعود بإسنادٍ صحيح، ولفظه:((أيَّما رجل رَفَعَ رأسَه قبل الإمام في ركوعٍ أو سجودٍ فليضع رأسه بقدْر رفعه إياه)). قال ابن المنير: إذا كان الرافع المذكور يؤمَر عنده بقضاء القدْر الذي خرج عنه عن الإمام فأوْلَى أن يَتَّبِعَه في جملة السجودِ فلا يسجدُ حتى يسجدَ. وظهرت بها مناسبة هذا الأثر للترجمة. انتهى.
ورواه البيهقي من طريق ابن لَهِيعة، وقال البيهقي: وروينا عن إبراهيمَ والشعبي أنه يعود فيسجد. وحكى ابن سحنون عن أبيه نحوَه. قال العيني: ومذهب مالك أن مَن خفض أو رفع قبل إمامه أنه يرجع فيفعل ما دام إمامه لم يرفعْ من ذلك، وبه قال أحمد وإسحاق والحسنُ والنَّخَعِيُّ، وروي نحوه عن عمر، رضي الله عنه، وقال ابنه: من رفع أو سجد قبل إمامه لا صلاة له. وهو قول أهل الظاهر. وقال الشافعي وأبو ثور: إذا ركع أو سجد قبلَه فإن أدركه الإمامُ فيهما أساءَ وتجزيه، حكاه ابن بطال. قال العيني: ولو أدرك الإمامَ في الركوع فكبر مقتدياً
(1)
به ووقَفَ حتى رفع الإمام رأسه فركع لا تجزيه عندنا، خلافاً لزفر. انتهى. قلت: وعندنا إذا لم يدرك الإمام في الركوع مع الطمأنينة بعد بلوغ أقلِّه لم تُحسَب له تلك الركعة. انتهى.
قوله: (وَقَالَ الحَسَنُ) أي البصري، ترجمته في باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا في كتاب الإيمان.
قوله: (فِيمَنْ يَرْكَعُ مَعَ الإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ: يَسْجُدُ لِلرَّكْعَةِ الآخِرَةِ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الأُولَى بِسُجُودِهَا، وَفِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً حَتَّى قَامَ: يَسْجُد) في قول الحسن هذا فرعان: أما الفرع الأول وهو قوله: (فِيمَنْ يَرْكَعُ) إلى قوله (بِسُجُودِهَا) فوصله ابن المنذر في كتابه «الكبير» ، رواه
(1)
في (الأصل) : ((معتديا))، والصواب:((مقتديا)).
سعيد بن منصور عن هُشَيم عن يونس عن الحسن، ولفظه: في الرجل يركع يوم الجمعة فيزحَمُه الناس فلا يقدر على السجود، قال: فإذا فرغوا من صلاتهم سجد سجدتين لركعته الأولى ثم يقوم فيصلي ركعة وسجدتين. قال شيخنا: ومقتضاه أن الإمام لا يتحمل الأركان، فمَن لم يقدر على السجود معه لم تصح له الركعة.
قوله: (وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ) أي لزحامٍ ونحوه، على السجود بين الركعتين، وقد فسَّره فيما رواه سعيد بن منصور بقوله: في الرجل يركع يوم الجمعة فيزْحَمُه الناس
…
إلى آخره. وإنما ذكر يوم الجمعة في هذا، وإن كان الحكم عامَّاً، لأن الغالب في يوم الجمعة ازدحام الناس.
قوله: (الآخِرَةِ) ويروى: (الْأَخِيرَةِ)، وإنما قال: الركعة الأولى دون الثانية لاتصال الركوع الثاني به.
وأما الفرع الثاني وهو قوله: (وَفِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً حَتَّى قَامَ: يَسْجُد) فوصله بن أبي شيبة وسياقه أتمُ ولفظُه: في رجلٍ نسيَ سجدة مِن أول صلاته فلم يذكرها حتى كان آخرُ ركعةٍ من صلاته، قال: يسجد ثلاث سجدات فإن ذكرها قبل السلام يسجد سجدة واحدة، وإن ذكرها بعد انقضاء الصلاة يستأنف الصلاة. قال شيخنا: ومناسبته للترجمة من جهة أنَّ المأمومَ لو كان له أن ينفرد عن الإمام لم يستمر متابِعاً له في صلاته التي اختل بعضُ أركانها حتى يحتاجَ إلى تدارُكِه بعد فراغِ الإمام. قال العيني: وقال مالك في مسألة الزحامِ: لا يَسجُد على ظهر أحدٍ، فإنْ خالفَ يُعيد، وقال أصحابُنا - أي الحنفيةُ - والشافعيُّ وأبو ثور: يسجد ولا إعادة عليه. انتهى.
687 -
قوله: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) أي أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي الكوفي، ترجمته في باب مَن قال: الإيمان هو العمل.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) أي ابن قدامة البكري الكوفي، ترجمته في باب غسل المذي والوضوء منه.
قوله: (عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) أي الهمداني أبو بكر الكوفي، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أي بتصغير العبد، ابن عتبة بن مسعود أبو عبد الله الهذلي أحد الفقهاء السبعة، مات سنة ثمان وتسعين
(1)
، ترجمته في البدء أيضاً.
قوله: (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ) أي أم المؤمنين، ترجمتها في البدء أيضاً.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في موضعين، وفيه: القول في ثلاث مواضع، وفيه: أن الثلاثةَ الأُوَلَ من الرواة كوفيون، وفيه: شيخُ البخاري مذكورٌ بِاسْم جدِّه.
قوله: (فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) فَقُلْنَا: لَا، يَا رَسُولَ اللهِ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، قَالَ:((ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ)). قَالَتْ: فَقَعَدَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ:((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قُلْنَا: لَا، يَا رَسُولَ اللهِ هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ
(2)
يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي المَسْجِدِ، يَنْتَظِرُونَ
(1)
في (الأصل) : ((وسبعين))، والصواب:((وتسعين)).
(2)
كذا في (الأصل)، ولعل فيها سقطاً: ففي البخاري بعدها: ((
…
قَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ» قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ:«أَصَلَّى النَّاسُ؟» قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ:«ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ» ، فَقَعَدَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ:«أَصَلَّى النَّاسُ؟» فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ
…
)).
رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِصَلَاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا -: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رضي الله عنه: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا العَبَّاسُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، قَالَ: أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالنَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَاعِدٌ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ
(1)
: فَدَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ
(2)
لَهُ: أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: هَاتِ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ العَبَّاسِ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ).
مطابقته
(3)
للترجمة في قوله: (فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وكون الإمام جُعِل ليؤتم به ظاهر هنا.
وهذا الحديث أخرجه البخاري فإنه أخرجه هذا الحديث مُقَطَّعاً ومطولاً ومختصراً في مواضع عديدة قد ذكرنا أكثرها. قال شيخنا: وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في باب حد المريض أن يشهد الجماعة. انتهى.
قوله: (أَلَا) للعرضِ والاستفتاحِ.
قوله (بَلَى) يعني نعم.
قوله (ثَقُلَ
(4)
) بضم القاف يعني: لما اشتد مرضه. قال العيني: وقد استقصينا الكلام فيه في باب الغسل والوضوء في المخضب، وفي حد المريض أن يشهد الجماعة وغيرِهما، ونذكر هنا بعض شيء مما يحتاج إليه لسرعة الوقوف عليه.
قوله: (أَصَلَّى النَّاسُ؟) الهمزة فيه للاستفهام والاستخبار.
قوله (فَقُلْنَا: لَا) ويروى (قُلْنَا: لَا) بدون الفاء.
قوله: (وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ) الواو فيه للحال.
قوله: (ضَعُوا لِي مَاءً) باللام، وفي رواية المستملي والسرخسي:(ضَعُونِي). قال شيخنا: ورواية اللام أوجه، وكذا أخرجه مسلم عن أحمد بن يونس شيخِ البخاري فيه، ورواية النون محمولة على تضمين الوضعِ معنى الإعطاءِ أو على نزعِ الخافض أي: ضعوني في ماء. والمخضبُ: تقدم الكلام عنه في أبواب الوضوء، وأَنَّ الماء الذي اغتسل به كان من سبع قرب وذكرتُ حكمة ذلك هناك. انتهى.
قال العيني: وذهل الكِرماني ذهل عن رواية الجمهور التي هي باللام، وسَأَلَ على رواية النون فقال: القياسُ
(5)
باللام لا بالنون لأن الماء مفعول وهو لا يتعدى إلى مفعولين. ثم أجاب: بأن الوضع ضُمِّن معنى الإيتاءِ، أو لفظُ الماءِ تمييزٌ عن المخضب مقدمٌ عليه إن جوَّزْنا التقديم، أو هو منصوبٌ بنزع الخافض. انتهى.
قوله: (فِي المِخْضَبِ) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الضاد المعجمة وفي آخره باء موحدة، وهو المِرْكَنُ أي الإجَانَة.
قوله (فَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ) ويروى (فَفَعَلْنَا فَقَعَدَ،
(1)
لفظ الجلالة: ((الله)) ساقط في (الأصل).
(2)
كلمة: ((فقلت)) ساقطة في (الأصل).
(3)
في (الأصل) : ((مطالبته))، والصواب:((مطابقته)).
(4)
في (الأصل) : ((لما ثقل))، والصواب: بدون ((لما)) كم سبق في نص الحديث.
(5)
في (الأصل) : ((العباس))، والصواب:((القياس)).
فَاغْتَسَلَ).
قوله: (فَذَهَبَ) بالفاء وفي رواية الكُشْمِيهَني: (ثُمَّ ذَهَبَ).
قوله: (لِيَنُوءَ) بضم النون بعدها همزة أي لينهض بجهدٍ، وقال الكِرماني: وينوء كيقوم لفظاً ومعنىً.
قوله: (فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ) فيه أن الإغماء جائز على الأنبياء، لأنه شبيهٌ بالنوم، وقال النووي: لأنه مرض من الأمراض بخلاف الجنون، فلم يجز عليهم لأنه نقص. قال العيني: العقل في الإغماء يكون مغلوباً، وفي الجنون يكون مسلوباً.
قوله (قُلْنَا: لَا) يعني لم يُصَلُّوا.
قوله (هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ) جملةٌ اسمية وقعت حالاً بلا واو وهو جائز، وقد وقع في القرآن نحوُ {قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36]، وكذلك (هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ) الثاني.
قوله: (لِصَلَاةِ العِشَاءِ) كذا للأكثر بلام التعليل، وفي رواية المستملي والسرخسي:(الصَّلَاةَ العِشَاءَ الآخِرَةَ)، قال شيخنا: وتوجيهُه أنَّ الراوي كأنَّهُ فسر الصلاةَ المسؤولَ عنها هي العشاء الآخرة.
قوله: (عُكُوفٌ) بضم العين جمعُ العاكف، أي مجتمعون، وأصل العَكْف اللُّبْثُ ومنه الاعتكاف، لأنه لبثٌ في المسجد.
قوله: (تِلْكَ الأَيَّامَ) أي التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها مريضاً غيرَ قادر على الخروج.
قوله: (فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ)، كذا للكُشْمِيهَني، وللباقين (وَخَرَجَ) بالواو.
قوله: (لِصَلَاةِ الظُّهْرِ) هو صريح في أن الصلاة المذكورة كانت صلاة الظهر، وزعم بعضهم أنها الصبح، واستدل بقوله في رواية أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس: وأخذَ رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة من حيث بلغ أبو بكر. هذا لفظ ابن ماجه.
قال شيخنا: وإسناده حسن لكن في الاستدلال به نظر، لاحتمال أن يكون صلى الله عليه وسلم سمع لما قرُب من أبي بكر الآية التي كان انتهى إليها خاصة، وقد كان هو صلى الله عليه وسلم يُسْمِع الآية أحياناً في الصلاة السرية كما سيأتي من حديث أبي قتادة، ثم لو سلم لم يكن فيه دليل على أنها الصبح بل يحتمل أن تكون المغرب فقد ثبت في الصحيحين عن أم الفضل بنت الحارث قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفاً، ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله. لفظُ البخاري. وسيأتي في باب الوفاة من آخر المغازي، لكن وجدتُ بعدُ في النَّسائي أن هذه الصلاة التي ذكرتها أم الفضل كانت في بيته، وقد صرَّح الشافعي بأنه صلى الله عليه وسلم لم يصل بالناس في مرض موته في المسجد إلا مرةً واحدةً، وهي هذه التي صلى فيها قاعداً وكان أبو بكر فيها أولاً إماماً ثم صار مأموماً يُسمِع الناسَ التكبيرَ.
قوله: (أَجْلِسَانِي) من الإجلاس.
قوله (فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ) من القيام، كذا للأكثر. وللمستملي والسرخسي:(وَهُوَ يَأْتَمُّ) من الائتمام.
قوله: (بِصَلَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ويروى: (بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
قوله: (أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: هَاتِ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ العَبَّاسِ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُو (َ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) الهمزةُ للاستفهام و (لَا) للنفيِّ. قال العيني: وليس حرفَ التنبيه ولا حرفَ التخصيصِ، بل هو استفهامُ للعرض. انتهى.
فيه: دليل على أن استخلاف الإمام الراتب إذا اشتكى أولى من صلاتِه بالقومِ قاعداً لأنه عليه السلام استخلف أبا بكرٍ ولم يصلِّ بهم قاعداً غيرَ مرةٍ واحدةٍ.
واستُدِلَّ به أيضاً على صحة
إمامة القاعدِ المعذورِ لمثله وللقائم أيضاً، وخالف مالكٌ في المشهور عنه ومحمدُ بن الحسن فيما حكاه الطحاوي، ونقل عنه أن ذلك خاصٌّ بالنبي صلى الله عليه وسلم واحتج بحديث جابر عن الشعبي مرفوعاً:((لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي جالساً))، واعترضه الشافعي فقال: قد عَلِم مَن احتج بهذا أنْ لا حجةَ فيه لأنه مرسلٌ ومن رواية رجلٍ يرغب أهلُ العلم عن الرواية عنه. يعني: جابراً الجعفي. قلتُ: قال بعض الحفَّاظ: قال أبو حنيفة: ما لقيتُ فيمن لقيتُ أكذبَ من جابرٍ الجُعفي. انتهى. وقال ابن بَزِيزَة: لو صح لم يكن فيه حجة، لأنه يحتمل أن يكون المراد منع الصلاة بالجالس، أي يعرب قوله:((جالساً)) مفعولاً لا حالاً. وحكى عياض عن بعض مشايخه: أن الحديث المذكور يدل على نسخ الأمرِ المتقدم لهُم بالجلوس لَمَّا صَلَّوْا خلفه قياماً. وتُعُقِّبَ بأن ذلك يحتاج - لو صَحَّ - إلى تاريخٍ وهو لا يصح، لكنه زَعم أنه يُقَوَّى بأن الخلفاء الراشدين لم يفعله أحدٌ منهم.
قال: والنسخُ لا يثبت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، لكنَّ مواظبتَهم على ترك ذلك تَشْهَدُ لصحة الحديث المذكور. وتُعُقِّبَ بأن عدم النقل لا يدل على
(1)
عدم الوقوع، ثم لو سُلِّم لا يلزم منه عدم الجواز لاحتمال أن يكونوا اكتفوا باستخلاف القادر على القيام للاتفاق على أن صلاة القاعد بالقائم مرجوحة بالنسبة إلى صلاة القائم بمثله، وهذا كافٍ في بيان سبب تركهم الإمامة من قعود. واحتَجَّ أيضاً بأنه صلى الله عليه وسلم إنما صلى بهم قاعداً لأنه لا يصح التقدم بين يديه، لنهي الله عن ذلك، ولأن الأئمة شفعاء ولا يكون أحد شافعاً له، وتُعُقِّبَ بصلاته عليه السلام خلف عبد الرحمن بن عوف وهو ثابت بلا خلافٍ، وصح أيضاً أنه صلى خلف أبي بكر كما قدمنا. قال شيخنا: والعجب أن عُمدة مالكٍ في منع إمامة القاعد قولُ ربيعةَ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في تلك الصلاة مأموماً خلف أبي بكر. وإنكارُه أن يكون صلى الله عليه وسلم أَمَّ في مرض موته قاعداً كما حكاه عنه الشافعي في «الأم» ، وكيف يَدَّعِي أصحابُه عدمَ تصويرِ أنه صلى مأموماً، وكأنَّ حديثَ إمامته المذكورَ لَمَّا كان في غاية الصحة ولم يمكنهُم
(2)
ردُّه سلكوا في الانتصار
(3)
وجوهاً مختلفة. وقد تَبَيَّن بصلاته خلف عبد الرحمن بن عوف أَّن المراد بمنع التقدُّمِ بين يديه في غير الإمامة، وأنَّ المراد بكون الأئمة شفعاء أي في حق من يحتاج إلى الشفاعة، ثم لو سُلِّمَ أنه لا يجوز أن يؤمَّه أحدٌ لم يدلَّ ذلك على منع إمامة القاعد، وقد أَمَّ قاعداً جماعةٌ من الصحابة بعده، منهم: أُسَيْدُ بن حُضَيْر وجابر وقيس بن قَهْد وأنس بن مالك وغيرُهم، بل ادَّعى بن حبان وغيرُه إجماعَ الصحابة على صحة إمامة القاعد كما سيأتي.
وقال أبو بكر بن العربي: لا جوابَ لأصحابنا عن حديثِ مرضِ النبي صلى الله عليه وسلم يَخلُصُ عند الشكِّ، واتباعُ السنة أولى والتخصيصُ لا يثبت بالاحتمال. قال: إلا أني سمعت بعض الأشياخ يقول: الحالُ أحدُ وجوه التخصيصِ، وحالُ النبي صلى الله عليه وسلم والتبركُ به وعدم العِوَضِ عنه يقتضي الصلاة معه على أي حال كان عليها وليس
(1)
في (الأصل) : ((بأن عدم الفعل على عدم الوقوع))، والصواب:((بأن عدم النقل لا يدل على عدم الوقوع)) كما في فتح الباري.
(2)
في (الأصل) : ((يمكنه))، والصواب:((يمكنهم)) كما في فتح الباري.
(3)
في (الأصل) : ((الاختصار))، والصواب:((الانتصار)) كما في فتح الباري.
ذلك لغيره، وأيضاً فنقصُ صلاة القاعد عن القائم لا يُتصور في حقه ويُتصور في حق غيره. والجواب عن الأول: رده بعموم قوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، وعن الثاني: بأن النقص إنما يكون في حق القادر في النافلة وأما المعذور في الفريضة فلا نقص في صلاته عن القائم.
واستُدِل به على نسخ الأمر بصلاة المأموم قاعداً إذا صلى الإمام قاعداً لكونه صلى الله عليه وسلم أقر الصحابة على القيام خلفَه وهو قاعد، هكذا قرره الشافعي وكذا نقله المصنف في آخر الباب عن شيخه الحميدي وهو تلميذ الشافعي، وبذلك يقول أبو حنيفة وأبو يوسف والأوزاعي وحكاه الوليد بن مسلم عن مالك وأنكر أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك.
وجَمَعَ بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين: إحداهما إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعداً لِمرضٍ يرجى برؤه فحينئذ يصلون خلفه قعوداً، ثانيهما إذا ابتدأ الإمام الراتب قائماً لزِم المأمومين أن يصلوا خلفه قياماً سواءٌ طرَأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعداً أم لا كما في الأحاديث التي في مرض موته صلى الله عليه وسلم، فإن تقريرَه لهم على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة، لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة بهم قائماً وصلَّوا معه قياماً بخلاف الحالةِ الأولى فإنه صلى الله عليه وسلم ابتدأ الصلاة جالساً فلما صلَّوْا خلفه قياماً أنكر عليهم. ويقوِّي هذا الجمعَ أن الأصل عدمُ النسخ لا سيما وهو في هذه الحالة يستلزِمُ دعوى النسخ مرتين، لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصليَ قاعداً، وقد نُسِخ إلى القعود في حق من صلى إمامُه قاعداً، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك يقتضي وقوع النسخ مرتين وهو بعيد، وأبعد منه ما تقدم عن القاضي عياض فإنه يقتضي وقوع النسخ ثلاث مرات.
وقد قال بقول أحمدَ جماعةٌ من محدِّثي الشافعية كابن خزيمة وابنِ المنذر وابن حبان، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة أخرى منها: قولُ ابنِ خزيمة إن الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يصليَ قاعداً تبعاً لإمامِه لم يُختَلَف في صحتها ولا في سياقها وأما صلاته عليه السلام قاعداً فاختُلِف فيها: هل كان إماماً أو مأموماً. قال: وما لم يُختَلفْ فيه لا ينبغي تركه لِمُختَلَفٍ فيه.
وأجيب: بدفع الاختلاف والحَملِ على أنه كان إماماً مرةً ومأموماً أخرى. ومنها: أن بعضهم جمع بين القصتين بأن الأمر بالجلوس كان للندب، وتقريرُه قيامَهم خلفَه كان لبيان الجواز، فعلى هذا إِنْ أَمَّ قاعداً لعذر تخيرَ من صلى خلفَه بين القعود ِوالقيامِ، والقعودُ أولى لثبوت الأمر بالائتمام والاتباعِ وكثرةِ الأحاديث الواردة في ذلك.
وأجاب ابن خزيمة عن استبعادِ من استبعد ذلك بأن الأمر قد صدر من النبي صلى الله عليه وسلم بذلك واستمر عملُ الصحابة في حياته وبعده، فروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن قيس بن قَهْدٍ - بفتح القاف وسكون الهاء - الأنصاري:
أن إماماً لهم اشتكى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فكان يؤمُّنا وهو جالسٌ ونحن جلوس. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن أُسَيدِ بن حُضَير: أنه كان يؤم قومَه فاشتكى فخرج إليهم بعد شكواه
(1)
فأمروه أن يصلي بهم فقال: إني لا أستطيع أن أصليَ قائماً، فقعَدوا فصلى بهم قاعداً وهم قعود. وروى أبو داود من وجه آخر عن أُسَيدِ بن حُضَير أنه قال: يا رسول الله إن إمامنا مريضٌ. قال: ((إذا صلى قاعداً فصلُّوا قعوداً)). وفي إسناده انقطاع. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر أنه اشتكى فحضرت الصلاة فصلى بهم جالساً
(2)
وصلَّوا معه جلوسا. وعن أبي هريرة: أنه أفتى بذلك. وإسناده صحيح أيضاً.
وقد ألزم ابنُ المنذر من قال: فإنَّ الصحابي أعلمُ بتأويل ما رَوَى، فَأَن يقول بذلك، لأن أبا هريرة وجابراً رَوَيا الأمرَ المذكور واستمرَّا
(3)
على العمل به والفتيا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ويلزمُ ذلك مَن قال: إن الصحابي إذا روى وعمل بخلافه أنَّ العبرة بما عمل من باب الأولى، لأنه هنا عمل بوفق ما رَوَى. وقد ادعى ابنُ حبان الإجماعَ على العمل به، وكأنه أراد السكوتيَّ، لأنه حكاه عن الأربعة الذين ذكرناهم، وقال: لا أحفظُ عن أحد من الصحابة غيرِهم القولَ بخلافه من طريقٍ صحيح ولا ضعيف.
وكذا قال ابن حزم: إنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة خلافَ ذلك، ثم نازَعَ في ثبوت كون الصحابة صلَّوْا خلفَه عليه السلام وهو قاعدٌ قياماً غيرَ أبي بكر، قال: لأن ذلك لم يرِدْ صريحاً. قال شيخُنا: وأطال في ذلك بما لا طائل فيه، والذي ادعى نفيه قد أثبته
(4)
الشافعيُّ وقال: إنه في رواية إبراهيم عن الأسود، ثم وجدتُه مصرَّحاً به أيضا في مصنف عبد الرزاق عن ابن جُريج أخبرني عطاء
…
فذَكَر الحديثَ ولفظُه: فصلى النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً وجعل أبا بكر بينَه وبين الناس، وصلى الناسُ وراءَه قياماً. وهذا مرسلٌ مُعتضِدٌ بالرواية التي علَّقها الشافعي عن النخعي، وهذا هو الذي يقتضيه النظر فإنهم ابتدؤوا الصلاةَ مع أبي بكر قياماً بلا نزاع، فمَن ادَّعى أنهم قعَدوا بعد ذلك فعليه البيان.
ثم رأيتُ ابنَ حِبَّان استدل على أنهم قعدوا بعدَ أن كانوا قياماً بما رواه من طريق أبي
(5)
الزبير عن جابر قال: اشتكى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعدٌ وأبو بكر يُسمِعُ الناس التَّكبير، قال: فالتفت إلينا فرآنا قياماً فأشار إلينا فقعدنا، فلمَّا سلَّم قال: ((إن كدتم لتفعلون فعلَ فارس والروم فلا تفعلوا
…
)). الحديثُ. وهو حديث صحيح أخرجه مسلم، لكن ذلك لم يكن في مرض موته وإنما كان ذلك حيث سقط عن الفرس كما في رواية أبي سفيان عن جابر أيضاً قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً بالمدينة فصرعه
(6)
على جذم نخلة فانقلَبَ قدمُه
…
الحديثُ. قلت: الجذمُ: القطع. انتهى. أخرجه أبو داود وابن خزيمة بإسناد صحيح.
فلا حجة على هذا لِما ادعاه إلا أنه تمسُّكَ بقولِ في رواية أبي الزبير: وأبو بكر يُسمع الناس التكبيرَ. وقال: إن ذلك لم يكن إلا
(1)
في (الأصل) : ((سلوه))، والصواب:((شكواه)) كما في فتح الباري.
(2)
في (الأصل) : ((والنساء))، والصواب:((جالساً)) كما هو في مصنف ابن أبي شيبة.
(3)
في (الأصل) : ((واستموا))، والصواب:((واستمرَّا)).
(4)
كلمة غير واضحة في (الأصل) : ولعلها ((أثبته)).
(5)
في (الأصل) : ((ابن))، والصواب:((أبي)) كما هو في صحيح ابن حبان.
(6)
في (الأصل) : ((فصرحه))، والصواب:((فصرعه)).
في مرض موته، لأن صلاته في مرضه الأول كانت في مشرَبة عائشة ومعه نفر من أصحابه لا يحتاجون إلى من يُسمِعُهم تكبيرَه بخلاف صلاته في مرض موته فإنها كانت في المسجد بجمع كثيرٍ من الصحابة فاحتاج أبو بكر أن يُسمعهم التكبيرَ. انتهى. ولا رَاحة له فيما تَمسك به، لأن إسماعَ التكبير في هذا لم يتابِع أبا الزبير عليه أحدٌ، وعلى تقدير أنه حفِظه فلا مانع أن يُسمعَهم أبو بكر التكبيرَ في تلك الحالة، لأنه يُحمل على أن صوَته صلى الله عليه وسلم كان خفياً من الوجع، وكان من عادته أن يجهَرَ بالتكبير فكان أبو بكر يجهرُ عنه بالتكبير لذلك.
ووراء ذلك كلِّه أنه أمْرٌ محتمِلٌ لا يُترَك لأجله الخبرُ الصحيح بأنهم صلوا قياماً كما تقدم في مرسل عطاء وغيرِه، بل في مرسل عطاء متصلاً به بعد قوله: وصلى الناس وراءه قياماً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما صليتم إلا قعوداً فصلوا صلاة إمامكم ما كان، إن صلى قائماً فصلوا قياماً، وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً)). وهذه الزيادة تُقَوِّي ما قال ابن حبان: إن هذه القصة كانت في مرض النبي صلى الله عليه وسلم الأخير.
ويستفاد منها: نسخُ
(1)
الأمرِ بوجوب صلاة المأمومين قعوداً إذا صلى إمامُهم قاعداً، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم في هذه المرة الأخيرة بالإعادة، لكنْ إذا نُسِخ الوجوبُ بقيَ الجوازُ، والجواز لا ينافي الاستحبابَ، فيُحمل أمرُه الأخير بأن الصلاة قعوداً على الاستحباب، لأن الوجوب قد رُفِع بتقريره لهم وترْكِ أمرِهم بالإعادة، هذا مقتضى الجمع بين الأدلة وبالله التوفيق. انتهى.
قال العيني: ثم اعلم أن صلاة القائم خلف القاعد هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي ومالكٍ في روايةٍ والأوزاعي، واحتجوا في ذلك بحديث عائشة رضي الله عنها المذكور. فإن قلتَ: روى البخاري ومسلم والأربعة عن أنس قال: ((سقط رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرس
…
)) الحديثُ. وفيه: ((إذا صلى قاعداً فصلُّوا قعوداً))، وروى البخاري أيضاً ومسلم عن عائشة قالت: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليه ناسٌ من أصحابه
…
الحديثُ. وفيه: ((إذا صلى جالساً فصلُّوا جلوساً)). قلتُ: هؤلاء يجعلون هذا منسوخاً بحديث عائشة المتقدم أنه صلى آخر صلاته قاعداً والناسُ خلفه قيامٌ، وأيضاً أنَّ تلك الصلوات كانت تطوعاً والتطوعات يحتمل فيها ما لا يحتمل في الفرائض، ومما يدل على ذلك ما أخرجه الترمذي عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إياك والالتفات في الصلاة فإنه هَلَكَةٌ، فإنْ كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة)). وقال: حديث حسن. انتهى.
688 -
قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي التنيسي المصري.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي ابن أنس الإمام.
قوله: (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ)
قوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي عروة بن الزبير.
قوله: (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) رضي الله عنها، ترجمة هؤلاء اخمسة في بدء الوحي.
وهذا الإسنادُ فيه: التحديثُ بصيغة
(1)
كلمة: ((نسخ)) ساقطة من (الأصل) والاستدراك من فتح الباري.
الجمع في موضع واحد والإخبار كذلك، وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه: القول في موضعين.
قوله: (أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ))).
مطابقته للترجمة ظاهرة لأن الترجمة هي بعينها. قوله عليه السلام: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ).
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن قتيبة، وفي السهو عن إسماعيل. وأخرجه أبو داود في الصلاة عن القَعْنَبِي عن مالك به.
قوله: (فِي بَيْتِهِ) أي في المشرَبة التي في حجرة عائشة، كما بينه أبو سفيان عن جابر، وهو دالٌّ على أن تلك الصلاة لم تكن في المسجد، وكأنه صلى الله عليه وسلم عجز عن الصلاة بالناس في المسجد، وكان يصلي في بيته بمن حضَر، لكنه لم يُنقل أنه استخلف، ومن ثَمَّةَ قال عياض: إنَّ الظاهر أنه صلى في حجرة عائشة وائتَمَّ به من حضر عنده ومن كان في المسجد. وهذا الذي قاله يحتمِل، ويحتمِل أيضاً أن يكون استخلف، وإن لم يُنقَل. ويلزم على الأولِ صلاةُ الإمام أعلى من المأمومين، ومذهب عياض خلافه. لكن له أن يقول: محل المنع ما إذا لم يكن مع الإمامِ في مكانه العالي أحدٌ، وهنا كان معه بعضُ الصحابة.
قوله: (وَهُوَ شَاكٍ) بتخفيف الكاف وأصله: شاكِيٌ، نحوُ: قاضٍ أصله قاضِيٌ، استُثْقِلَت الضمة على الياء فحُذِفَت، وهو من الشِّكاية وهي المرض، والمعنى هنا: شاكٍ عن مِزاجِه لانحرافِه عن الصحة. وقال ابن الأثير: الشَّكْوُ والشَّكْوى والشِّكاة والشِّكايةُ: المرض. وكأنَّ سببَ ذلك ما في
(1)
حديثِ أنسٍ المذكور بعده: أنه سَقَطَ عن فرس.
قوله: (فَصَلَّى جَالِسًا) أي حالَ كونه جالساً. وقال عياض: يحتمل أن يكون أصابه من السقطة رَضٌّ في الأعضاء مَنَعَهُ مِنَ القيام. ورُدَّ هذا بأنه ليس كذلك، وإنما كانت قدمه مُنفكَّةً، كما في رواية بشر بن المفضل عن حميد عن أنس عند الإسماعيلي، وكذا لأبي داود وابن خزيمة من رواية أبي سفيان عن جابرٍ قال: ركب رسول لله صلى الله عليه وسلم فرساً بالمدينة فصرعَه على جذم نخلة فانفكت قدمُه، فأتيناه نعودُه فوجدناه في مشرَبة لعائشة
…
الحديثُ، وفي رواية يزيد بن حميد: جُحِشَ ساقُه أو كتفُه. وفي رواية الزهري عن أنس: جُحِشَ شِقُّه الأيمن. وأما قوله في رواية الزهري عن أنس: فجُحِشَ ساقُه أو كتفُه، كما تقدم في باب الصلاة على السطوح فلا ينافي ذلك كونَ قدمِه انفكت، لاحتمال وقوع الأمرين.
وقد تقدم تفسير الجَحْش بأنه الخَدش، والخَدش قَشْرُ الجلد، ووقع عند المصنف في باب يَهوِي بالتكبير من رواية سفيان عن الزهري: شِقُّه الأيمن، فلما خرجنا. قال ابن جريج: ساقُه الأيمن. ورواية ابن جريج
(2)
أخرجها عبد الرزاق عنه وليست مصحَّفَةً كما زعم بعضُهم
(1)
كلمة: ((في)) ساقطة من (الأصل) والسياق يحتاجها.
(2)
جملة: ((ساقُه الأيمن. ورواية ابن جريج)) ساقطة من (الأصل) والاستدراك من فتح الباري.
سقط بالورد
سقط بالورد
الصلاة
(1)
الكلام على زيادة: اللهم قبلها، ونقل عياض عن القاضي عبد الوهاب أنه استدل به على أن حمد الإمام مقتصرٌ على قول: سمع الله لمن حمده، وأن المأموم يقتصر على قوله: ربنا لك الحمد، وليس في السياق ما يقتضي المنع، لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي تركَ فعلِه، نعم مقتضاهُ أن المأمومَ يقولُ: ربنا لك الحمد عقِب قولِ الإمام: سمع الله لمن حمده، فأمَّم منعُ الإمام من قول: ربنا لك الحمد فليس بشيء، لأنه ثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمعُ بينهما كما سيأتي في باب ما يقول عند رفع رأسه من الركوع، ويأتي باقي الكلام عليه هناك.
قوله: (وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا) أي حال كونه جالسا.
قوله: (فَصَلُّوا جُلُوسًا) أي جالسين، وهو أيضا حال.
قوله: (أَجْمَعُونَ) تأكيدٌ للضمير الذي في (فَصَلُّوا)، كذا وقع بالواو في جميع الطرق في «الصحيحين» ، إلا أن الرواة اختلفوا في رواية همام عن أبي هريرة فقال بعضهم:(أَجْمَعِينَ) بالياء، فوجهُه أن يكونَ منصوباً على الحال، أي جلوسا مجتمعين، أو يكونَ تأكيداً له، وقال بعضهم: يكون أيضاً على التأكيد لضميرٍ مقدر منصوب، كأنه قال: أَعْنيكُم أجمعين. قال العيني: هذا تعسف جداً، ليس في الكلام ما يصحح هذا التقدير. انتهى.
فيه: جواز صلاة القائمين وراء الجالس، وقد مر الكلام فيه مستوفى عن قريب.
وفيه: وجوب متابعة المأمومِ الإمامَ حتى في الصحة والفساد، قاله العيني على مقتضى مذهبه، وقال الشافعي: يُتبَع في الموافقة لا في الصحة والفساد. وقد مرَّ البحثُ فيه عن قريب.
الثالث: استدل أبو حنيفة بقوله: (وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) على أن وظيفة الإمام التسميعُ ووظيفةَ المقتدي التحميدُ، لأنه عليه السلام قَسَم، والقسمةُ تنافي الشركة، وبه قال مالك وأحمد في رواية، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد في رواية: يأتي الإمام بهما. قال العيني: والحديث حجة عليهم. انتهى. قلتُ: ليس فيه حجة، وقد تقدم البحث منه عن قريب. انتهى. وأما المؤتمُّ قال العيني: فلا يقول إلا: ربنا ولك الحمد، ليس إلا عندنا، وقال الشافعي ومالك: يجمع بينهما. انتهى.
689 -
قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أي التنيسي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) أي الإمام، ترجمتهما في بدء الوحي.
قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قوله: (عَنْ أَنَسِ) أي ابنِ مَالِك، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.
في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع والإخبار كذلك، وفيه: العنعنة في موضعين، وفيه: القولُ في موضع، وفيه: عن أنس، وفي رواية شعيب عن الزهري: أخبرني أنس.
قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَكِبَ فَرَسًا، فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا
(1)
كذا العبارة في (الأصل) في بداية اللوحة، ولعل هناك لوحةً ساقطة فإنه كان ينقل عن فتح الباري فانتقل فيما ينقله إلى موضع لاحق.
رَكَعَ، فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ))).
مطابقته للترجمة مثلُ ما ذكرنا في الحديث الذي قبله.
قوله: (رَكِبَ فَرَسًا) بفتح الفاء والراء. قلتُ: هو الحيوان الصاهل وله خواصٌّ منها: أن المرأة إذا سُقيت من لبنه ولم تعلم أنه لبن فرس وواقعها زوجُها حملت في ساعتها، ومنها: أنه إذا أخذت شعرةً من ذنب فرس وجُعِلت على باب بيتٍ ممدودةً لم يدخله بَقٌّ ما دامت ممدودةً عليه، فهذه فائدتان إحداهما لِجلبِ نفعٍ والأخرى لدفع ضرر، وأنتَ إذا تأملتَ حالَ الفرس رأيتَه لجلب نفعٍ أو دفعِ ضرر. انتهى.
قوله: (فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ) وفي رواية سفيان عن الزهري: (فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ)، وكذا في رواية حميد عن أنس عند الإسماعيلي. وقال القرطبي: اللام للعهد ظاهراً، والمراد الفرضُ لأن المعهود من عادتهم اجتماعُهم للفرض بخلاف النافلة، وحكى عياض عن ابن القاسم: أن هذه الصلاة كانت نفلاً. قال شيخنا: وتُعُقِّبَ: بأن في رواية جابر عند ابن خزيمة وأبي داود الجزمُ بأنها فرضٌ كما سيأتي، لكن لم أقف على تعيينها إلا في حديث أنس: فصلى بنا يومئذ. فكأنها نهاريَّةُ الظهر أو العصر. انتهى. قال العيني: لا ظاهر هنا يدل على ما ادَّعاه وَلِمَ لا يجوز أن تكون التي صلى بهم يومئذ نفلاً. انتهى. قلتُ: ظهورُ كونها فرضاً ثابتٌ من جزم روايةِ ابن خزيمة وأبي داود وتعليلِ القرطبي فلا وجه لنفيِ الظهورِ والله أعلم. انتهى.
قوله: (فَجُحِشَ) بجيم مضمومة ثم حاءٍ مهملة مكسورة أي: خُدِشَ، وهو أن يتقشَّر جِلدُ العضو.
قوله: (فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا) أي حال كوننا قاعدين. ظاهرُه يخالف حديث عائشة، لأن فيه:(فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا). وفي الجمع بينهما وجوه: الأول: أنَّ في رواية أنس اختصاراً وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس. الثاني: ما قاله القرطبي وهو أنه: يحتمل أن يكون بعضُهم قعد من أول الحال، وهو الذي حكاه أنس، وبعضُهم قام حتى أشار إليه بالجلوس، وهو الذي حكته عائشة.
قال شيخنا: وتُعُقِّبَ باستبعاد قعودِ بعضِهِم بغير إذنِه صلى الله عليه وسلم لأنه يستلزم النسخ بالاجتهاد، ولأن فرضَ القادر في الأصلِ القيامُ. انتهى. الثالث: ما قاله قومٌ وهو احتمال تعدد الواقعة، وقال شيخنا: وفيه بُعْدٌ لأن حديث أنسٍ إن كانت القصةُ سابقةً لزم منه ما ذكرنا من النسخِ بالاجتهاد، وإن كانت متأخرةً لم يُحَتج إلى إعادة قولِه: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ
…
) إلى آخره، لأنهم قد امتثلوا أمره السابق وصلَّوْا قعوداً لكونه قاعداً. انتهى.
قال العيني: البُعد في الوجهين الأوَّلين، والوجه الثالث هو القريب، ويدل عليه ما وقع في رواية أبي داود عن جابر: أنهم دخلوا يعودونه مرتين، فصلى بهم فيهما. وبيَّنَ أنَّ الأولى كانت نافلةً وأقرَّهُم على القيام وهو جالس، والثانية كانت فريضةً وابتدأوا قياماً فأشار إليهم بالجلوس. وفي رواية بشر عن حميد
عن أنس نحوُه عند الإسماعيلي.
قوله: (وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا) استُدِلَّ به على صحة إمامة الجالس كما تقدم، وادَّعى بعضُهم أن المراد بالأمر أن يقتدي به في جلوسه في التشهد وبين السجدتين لأنه ذَكَرَ ذلك عقب ذكر الركوع والرفع عنه والسجود، قال: فيُحمل على أنه لما جلس للتشهد قاموا تعظيماً له فأمرهم بالجلوس تواضعاً، وقد نبه على ذلك بقوله في حديث جابر:((إنْ كدتم آنفاً تفعلون فعلَ فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا)). وتعقَّبَه ابن دقيق العيد وغيرُه بالاستبعاد وبأنَّ سياق طرق الحديث تأباه وبأَّنهُ لو كان المراد الأمرُ بالجلوس في الركن لقال: وإذا جلستُ فاجلسوا، لتُناسب قوله:((وإذا سجد فاسجدوا))، فلما عَدَل عن ذلك إلى قوله:(وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا) كان كقوله: (وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا) والمراد بذلك جميعُ الصلاة. ويؤيد ذلك قولُ أنس: فصلينا وراءه قعوداً.
قوله (أَجْمَعُونَ) تقدم الكلام عليه آنفاً.
فيه من الفوائد غير ما تقدم في الحديث السابق: مشروعيةُ ركوب الخيل والتدرب على أخلاقها. واستحبابُ التأسي إذا حصل له منها سقوطٌ أو غيرُه أو غيرُ ذلك بما اتَّفَقَ للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة. وبه الأسوة الحسنة. وفي ذلك أنه يجوز على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ما يجوزُ على البَشَر من الأسقام ونحوِها من غير نقصٍ في مقدارِه بذلك بل ليزداد قدرُه رِفْعَةً ومنصبُه جلالة عليه أفضل الصلاة والسلام.
قوله: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أي البخاري رحمه الله، ترجمته في مقدمة هذا الشرح.
قوله: (قَالَ الحُمَيْدِيُّ) أي عبد الله بن الزبير بن عيسى ابن عبيد الله بن حميد القرشي الأسدي المكي، ويكنى أبا بكر، وهو شيخ البخاري ومن أفراده وتلميذُ الشافعي رحمه الله، مات سنة تسع عشر ومائتين، قلتُ: تقدمت ترجمته في بدء الوحي. انتهى.
قولُه: (قَوْلُهُ: ((إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا)) هُوَ فِي مَرَضِهِ القَدِيمِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَالِسًا، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ، لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ، مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قد تقدم أنه يُفهم من هذا ميلُ البخاري إلى ما قاله الحميدي ومذهب الأئمة.
قال ابن حبان - كما تقدم بعضُه وتعقبه شيخنا بعد أن روى حديث عائشة المذكور -: في هذا الخبر بيانٌ واضحٌ أنَّ الإمام إذا صلى قاعداً كان على المأمومين أن يصلوا قعوداً، وأفتى به من الصحابة جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن قَهْدٍ، ولم يُرْوَ عن غيرهم من الصحابة خلافُ هذا بإسناد متصل ولا منقطع، فكان إجماعاً، والإجماع عندنا إجماع الصحابة. وقد أفتى به من التابعين أيضاً، وأولُ من أبطل ذلك من الأئمة المغيرةُ بن مقسم، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ثم أخذه عنه أبو حنيفة ثم عنه أصحابه، وأعلى حديثٍ احتجوا به حديثٌ رواه جابر الجعفي