الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سواء، قال شيخنا زاد فيه: وهو وحده
…
إلى آخره.
تنبيه: إطلاق أَنَس محمول على ما شاهده من أمراء الشَّام والبصرة خاصَّة، وإلا فسيأتي في هذا الكتاب إنَّه قدم المدينة فقال: ما أنكرت شيئًا إلَّا أنكم لا تقيمون الصُّفوف، والسبب فيه: إنَّه قدم المدينة وعمرُ بن عبد العزيز أميرها حينئذ، وكان على طريقة أهل بيته، حتَّى أخبره عُرْوَة عن بشر بن أبي مسعود عن أبيه بالنصَّ على الأوقات، فكان يحافظ بعد ذلك على عدم إخراج الصَّلاة عن وقتها، كما تقدَّم بيانه في أوائل الصَّلاة، ومع ذلك كان يراعي الأمر معهم فيأخِّر الظُّهر إلى آخر وقتها، وقد أنكر ذلك أَنَس أيضًا كما في حديث أبي أمامة بن سهل عنه. انتهى.
(8)(بَابٌ المُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ) أي هذا باب يذكر فيه المصلِّي يناجي ربَّه، مِنْ ناجاه يناجيه مناجاة فهو مناجٍ، وهو المخاطِب لغيره والمحدِّث له، وثلاثيُّه مِن نجا ينجو نجاةً إذا أسرع، ونجا من الأمر إذا خَلَص، وأنجاه غيرُه.
ومناسبة هذا الباب بالأبواب الَّتي قبله الَّتي تضمَّنها كتاب مواقيت الصَّلاة من حيث إنَّ فيه بيان أنَّ أوقات أداء الصَّلاة [أوقاتُ]
(1)
مناجاة الله تعالى، ومناجاة الله تعالى لا تحصل للعبد إلَّا فيها خاصَّة، والأحاديث السَّابقة دلَّت على مدح من صلَّى في وقتها وذمِّ من أخَّرها عن وقتها، وأورد البخاري أحاديث هذا الباب ترغيبًا للمصلِّي في تحصيل هذه الفضيلة على الوجه المذكور في أحاديث هذا الباب؛ لئلَّا يحرم عن هذه المنزلة السنيَّة الَّتي يخشى فواتها على المقصر في ذلك.
531 -
قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ) أي أبو عَمْرو البصري.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي ابن أبي عبد الله الدَّسْتُوائي بفتح الدَّال.
قوله: (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة بكسر الدَّال.
قوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَتْفُلَنَّ عَنْ يَمِيْنِهِ، وَلَكِنْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى).
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الإسناد بعينه قد مرَّ في الحديث الأوَّل في باب زيادة الإيمان ونقصانه حيث قال: حدَّثنا مسلم بن إبراهيم حدَّثنا هشام حدَّثنا قَتَادَة عن أَنَس قال: ((يخرج من النَّار من قال: لا إله إلَّا الله)) الحديث، وهذا الحديث قد مضى في باب حكِّ البزاق باليد من المسجد بأطولَ منه، رواه عن قُتَيْبَة عن إسماعيل بن جعفر عن حُمَيْد عن أنس:((أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رأى نُخَامَةً)) الحديث، وأخرجه أيضًا في باب لا يبصق عن يمينه في الصَّلاة عن أبي هريرة وأبي سعيد الخُدْري رضي الله عنهما، وأخرج أيضًا عن أَنَس من حديث شُعْبَة عن قَتَادَة عنه من طرق مختلفة، وأخرجه أيضًا عن أبي هريرة، وقد مرَّ الكلام فيه مستوفىً.
قوله: (وَقَالَ سَعِيْدٌ) أي ابن أبي عَرُوبَة.
قوله: (عَنْ قَتَادَةَ) أي قال سعيد عن قَتَادَة بالإسناد المذكور: ((لَا يَتْفِلُ قُدَّامَهُ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ)).
طريقه موصولة عند الإمام أحمد وابن حبَّان، وقوله فِيها:(أَوْ بَيْنَ يَدَيِهِ) شكٌّ من الراوي، ومعناه: قدَّامه.
قوله: (وَقَالَ شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج: (لَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِيْنِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) أي قال شُعْبَة عن قَتَادَة بالإسناد أيضًا، وقد أوصله البخاري فيما تقدَّم
(1)
أوقات: ليست في الأصل، وأثبتت لصحة السياق، وهي مثبتة في (عمدة القاري).
عن آدم عنه.
قال شيخنا: وأراد بهذين التعليقين بيان اختلاف أصحاب قَتَادَة عنه في رواية هذا الحديث، ورواية شُعْبَة أتمُّ الروايات، لكن ليس فيها المناجاة. انتهى.
قوله: (وَقالَ حُمَيْدٌ عَن أَنَس عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَا يَبْزُقَنَّ فِي القِبْلَةِ وَلَا عَنْ يَمِيْنِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ)، أوصله البخاري أيضًا فيما تقدَّم، ولكن ليس في تلك الطريقة قوله:(وَلا عَنْ يَمِيْنِهِ).
وقال الكِرْماني: هذه تعليقات، لكنَّها ليست موقوفة على شُعْبَة ولا على قَتَادَة، يعني: بل هي مرفوعة، ويحتمل الدُّخُول تحت الإسناد السَّابق بأن يكون معناه مثلًا: حدَّثنا مسلم، حدَّثنا شُعْبَة عن قَتَادَة عن أَنَس عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قال شيخنا: وهو احتمال ضعيف بالنِّسبة لشُعْبَة؛ فإنَّ مسلم بن إبراهيم سمع منه، وباطل بالنِّسبة لسعيد؛ فإنَّه لا رواية له عنه، والذي ذكرته هو المعتمد، وكذا طريق حُمَيْد وصلها المؤلِّف في أوائل أبواب المساجد من طريق إسماعيل بن جعفر عنه، لكن ليس فيها قوله:(وَلَا عَنْ يَمِيْنِهِ).
قوله: (حَدَّثَنَا حَفْص بنُ عُمَرَ، قالَ: حَدَّثنا يَزيْدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَة عَنْ أَنَس عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: اعتَدِلُوا في السُّجُوْدِ، وَلا يَبْسُطْ ذِرَاعَيهِ كَالكَلْبِ، وَإِذَا بَزَقَ فَلا يَبْزُقْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِيْنِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ).
مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله تقدَّموا، وفي إسناده التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، والعنعنة في موضعين، وفيه القول.
532 -
قوله: (اعْتَدِلُوا فِي السُّجُوْدِ) يأتي الكلام عليه في أبواب صفة الصلاة، وقال العَيني: المقصود من الاعتدال فيه: أن يضع كفَّه على الأرض ويرفع مرفقيه عنها وعن جنبيه ويرفع البطن عن الفخذ، والحكمة فيه: إنَّه أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة من الأرض وأبعد من هيئات الكسالى، فإن المنبسط يشبه الكلب ويشعر حاله بالتهاون بالصلاة وقلَّة الاعتناء بها والإقبال عليها.
والاعتدال من عدلته فاعتدل، أي قوَّمته فاستقام، قاله الجَوْهري.
قوله: (وَلَا يَبْسُطْ ذِرَاعَيْهِ) بسكون الطَّاء، وفاعله مضمَر، أي المصلِّي، وفي بعض النُّسخ:((أَحَدُكُمْ)) بإظهار الفاعل، والذِّراع: السَّاعد.
قوله: (فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ) وفي رواية الكُشْمِيهَني: <فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ> وسأل الكِرْماني ههنا ما ملخَّصه: أنَّ فيما مضى جعل المناجاة علَّة لنهي البزاق في القدَّام فقط لا في اليمين حيث قال: (فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللهَ) وقال: (وَلَا عَنْ يَمِيْنِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِيْنِهِ مَلَكًا) وأجاب: بأنَّه لا محذور بأن تعلل الشيء بعلَّتين منفردتين أو مجتمعتين؛ لأنَّ العلَّة الشرعيَّة معرّفة، وجاز تعدد المعرّفات، فعلل نهي البزاق عن اليمين بالمناجاة وبأنَّ ثمَّة ملكًا، وقال أيضًا: عادة المناجي أن يكون في القدَّام، وأجاب بأنَّ المناجي الشَّريف قد يكون قدَّامًا وقد يكون يمينًا.
(9)
(بابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ)
أي هذا باب في بيان فضل الإبراد بصلاة الظُّهر عند شدَّة الحرِّ، وسنفسِّر الإبراد في الحديث، وإنما قدَّم باب الإبراد بالظُّهر
على باب وقت الظُّهر للاهتمام به، وقال شيخنا: لأنَّ لفظ الإبراد يستلزم أن يكون بعد الزَّوال لا قبله؛ إذ وقت الإبراد هو ما إذا انحطَّت قوَّة الوهج من حرِّ الظَّهيرة، فكأنَّه أشار إلى أوَّل وقت الظُّهر، أو أشار إلى حديث جابر بن سَمُرَة قال: كان بلال يؤذِّن الظُّهر إذا دحضت الشَّمس. أي مالت
533 -
534 - قوله: (حَدَّثَنَا أيُّوْبُ بنُ سُلَيْمَان بنِ بِلَالٍ) أي المدني، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) أي عبد الحميد بن أبي أُويس الأَصْبَحي، توفِّي سنة ثنتين ومائة.
قوله: (عَنْ سُلَيْمَانَ) أي ابن بلال والد أيُّوب المذكور.
قوله: (قَالَ صَالِحٌ) أي ابن كيْسان.
قوله: (حَدَّثَنَا الأَعْرَجُ) أي عبد الرحمن بن هُرمُز.
قوله: (وَغَيْرُهُ) أي غير الأعرج، قال شيخنا: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن فيما أظنُّ، وقد رواه أبو نُعَيم في «المستخرج» من وجه آخر عن أيُّوب بن سُلَيمان فلم يقل فيه: وغيره. انتهى.
قوله: (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه.
قوله: (وَنافِعٌ مَولَى عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ) بالرفع عطف على الأعرج.
قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنهما.
قوله: (أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ) أي أبو هريرة وابن عُمَر.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وبصيغة التثنية من الماضي في موضع واحد، وفيه العنعنة في أربع مواضع، وفيه القول في ثلاث مواضع، وفيه أنَّ رواته كلُّهم مدنيُّون، وفيه صحابيان وثلاثة من التَّابعين، وهم صالح بن كَيْسان، فإنَّه رأى عبد الله بن عُمَر، قاله الواقدي والأعرج ونافع، وفيه أنَّ أبا بكر من أقران أيُّوب، وفيه أنَّ أيُّوب روى عن والده سُلَيمان هنا بواسطة، قال شيخنا: تارة يروي عنه بواسطة، وتارة بلا واسطة. انتهى.
قوله: (عَنْ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إنَّه قَالَ: إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ).
مطابقته للترجمة من حيث إنَّ المراد بقوله: (فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ) هي صلاة الظُّهر؛ لأنَّ الإبراد إنَّما يكون في وقت يشتدُّ الحرُّ فيه، وذلك وقت الظُّهر، ولهذا صرَّح بالظُّهر في حديث أبي سعيد حيث قال:((أَبْرِدُوا بالظُّهْرِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)) على ما يأتي في آخر هذا الباب، والبخاري حمل المطلق على المقيَّد في هذه الترجمة.
قوله: (أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ) أي أبو هريرة وابن عُمَر حدَّثا من حدَّث صالح بن كَيْسان، ويحتمل أن يعود الضَّمير في (أَنَّهُمَا) إلى الأعرج ونافع، أي أنَّ الأعرج ونافعًا حدَّثاه، أي صالح بن كَيْسان عن شيخيهما بذلك، ووَقَعَ في رواية الإسماعيلي أنهما حدَّثا بغير ضمير، فلا يحتاج إلى التقدير المذكور.
قوله: (إِذَا اشَتَدَّ الحَرَّ) من الاشتداد من باب الافتعال، وأصله: اشتدد، أدغمت الدَّال الأولى في الثانية.
قوله: (فَأَبْرِدُوا) -بفتح الهمزة- من الإبراد، قال الزَّمَخشَري في «الفائق» : حقيقة الإبراد الدخول في البرد، والباء للتعدية، والمعنى: إدخال الصَّلاة في البرد، ويقال: معناه: افعلوها في وقت البرد، وهو الزَّمان الذي يتبيَّن فيه شدَّة انكسار الحرِّ؛ لأنَّ شدَّة الحرِّ تذهب الخشوع. وقال السَّفَاقُسي:(أَبْرِدُوا) أي ادخلوا في وقت الإبراد مثل أظلم: دخل في الظَّلام، وأمسى:
دخل في المساء، قال شيخنا: وأظهر إذا دخل في الظَّهيرة، ومثله في المكان: أنجد إذا دخل نجدًا، وأَتْهَم إذا دخل تِهامة. انتهى.
وقال الخطَّابيُّ: الإبراد: انكسار شدَّة حرِّ الظَّهيرة، وذلك أنَّ فتور حرِّها بالإضافة إلى وقت الهاجرة بردٌ، وليس ذلك بأن يؤخِّر إلى آخر بردَي النَّهار وهو برد العشي؛ إذ فيه الخروج عن قول الأئمَّة.
قوله: (بِالصَّلَاةِ) وفي حديث أبي ذرٍّ الذي يأتي بعد هذا الحديثُ عن الصلاة، والفرق بينهما: أنَّ الباء هو الأصل، وأما (عَنْ) ففيه تضمين معنى التأخير، أي تأخَّروا عنها مبرِّدين، وقيل: هما بمعنى واحد؛ لأن عَنْ تأتي بمعنى الباء كما يقال: رميت عن القوس، أي بالقوس، وقيل: الباء زائدة، والمعنى: أبردوا الصَّلاة.
وقوله: (بِالصَّلَاةِ) بالباء هو رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِيهَني: <عَنِ الصَّلَاةِ> كما في حديث أبي ذرٍّ، وقال شيخنا: قوله: (بِالصَّلَاةِ) الباء للتعدية، وقيل: زائدة، ومعنى (أَبْرِدُوا) : أخِّروا، على سبيل التضمين، أي أخَّروا الصلاة.
قال العَيني: قوله: للتعدية غيرُ صحيح؛ لأنَّه لا يجمع في تعدية اللازم بين الهمزة والباء، فافهم، وقوله: على سبيل التَّضمين أيضًا غير صحيح؛ لأنَّ معنى التَّضمين في رواية (عَنْ) كما ذكرنا، لا في رواية الباء، فافهم، وقد ذكرنا: أنَّ المراد من الصَّلاة هي صلاة الظُّهر. انتهى.
قلت: ما قاله شيخنا صحيح يشهد له قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] فإن قلت: قال العلماء باللَّغة: إنَّ سرى وأسرى بمعنىً واحد، أقول: قال صاحب المفردات: وقيل: أسرى ليست من لفظة سَرَى، إنَّما هي من السَّراة وهو أرض واسعة، فقوله:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] أي ذهب به في سَراةٍ من الأرض، وقوله: على سبيل التَّضمين، لم يقل فيه على رواية الباجي يُعترض بهذا. انتهى.
قوله: (فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ) الفاء فيه للتعليل، أراد أنَّ علَّة الأمر بالإبراد هي شدَّة الحرِّ، واختلف في حكمة هذا التأخير، فقيل: دفع المشقَّة لكون شدَّة الحرِّ مما يذهب الخشوع، وقيل: لأنَّه وقت تسجر فيه جهنَّم كما روى مسلم من حديث عَمْرو بن عَبَسَةَ حيث قال له عليه السلام: ((اقصرْ عنِ الصَّلاة عندَ استواءِ الشَّمسِ؛ فإنَّها ساعةٌ تسجرُ فيها جهنَّمُ)). انتهى. فهذه الحالة ينتشر فيها العذاب.
فإن قلت: الصَّلاة سبب الرحمة، وإقامتها مظنَّة دفع العذاب، فكيف أمر عليه السلام بتركها في هذه الحالة؟ أجيب عنه بجوابين، أحدهما قاله اليعمري: بأن التعليل إذا جاء من جهة الشَّارع وجب قبوله وإن لم يفهم معناه، والآخر من جهة أهل الحكمة، وهو استنباط ابن المنيِّر، وهو أنَّ هذا الوقت وقت ظهور الغضب، فلا ينجع فيه الطلب إلَّا ممن أُذن له في ذلك كما في حديث الشَّفاعة، حيث اعتذر الأنبياء كلُّهم للأمم بذلك سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّه أُذن له في ذلك.
قلت: في تعليل أهل الحكمة هذا نظر؛ فإنَّه عليه السلام قال في الكسوف: ((إنَّ اللهَ يُخَوْفُ بِهِ عِبَادَهُ))، وقال:((إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافزَعُوا إلى الصَّلَاةِ))، والذي يظهر أنَّ تعليله بذلك إرشادٌ إلى تحقيق المشقَّة، قال شيخنا: ويمكن أن يقال: سَجْر جهنَّم سبب فتحها، وفتحُها سبب وجود شدَّة الحرِّ،
وهو مظنَّة المشقَّة الَّتي هي مظنَّة سلب الخشوع فناسب ألَّا يُصلَّى فيها، لكن يردُّ عليه أنَّ سجرها مستمرٌّ في جميع السنة، والإبراد مختصٌّ بشدَّة الحرِّ فيها متغايران، فحكمة الإبراد دفع المشقَّة، وحكمة الترك وقت سَجْرها لكونه وقت ظهور أثر الغضب، والله أعلم. انتهى.
قوله: (مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) -بفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة- وهو سطوع الحرِّ وفورانه، وقال شيخنا: فيح جهنم سِعَة انتشارها وتنفُّسها، ومنه: مكان أفيح، أي متسع، وهذا كناية عن شدِّة استعارها. انتهى. ويقال بالواو: فَوَح، وفاحت القدرة تفوح إذا غلت، وقال ابن سيده: فاح الحرُّ يفيح فيحًا سطع وهَاجَ، قال شيخنا: وظاهره أنَّ مَثار وهج الحرِّ في الأرض من فيح جهنَّم حقيقة، وقيل: هو من مجاز التشبيه، أي كأنَّه نار جهنَّم في الحرِّ، والأوَّل أولى، ويؤيِّده الحديث الآتي:((اشتكت النَّار إلى ربِّها، فأذِّن لها بنفسين)) وسيأتي البحث فيه. انتهى.
وأما لفظ جهنَّم فقد قال قُطْرُب: زَعَمَ يُونُس إنَّه اسم أعجمي، وفي «الزاهر» لابن الأَنْباري: قال أكثر النَّحويين: هي أعجميَّة لذا لا تجري للتعريف والعجمة، وقيل: إنَّه عربي، ولم تجرِ للتعريف والتأنيث، وفي «المغيث» : هي تعريف
(1)
كهنَّام بالعبرانيَّة، وذكره في «الصِّحاح» في الرُّباعي ثمَّ قال: هو ملحق بالخماسي لتشديد الحرف الثالث، وفي «المحكم» : سُمِّيت جهنَّم لبعد قعرها، ولم يقولوا فيها: جهنام، ويقال: بئر جهنام بعيدة القعر، وبه سُمِّيت جهنَّم، وقال أبو عمرو: جهنام اسم وهو الغليظ البعيد القعر. انتهى.
فيه: الأمر بالإبراد في صلاة الظهر، واختلفوا في كيفيَّة هذا الأمر، فحكى القاضي عياض وغيره: أنَّ بعضهم ذهب إلى أنَّ الأمر فيه للوجوب، وقال شيخنا: وغفل الكِرْماني فنقل الإجماع على عدم الوجوب، قال العَيني: لا يقال: إنَّه غفل، بل الذين نقل عنهم فيه الإجماع كأنَّهم لم يعتبروا كلام من ادَّعى الوجوب فصار كالعدم، وأجمعوا على أنَّ الأمر للاستحباب، قال شيخنا: والأمر بالإبراد أمر استحباب، وقيل: أمر إرشاد، وقيل: بل هو للوجوب.
وقال جمهور أهل العلم: يستحبُّ تأخير الظهر في شدَّة الحرِّ إلى أن يبرد الوقت وينكسر الوهج، وخصَّه بعضهم بالجماعة، فأما المنفرد فالتعجيل في حقِّه أفضل، وهذا قول أكثر المالكيَّة والشافعي، لكن خصَّه أيضًا بالبلد الحارِّ، وقيد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون مسجدًا من بُعد، فلو كانوا مجتمعين أو كانوا يمشون في كُنٍّ فالأفضل في حقِّهم التعجيل، والمشهور عن أحمد التسوية من غير تخصيص ولا قيد، وهو قول إِسْحاق والكوفيين وابن المنذر، واستدلَّ له التِّرْمِذي بحديث أبي ذرٍّ الآتي بعد هذا؛ لأنَّ في روايته أنَّهم كانوا في سفر، وهي رواية للمصنِّف أيضًا ستأتي قريبًا، قال: فلو كان على ما ذهب إليه الشافعي لم يأمر بالإبراد لاجتماعهم في السَّفر وكانوا لا يحتاجون إلى أن ينتابوا من البعد، قال التِّرْمِذي: والأوَّل أولى بالاتباع. وتعقَّبه الكِرْماني بأن العادة في العسكر الكثير تفرُّقهم في أطراف المنزل للتخفيف وطلب المرعى، فلا نسلِّم اجتماعهم في تلك
(1)
كذا في الأصل، ولعل الصواب: تعريب.
الحال. انتهى.
قال شيخنا: وأيضًا فلم تجر عادتهم باتِّخاذ خِباء كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرَّقون في ظلال الشجر، وليس هناك كنٌّ يمشون فيه، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعي، وغايته إنَّه استنبط من النصِّ العامِّ - وهو الأمر بالإبراد - معنى يخصِّصه، وذلك جائز على الأصحِّ في الأصول، لكنَّه مبني على أنَّ العلَّة في ذلك تأذِّيهم بالحرِّ في طريقهم، وللمتمسِّك بعمومه أن يقول: العلَّة فيه تأذِّيهم بحرِّ الرمضاء في جباههم حالة السجود، ويؤيِّده حديث أنس:((كنَّا إذا صلَّينا خلفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بالظَّهائرِ سجدنا على ثيابِنا اتِّقاءَ الحرِّ)) وسيأتي قريبًا. والجواب عن ذلك: أنَّ العلَّة الأولى أظهر، فإن الإبراد لا يزيل الحرَّ عن الأرض، وذهب بعضهم إلى أنَّ تعجيل الصَّلاة أفضل مطلقًا، وقالوا: معنى (أَبْرِدُوا) : صلُّوا في أوَّل الوقت، أخذًا من برد النَّهار وهو أوَّله، وهو تأويل بعيد، ويرده قوله:(فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) إذ التعليل بذلك يدلُّ على أنَّ المطلوب التأخير، وحديث أبي ذرٍّ الآتي صريح في ذلك حيث قال:(انتظر)، والحامل لهم على ذلك حديث خباب ((شَكَوْنَا إِلَى رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمِ يُشْكِنَا)) أي لم يزل شكوانا، وهو حديث صحيح رواه مسلم، وتمسَّكوا أيضًا بالأحاديث الدالة على فضيلة أوَّل الوقت، وبأنَّ الصَّلاة حينئذ أكثر مشقَّة فتكون أفضل.
والجواب عن حديث خَبَّاب: إنَّه محمول على أنَّهم طلبوا تأخيرًا زائدًا عن وقت الإبراد، وهو زوال حرِّ الرمضاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت، فلذلك لم يجبهم، أو هو منسوخ بأحاديث الإبراد؛ فإنها متأخِّرة عنه، واستدلَّ له الطَّحاوي بحديث المغيرة بن شُعْبَة قال:(كنَّا نصلِّي معَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الظُّهرَ بالهاجرةِ، ثمَّ قالَ لنا: أبردوا بالصَّلاة) الحديث، وهو حديث رجاله ثقات، رواه أحمد وابن ماجَهْ وصحَّحه ابن حبَّان، ونقل الخَلَّال عن أحمد إنَّه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجمع بعضهم بين الحديثين بأنَّ الإبراد رخصة والتعجيل أفضل، وهو قول من قال: إنَّه أمر إرشاد، وعكسه بعضهم فقال: الإبراد أفضل، وحديث خباب يدلُّ على الجواز.
والجواب عن أحاديث أوَّل الوقت: إنَّها عامَّة أو مطلقة، والأمر بالإبراد خاصٌّ، ولا التفات إلى من قال: التعجيل أكثر مشقَّة فيكون أفضل؛ لأنَّ الأفضليَّة لم تنحصر في الأشقِّ، بل قد يكون الأخفُّ أفضل كما في قصر الصَّلاة في السَّفر. انتهى.
قال العَيني: فإن قلت: ما القرينة الصارفة للأمر عن الوجوب وظاهر الكلام يقتضيه؟
قلت: لما كانت العلَّة فيه دفع المشقَّة عن المصلِّي لشدَّة الحرِّ، وكان ذلك للشفقة عليه فصار من باب النَّفع له، فلو كان للوجوب يصير عليه ويعود الأمر على موضعه بالنَّقض.
وقال شيخنا: وحديث خَبَّاب هو الصارف للأمر عن الوجوب، كذا قيل، وفيه نظر؛ لأن ظاهره المنع من التأخير، وقيل: معنى قول خَبَّاب: (فَلَمْ يُشْكِنَا) أي لم يحوجنا إلى شكوى بل أذَّن لنا في الإبراد. حُكِي عن ثعلب، ويردُّه أنَّ في الخبر زيادة رواها ابن المنذر بعد قوله:(فَلَمْ يُشْكِنَا) وقال: ((إِذَا زَالَتِ الشَّمس فَصَلُّوا)). انتهى.
وفي «التَّوضيح» :
اختلف الفقهاء في الإبراد بالصَّلاة، فمنهم من لم يردَّه، وتأوَّل الحديث على إيقاعها في برد الوقت وهو أوَّله، والجمهور من الصحابة والتَّابعين وغيرهم على القول به، ثمَّ اختلفوا فقيل: إنَّه عزيمة، وقيل: واجب تعويلًا على صيغة الأمر، وقيل: رخصة، ونصَّ عليه في «البويطي» ، وصحَّحه الشيخ أبو علي من الشافعيَّة، وأغرب النَّوَوي فوصفه في «الروضة» بالشذوذ، لكنَّه لم يحكِه قولًا، وبنوا على ذلك: أنَّ من صلَّى في بيته أو مشى في كُنٍّ إلى المسجد هل يسنُّ له الإبراد؟ إن قلنا: رخصة، لم يسنَّ له؛ إذ لا مشقَّة عليه في التعجيل، وإن قلنا: سنَّة، أبرد وهو الأقرب لورود الأثر به مع ما اقترن به من العلَّة من أنَّ شدَّة الحرِّ من فيح جهنَّم، وقال صاحب «الهداية» من أصحابنا: يستحبُّ الإبراد بالظُّهر في أيَّام الصَّيف، ويستحبُّ تقديمه في أيَّام الشِّتاء.
فإن قلت: يعارض حديث الإبراد حديث إمامة جبريل عليه السلام؛ لأنَّ إمامته في العصر في اليوم الأوَّل فيما إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، فدلَّ ذلك على خروج وقت الظُّهر، وحديث الإبراد دلَّ على عدم خروج وقت الظُّهر؛ لأنَّ اشتداد الحرِّ في ديارهم في ذلك الوقت، قال العَيني: الآثار إذا تعارضت لا ينقضي الوقت الثابت بيقين بالشكِّ، وما لم يكن ثابتًا بيقين هو وقت العصر لا يثبت بالشكِّ.
فإن قلت: هل في الإبراد تحديد؟ قلت: روى أبو داود والنَّسائي والحاكم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((كان قدر صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الظُّهر في الصَّيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشِّتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام))، فهذا يدلُّ على التحديد.
اعلم أنَّ هذا الأمر مختلف في الأقاليم والبلدان، ولا يستوي في جميع المدن والأمصار، وذلك لأنَّ العلَّة في طول اللَّيل وقصره هو زيادة ارتفاع الشَّمس في السَّماء وانحطاطها، فكلَّما كانت أعلى وإلى محاذاة الرؤوس في مجراها أقرب كان الظلُّ أقصر، وكلَّما كانت أخفض ومن محاذاة الرؤوس أبعد كان الظلُّ أطول، وكذلك ظلال الشِّتاء تراها أبدًا أطول من ظلال الصَّيف في كلِّ مكان، وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكَّة والمدينة - وهما من الإقليم الثَّاني - ثلاثةَ أقدام، ويذكرون أنَّ الظلَّ فيهما في أوَّل الصَّيف في شهر آذار ثلاثة أقدام وشيء، ويشبه أن تكون صلاته إذا اشتدَّ الحرُّ متأخِّرة من الوقت المعهود قبله، فيكون الظلُّ عند ذلك خمسة أقدام، وأما الظلُّ في الشِّتاء فإنَّهم يذكرون إنَّه في تشرين الأوَّل خمسة أقدام أو خمسة وشيء، وفي الكانون سبعة أقدام أو سبعة وشيء، فقول ابن مسعود منزَّل على هذا التقدير في ذلك الإقليم دون سائر الأقاليم والبلدان الَّتي هي خارجة عن الإقليم الثَّاني. انتهى.
قلت: الأقاليم سبعة: فالأوَّل من جهة خطِّ الاستواء، والإقليم الثَّاني ثلاثة، ففي الأوَّل بحر الصِّين وبحر الهند والنوبة والحبشة، وفي الثَّاني الصِّين والهند والسند ومكران وكرمان وخليج فارس وجزيرة العرب وغير ذلك، وكلُّ إقليم يمتدُّ ما بين الخافقين طولًا، أي يكون كلُّ إقليم من الأقاليم السبعة على شكل طولي فيكون عرضه قدرًا قليلًا، وهو ما يوجب تفاضل نصف ساعة في مقادير النَّهار الأطول. انتهى.
وفي «التَّوضيح» : اختلف
في مقدار وقت الإبراد، فقيل: أن يؤخِّر الصَّلاة عن أوَّل الوقت مقدارًا يظهر للحيطان ظلٌّ، وظاهر النصِّ: أنَّ المعتبر أن ينصرف من الصَّلاة قبل آخر الوقت، ويؤيِّده حديث أبي ذرٍّ:((حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ))، وقال مالك: إنَّه يؤخِّر الظُّهر إلى أن يصير الفيء ذراعًا، وسواء في ذلك الصَّيف والشِّتاء، وقال أَشْهَب في «مدونته» : لا يؤخِّر الظُّهر إلى آخر وقتها، وقال ابن بَزيزَةَ: ذكر أهل النَّقل عن مالك: إنَّه كره أن يصلِّي الظُّهر في أوَّل الوقت، وكان يقول: هي صلاة الخوارج وأهل الأهواء، وأجاز ابن عبد الحكم التأخير إلى آخر الوقت، وحكى أبو الفَرَج عن مالك: أوَّل الوقت أفضل في كلِّ صلاة إلَّا الظُّهر في شدَّة الحرِّ. وعن أبي حنيفة والكوفيين وأحمد وإِسْحَاق: يؤخِّرها حتَّى يبرد الحرِّ.
وقد استدلَّ بعض الثَّاني
(1)
بقوله: ((أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ)) على أنَّ الإبراد يشرع في الجمعة أيضًا؛ لأنَّ لفظ الصَّلاة يطلق على الظُّهر والجمعة، والتعليل مستمرٌّ فيهما، وفي «التَّوضيح» : اختلف في الإبراد بالجمعة على وجهين لأصحابنا، أصحُّهما عند جمهورهم: لا يُشرع، وهو مشهور مذهب مالك أيضًا، فإنَّ التبكير سنَّة فيها. انتهى.
قال العَيني: مذهب الحنفيَّة أيضًا التبكير يوم الجمعة؛ لما ثبت في الصحيح: أنَّهم كانوا يرجعون من صلاة الجمعة وليس للحيطان ظلٌّ يستظلُّون به من شدَّة التبكير لها أوَّل الوقت، فدلَّ على عدم الإبراد، والمراد بالصلاة في الحديث الظُّهر كما ذكرناه، فعلى هذا لا يبرد بالعصر إذا اشتدَّ الحرُّ فيه. وقال ابن بَزيزةَ: إذا اشتدَّ الحرُّ في العصر هل يبرد بها أم لا؟ المشهور نفي الإبراد بها، وتفرَّد أشهب بإبراده وقال أيضًا: وهل يبرد الفَذُّ أم لا؟ والظاهر: أنَّ الإبراد مخصوص بالجماعة. وهل يبرد في زمن الشِّتاء أم لا؟ فيه قولان، والظَّاهر نفيه، وهل يبرد بالجمعة أم لا؟ المشهور نفيه. انتهى.
وقال شيخنا: وقد حمل بعضهم الصَّلاة على عمومه بناءً على أنَّ المفرد المعرَّف يَعُمُّ، فقال به أشهب في العصر، وقال به أحمد في رواية عنه في العشاء حيث قال: يؤخِّر في الصَّيف دون العشاء، ولم يقل به أحد في المغرب ولا في الصُّبح لضيق وقتهما. انتهى.
وفيه دليل على وجود جهنَّم الآن، قلت: وفيه دليل على أنَّ جهنَّم في هذا العالم. انتهى.
535 -
قوله: (حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ) أي الملقَّب بُنْدَار.
قوله: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) أي محمَّد بن جعفر ابن امرأة شعبة، لقبه غُنْدَر.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج.
قوله: (عَنِ المهَاجِرِ أبي الحَسَنِ) أي بلفظ اسم الفاعل من باب المفاعلة، ويُكنى بأبي الحسن.
قوله: (سَمِعَ زَيدَ بنَ وَهْبٍ) أي أبو سُلَيمان الهَمْداني الجُهَني، قال: رحلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقُبض وأنا في الطَّريق، مات زمن الحجَّاج.
قوله: (عَن أَبِي ذَرٍّ) أي الغفاري الصحابي المشهور، واسمه جُنْدُب بن جُنَادة على المشهور.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه السَّماع، وفيه أنَّ رواته ما بين بصري وكوفي، وفيه ذكر أحد الرُّواة بلقبه والآخر بكنيته وهو المهاجر فإنَّ كنيته أبو الحسن ذُكرت للتمييز، فإنَّ في الرُّواة المهاجرُ بنُ مِسْمار المدني من أفراد مسلم، والألف واللَّام فيه للمح الصفة كما في العبَّاس؛ فإنه في الأصل صفة ولكنَّه صار علمًا وسيأتي في الباب الذي بعده
(1)
كذا في الأصل، وفي عمدة القاري: وعن أبي حنيفة والكوفيين وأحمد واسحاق يؤخرها حتَّى يبرد الحر، الوجه الثَّاني أن بعض النَّاس استدلوا بقوله.
بغير ألف ولام
قوله: (أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ فَقَالَ: أَبْرِدْ أَبْرِدْ، أَوْ قَالَ: انْتَظِرِ انْتَظِرْ، وَقَالَ: شِدَّةُ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاة حتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ).
مطابقته للترجمة ظاهرة.
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الصَّلاة عن آدم وعن مسلم بن إبراهيم، وفي صفة النَّار عن أبي الوليد، كلِّهم عن شُعْبَة عن مهاجر أبي الحسن، وأخرجه مسلم في الصَّلاة عن أبي موسى عن غندر به، وأخرجه أبو داود فيه عن أبي الوليد، وأخرجه التِّرْمِذي فيه عن محمود بن غيلان عن أبي داود عن شُعْبَة بمعناه.
قوله: (أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هو بلال كما سيأتي قريبًا، وقال العَيني: لأنَّه جاء في بعض طرقه: ((أَذَّنَ بِلَالٌ)) أخرجه أبو عَوانة، وفي أخرى له:((فأرادَ أنْ يؤذِّنَ فقالَ: مه يا بلال)).
قوله: (الظُّهْرَ) بالنصب، أي أذَّن وقت الظُّهر، ولما حذف المضاف المنصوب على الظَّرفيَّة أقيم المضاف إليه مقامه، ورواية الإسماعيلي بلفظ:((أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ بِالظُّهْرِ)) وسيأتي بلفظ الظهر وهما واضحان.
قوله: (فَقَالَ: أَبْرِدْ أَبْرِدْ) يعني مرَّتين، وفي لفظ أبي داود:((فأرادَ المؤذِّنُ أنْ يؤذِّنَ الظهرَ فقالَ: أبردْ ثمَّ أبرد، ثمَّ أرادَ أنْ يؤذِّنَ فقالَ: أبردْ. مرَّتين أو ثلاثًا)).
قوله: (عَنِ الصَّلَاةِ) قد ذكرنا وجهَ (عَنْ) هنا في الحديث السابق.
قوله: (حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ) التُّلُول -بضمِّ المُثَنَّاة من فوق واللام جمع تَلٍّ بفتح المُثَنَّاة وتشديد اللام- قال ابن سِيدَه: من التُّراب معروف، والتَّل من الرَّمل: كَوْمَة منه، وكلاهما من التَّلِّ الذي هو إلقاء ذي جثة، والتلُّ: الرابية، وفي «الجامع» للقزَّاز: التَّلُّ من التُّراب وهو الرابية منه يكون مكدوسًا وليس بحلقة، والفيء فيما ذكره ثعلب في «الفصيح» يكون بالعشي كما أنَّ الظلَّ يكون بالغداة، وأنشد:
الظلُّ من برد الضحى تستطيعه
…
ولا الفيء من برد العشي تذوق
قال: وقال أبو عُبَيْدَة: قال رُؤْبَة بن العَجَّاج: كلُّ ما كانت عليه الشَّمس فزالت فهو فيء وظلٌّ، وما لم يكن عليه شمس فهو ظلُّ. وعن ابن الأعرابي: الظلُّ ما نسخته الشَّمس، والفيء ما نسخ الشَّمس، وقال القزاز: الفيء رجوع الظلِّ من جانب المشرق إلى جانب المغرب، وفي «المخصص» : و الجمع أفياء وفيوء، وقد فاء الفيء فيأً: تحوَّل، وهو ما كان شمسًا فنسخه الظلُّ، وقيل: الفيء لا يكون إلَّا بعد الزَّوال، وأمَّا الظلُّ فيطلق على ما قبل الزَّوال وبعده، ويروى:((فيٌّ)) بتشديد الياء.
قال شيخنا: قوله: (حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ) كذا وَقَعَ هنا مؤخَّرًا عن قوله: (شِدَّةُ الحَرِّ) إلى آخره، وفي غير هذه الرواية وَقَعَ ذلك عقب قوله:(أَبْرِدْ) وهو أوضح في السياق؛ لأنَّ الغاية متعلِّقة بالإبراد، وسيأتي في الباب الذي بعده بقيَّة مباحثه إن شاء الله تعالى. انتهى.
قال العَيني: واعلم أنَّ كلمة حتَّى للغاية، ولا بدَّ لها من المغيَّا، وهو متعلِّق بقال، أي كان يقول إلى زمان الرؤية: أبرد مرَّةً بعد أخرى، أو هو متعلِّق بالإبراد، أي أبرد إلى أن ترى الفيء وانتظر إليه، ويجوز أن يكون متعلِّقًا بمقدَّر محذوف تقديره: أخَّرنا حتَّى رأينا فيء التلول. انتهى.
فيه دلالة على أنَّ الأمر بالإبراد كان بعد التأذين، ولكن في لفظ آخر للبخاري:((فَأَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنْ لِلْظُّهْرِ)) وظاهر هذا أنَّ الأمر بالإبراد وَقَعَ قبل الأذان، وقال شيخنا: يجمع بينهما على أنَّه شرع في الآذان فقيل له: (أَبْرِدْ) فترك، فمعنى (أَذَّنَ) شرع في الأذان، ومعنى:(أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ) أي يتمُّ الأذان، والله أعلم.
قال العَيني: هذا غير سديد؛ لأنَّه لا يؤمر
بتركه بعد الشروع فيه، ولكن معناه: أراد أن يشرع في الأذان فقيل له: أبرد، فترك الشروع، والدليل عليه لفظ أبي عوانة:((فأرادَ أنْ يؤذِّنَ فقالَ: مه يا بلال)) كما ذكرناه، ومعناه: اسكت، لا تشرعْ في الأذان، والأقرب في هذا أن يحمل اللفظان على حالتين فلا يحتاج إلى ذكر الجمع بينهما. انتهى.
قلت: ما قاله شيخنا هو الأقرب؛ لأنَّ الأصل عدم التعدُّد، والظَّاهر من هذا الحديث إنَّه بعد التأذين، وما أوَّله العَيني لا يحتاج معه إلى جمع؛ لأنَّه جعل معنى (أَذَّنَ) أراد أن يؤذِّن كما في الرواية الأخرى، فعلى هذا ما فائدة قوله: على حالتين، لأنَّ الحالتين على تأويله كالحالة الواحدة، وإلا فيكون معنى هذه الرواية أنَّه أمره بالإبراد بعد الأذان، وقد قال: إنَّه لا يؤمر بتركه بعد الشروع فتأمَّله. انتهى.
536 -
قوله: (حَدَّثَنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ) المديني، أي الإمام المُبَرِّز.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي ابن عُيَيْنَة.
قوله: (قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ) أي محمَّد بن مسلم.
قوله: (عَنْ سَعِيْدِ بنِ المسَيِّبِ) أي ابن حَزن، أبو محمَّد القُرَشي المَخزُومي المديني، ختن أبي هريرة على ابنته وأعلم النَّاس بحديثه.
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه القول والحفظ في هذه الرواية وفي رواية الإسماعيلي عن جعفر الفِرْيابي عن علي بن المديني شيخ المصنِّف فيه بلفظ:(حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) موضعَ (حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ)، ورواية البخاري أبلغ؛ لأن حفظ الحديث من الشيخ فوق مجرد سماعه منه، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وقوله:(عَنْ سَعِيْدِ بنِ المُسَيِّبِ)، كذا رواه أكثر أصحاب سُفْيان عنه، ورواه أبو العبَّاس السرَّاج عن أبي قدامة عن سُفْيان عن الزُّهْري عن سعيد أو أبي سلمة أحدهما أو كلاهما، ورواه أيضًا من طريق سعيد بن أبي حمزة عن الزُّهْري عن أبي سلمة وحدَه، والطريقان محفوظان، فقد رواه اللَّيث وعَمْرو بن الحارث عند مسلم، ومَعْمَر وابن جُرَيج عند أحمد وابن أخي الزُّهْري وأسامة بن زيد عند السرَّاج ستتهم عن الزُّهْري عن سعيد وأبي سلمة كلاهما عن أبي هريرة.
قوله: (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، وَاشتَكَتِ النَّار إِلى رَبِّها فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَها بِنَفَسَينِ، نَفَسٍ فِي الشِّتاء وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، أَشَدِّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ، وَأَشَدِّ ما تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيْرِ).
مطابقته للترجمة ظاهرة.
هذا الحديث أخرجه النَّسائي في الصَّلاة أيضًا عن قُتَيْبَة ومحمَّد بن عبد الله كلاهما عن علي بن المديني.
537 -
قوله: (اشتَكَتِ النَّارُ) قيل: إنَّه موقوف، وقيل: معلَّق، وهو غير صحيح، بل هو داخل في الإسناد المذكور، والدليل عليه: أنَّ في رواية الإسماعيلي قال: ((واشْتَكَتِ النَّارُ)) أي قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((اشْتَكَتِ النَّارُ))، قال شيخنا: وقد أفرده أحمد في «مسنده» عن سفيان، وكذلك السَّرَّاج من طريق سُفْيان وغيره. انتهى.
وشكوى النَّار إلى ربِّها يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون بطريق الحقيقة، أي بلسان القال، والثاني: بطريق المجاز، أي لسان الحال، قال ابن عبد البرِّ: لكلا القولين وجه ونظائر، والأوَّل أرجح، وإليه ذهب عياض، وقال القُرْطُبي: لا إحالة في حمل اللَّفظ على الحقيقة؛ لأنَّ المخبر الصادق بأمر جائز
لا يحتاج إلى تأويله، فحمله على حقيقته أولى. وقال النَّوَوي نحو ذلك ثمَّ قال: حمله على حقيقته هو الصواب. وقال نحو ذلك الشيخ التُّورِبِشتي، وقال ابن المنيِّر: حمله على الحقيقة هو المجاز؛ لصلاحيَّة القدرة لذلك، ولأنَّ استعارة الكلام للحال وإن عهدت وسمعت لكن الشَّكوى وتفسيرها والتَّعليل والإذن والقبول والتَّنفُّس وقصره على اثنين فقط بعيد من المجاز خارج عما أُلِفَ من استعماله، وقال العَيني: قدرة الله أعظم من ذلك؛ لأنَّه يخلق فيها آلة الكلام كما خلق لهُدهُد سُلَيمان ما خلق من العلم والإدراك كما أخبر الله تعالى عن ذلك في كتابه الكريم، وحكى عن النَّار حيث تقول:{هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} [ق: 30]، وورد: أنَّ الجنَّة إذا سألها عبد أمَّنت على دعائه، وكذا النَّار. انتهى.
قلت: ويمكن أن يكون نطقها من غير خلق آلة للنطق، وقد اختلفوا في كيفيَّة نطق الحصى الَّتي سبَّحت في يده عليه السلام، وكذلك في نطق ذراع الشَّاة الَّتي سمَّتها اليهوديَّة، قال القاضي عياض: واختلف أئمَّة أهل النظر في هذا الباب، فمن قائل يقول: هو كلام يخلقه الله في الشَّاة الميتة أو الحجر أو الشجرة، وحروف وأصوات يُحْدِثُها الله تعالى فيها ويسمعها منها دون تعبير أشكالها ونقلها عن هيئتها، وهو مذهب الشيخ أبي الحسن والقاضي أبي بكر رحمهما الله تعالى وآخرون ذهبوا إلى إيجاد الحياة بها أولًا ثمَّ الكلام بعده، وحكي هذا أيضًا عن شيخنا أبي الحسن، وكلٌّ محتمل، والله أعلم، إذا لم يجعل الحياة شرطًا لوجود الحروف والأصوات؛ إذ لا يتخيَّل وجودها مع عدم الحياة بمجرَّدها، فأمَّا إذا كانت عبارة عن الكلام النَّفسي فلا بدَّ من شرط الحياة لها؛ إذ لا يوجد كلام النَّفس إلَّا من حيٍّ خلافًا للجَبَّائي من بين سائر متكلِّمي الفرق في إحالة وجود الكلام اللَّفظي والحروف والأصوات إلَّا من حيٍّ مركب تركيب من يصحُّ منه النطق بالحروف والأصوات، والتزم ذلك الحصا والجذع والذِّراع وقال: إنَّ الله خلق فيها حياة وخرق لها فمًا ولسانًا وآلة وأمكنها بها من الكلام، وهذا لو كان لكان نقله، والتهمُّم به آكد من التهمُّم بفعل تسبيحه أو حنينه، ولم ينقل أحد من أهل السير والرواية شيئًا من ذلك، فدلَّ على سقوط دعواه مع إنَّه لا ضرورة إليه في النظر، والله الموفق. انتهى.
وقال الدَّاوُدي: وكلام النَّار يدلُّ على إنَّها تفهم وتعقل، وقد جاء: إنَّه ليس شيء أسمع من الجنَّة والنَّار، وقد ورد: أنَّ النَّار تخاطب سيَّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتخاطب المؤمن بقولها: جُز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي، ورجَّح البَيْضَاوي حمله على المجاز فقال: شكواها مجاز عن غليانها، وأكلها بعضها بعضًا مجاز عن ازدحام أجزائها، وتنفُّسها مجاز عن خروج ما يبرز منها، قال عنترة:
وشكى إليَّ بعبرةٍ وتحمحُم
وقال آخر:
يشكي إليَّ جملي طول السُّرى
…
مهلًا [جميلًا]
(1)
فكلانا مبتلى
قوله: (بِنَفَسَينِ) تثنية نفس -بفتح الفاء- وهو ما يخرج من الجوف ويدخل فيه من الهواء.
قوله: (نَفَسٍ) في الموضعين بالجرِّ على البدل أو البيان، ويجوز فيهما الرَّفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف والتقدير: أحدهما نفس في الشِّتاء والآخر نفس في الصَّيف، ويجوز
(1)
جميلاً: ليس في الأصل.
فيهما النَّصب على تقدير: أعني نفسًا في الشِّتاء ونفسًا في الصَّيف.
قوله: (أَشَدِّ مَا تَجِدُونَ) بجرِّ (أشدِّ) على أنَّه بدل من نفس أو بيان، ويروى بالرَّفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، أي هو (أَشَدُّ مَا تَجِدُوْنَ)، قال شيخنا: هو في روايتنا بالرَّفع، قال البَيْضَاوي: هو خبر مبتدأ محذوف تقديره: فذلك أشدُّ. وقال الطِّيبيُّ: جَعْلُ أشدُّ مبتدأ محذوف الخبر أولى والتقدير: أشدُّ ما تجدون من الحرِّ من ذلك النَّفس، ويؤيِّد رواية
(1)
الوجه الأوَّل رواية الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: ((فَهُوَ أَشَدُّ))، ويؤيِّد الوجه الثَّاني رواية النَّسائي من وجه آخر بلفظ:((فأشدُّ ما تجدُون مِنَ الحَرِّ مِنْ حَرِّ جهنَّم)) وفي اللَّفظ الذي رواه البخاري لفٌ ونشرٌ على غير الترتيب، قلت: لأنَّه لو كان على الترتيب لقال: فأشدُّ ما تجدون من الزمهرير، وأشدُّ ما تجدون من الحرِّ. انتهى. قال شيخنا وهو مرتب في رواية النَّسائي. انتهى.
قال العَيني: ولا مانع من حصول الزمهرير من نفس النَّار؛ لأنَّ المراد من النَّار محلُّها وهو جهنَّم وفيها طبقة زمهريريَّة. انتهى. قلت: يدلُّ على ذلك حديث مرفوع رواه عُثْمان الدَّارمي وغيره: ((إذا كان يوم شديد الحرِّ فقال العبد: لا إله إلَّا الله ما أشدَّ حرَّ هذا اليوم! اللَّهمَّ أجرني من حرِّ جهنَّم، قال الله تعالى لجهنَّم: إنَّ عبدًا من عبادي قد استجار بي منك وقد أجرته، وإذا كان يوم شديد البرد فقال العبد: لا إله إلَّا الله ما أشدَّ برد هذا اليوم! اللَّهمَّ أجرني من زمهرير جهنَّم، قال الله تعالى لجهنَّم: إنَّ عبدًا من عبادي قد استجار بي من زمهريرك، وإنِّي أشهدك أني قد أجرته، قالوا: ما زمهرير جهنَّم؟ قال: بيت يلقى فيه الكافر فيتمزَّق من شدَّة برده)). انتهى.
ويقال: لا منافاة في الجمع بين الحرِّ والبرد في النَّار؛ لأنَّ النَّار عبارة عن جهنَّم، وقد ورد: أنَّ في بعض زواياها نارًا وفي أخرى الزمهرير، وليس محلًّا واحدًا يستحيل أن يجتمعا فيه. قال العَيني: الذي خلق الملك من ثلج ونار قادر على جمع الضدَّين في محلٍّ واحد، وأيضًا فالنَّار من أمور الآخرة، والآخرة لا تقاس على أمر الدنيا. انتهى.
قلت: قد أرانا الله تعالى في الدُّنْيا من جمع النَّار والماء أنواعًا، منها الصَّواعق الَّتي تنزل مع المطر الشديد، وقد أحرقت هذه النَّار أماكن كثيرة مع نزولها مع الماء، وأيضًا ترى النَّار في الماء الحارِّ - أعني المالح - على هيئة السُّرُج على وجه الماء، وأيضًا إذا أخذ الماء من البحر المالح ونُثر تراه يطير شرارًا، وقد نبه الله تعالى على هذه القدرة بقوله:{الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا} [يس: 80]. انتهى.
وفي «التَّوضيح» قال ابن عبَّاس: خلق الله النَّار على أربعة، فنار تأكل وتشرب، ونار لا تأكل ولا تشرب، ونار تشرب ولا تأكل، وعكسه، فالأولى منها الملائكة، والثانية الَّتي في الحجارة، وقيل: الَّتي رجعت لموسى ليلة المناجاة، والثالثة الَّتي في البحر، وقيل: الَّتي خُلقت منها الشَّمس، والرابعة نار الدُّنيا، ونار جهنَّم تأكل لحومهم وعظامهم ولا تشرب دموعهم ولا دماءهم، بل يسيل ذلك إلى عين الخبال، وأخبر الشارع: أنَّ عصارة أهل النَّار شراب من مات مُصرًّا على شرب الخمر، والذي في الصحيح: أنَّ نار الدُّنْيا خلقت من نار جهنَّم، وقال: قال ابن عبَّاس: ضربت بالماء سبعين مرَّة، ولولا ذلك ما انتفع بها الخلائق. وإنَّما خلقها الله تعالى؛ لأنَّها
(1)
كذا في الأصل، ولعلها زائدة.
من تمام الأمور الدنيويَّة، وفيها تذكرة لنار الآخرة وتخويف من عذابها. انتهى.
فيه استحباب الإبراد بالظهر عند اشتداد الحرِّ في الصَّيف، قال شيخنا: تنبيهان الأوَّل: قضية التعليل المذكور قد يتوهَّم منها مشروعية تأخير الصَّلاة عن وقت شدَّة البرد، ولم يقل به أحد؛ لأنَّها تكون غالبًا في وقت الصبح، فلا يزول إلَّا بطلوع الشمس، فلو أخِّرت يخرج الوقت الثَّاني التَّنفُّس المذكور ينشأ عنه أشدُّ الحرِّ في الصَّيف، وإنما لم يقتصر في الأمر بالإبراد على أشده لوجود المشقَّة عند شديدِه أيضًا، فالأشدِّية تحصل عند التَّنفُّس، والشدَّة مستمرَّة بعد ذلك فيستمرُّ الإبراد إلى أن تذهب الشدَّة، والله أعلم. انتهى.
وفيه أنَّ الجنَّة مخلوقة الآن خلافًا لمن يقول من المعتزلة: إنَّها تخلق يوم القيامة.
وفيه أنَّ الشكوى تُتصوَّر من جماد وحيوان أيضًا كما جاء في معجزات النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شكوى الجذع وشكوى الجمل على ما عُرف في موضعه، قلت: شكوى الجذع ستأتي في «الصحيح» ، وأمَّا شكوى الجمل فأخبرني بها جماعة من المشايخ، منهم شيخي وقدوتي السيِّد الشريف شِهاب الدِّين أحمد بن حسن العطيطي النُّعْماني قراءةً مني عليه، قال: أخبرنا الشيخ مهنَّا بن أبي بكر سماعًا قال: أخبرنا الشيخ الإمام تاج الدِّين أبي الفضل محمَّد سماعًا، قال: قرأت على الشيخ أبي عبد الله محمَّد بن أحمد الشَّافعي بمنزله بمصر سنة خمس وأربعين وسبع مائة، وعمَّة والدي ستِّ العرب، قال: أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمَّد بن النُّعْمان، ح: وأخبرني به غالبًا الشيخ محمَّد بن عُمَر الملتوتي عن السُّويداوي عن الفارقي عن ابن النُّعْمان قال: أخبرنا أبو المعالي عبد الرحمن بن علي القُرَشي، أنبأنا الشيخان أبو طاهر أحمد بن محمَّد الأَصْبَهاني وأبو العلاء محمَّد بن جعفر البصري قالا: أخبرنا أبو محمَّد جعفر بن أحمد بن الحسين وأبو مَنْصور محمَّد بن أحمد بن علي إجازة قالا: أخبرنا أبو القاسم عُبَيْد الله بن عُمَر بن أحمد حدَّثنا أبي، حدَّثنا عبد الله بن محمَّد بن شَيْبان عن فَرُّوخ حدَّثنا مهدي بن ميمون حدَّثنا محمَّد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال:((أردفَني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يومٍ خلفَه فأسرَّ إليَّ حديثًا لا أحدِّثه أحدًا منَ النَّاس، قال: وكان أحبُّ ما استترَ بهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لحاجتِه هدف أو حائش نخلِ، فدخلَ حائط رجلٍ منَ الأنصارِ فإذا جَمَلٌ، فلمَّا رأى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حنَّ وذرفَت عيناه، فأتاه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فمسحَ سراته وذفراه فسكت، -وفي رواية: فسكن- ثمَّ قال: منْ ربُّ هذا الجمل، لمن هذا الجمل؟ فجاءَ فتى منَ الأنصارِ فقالَ: هذا لي يا رسولَ اللهِ، فقال: أفلا تتقي اللهَ عز وجل في هذِه البهيمة الَّتي ملَّكك إيَّاها؟! فإنَّه شكا إليَّ أنَّك تُجِيعُه وتُدْئِبُه)) أخرجه ابن شاهين في «دلائله» ، كذلك قال الأستاذ محمَّد بن النُّعْمان، وهو حديث صحيح روى منه مسلم في «صحيحه» من أوَّله إلى قوله:((حائش نخل)) عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء، ورواه أبو داود بطوله عن موسى بن إسماعيل عن مهدي بن ميمون، وروى أبو عبد الله بن ماجَهْ أوَّله عن محمَّد بن يحيى عن أبي النُّعْمان عن مهدي. انتهى.
وفيه أنَّ المراد من قوله: (فأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ) هو صلاة الظُّهر كما ذكرناه.
قلت: وفيه أنَّ النَّار مؤمنة؛ لقولها: (رَبِّ)، وفيه ردٌّ على من يقول بقدم العالم؛ لتصريح النَّار بأنَّ لها ربًّا ربَّاها. انتهى.
538 -
قوله: (حَدَّثَنا عُمَر بنُ حَفْص بنِ غِيْاثُ) أي ابن طَلْق بن معاوية، أبو حَفْص النَّخَعي الكوفي.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي) أي حَفْص المذكور.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) أي سُلَيمان بن مِهْران.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبو صَالِحٍ) أي ذكوان.
قوله: (عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ) أي سعد بن مالك رضي الله عنه.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في أربع مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول، وفيه رواية الابن عن الأب.
قوله: (قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ).
مطابقته ظاهرة.
قال العَيني: اختلف العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث المذكورة وبين حديث خباب: ((شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا)) رواه مسلم، فقال بعضهم: الإبراد رخصة والتقديمُ أفضل، وقال بعضهم: حديث خباب منسوخ بالإبراد، وإلى هذا مال أبو بكر الأثرم في كتابه «الناسخ والمنسوخ» وأبو جعفر الطَّحاوي وقال: وجدنا ذلك في حديثين، أحدهما حديث المغيرة:((كُنَّا نُصَلِّي بَالهَاجِرَةِ، فَقَاَل لَنَا عليه السلام: أَبْرِدُوا)) فبيَّن هذا أنَّ الإبراد كان بعد التهجير، وحديث أَنَس رضي الله عنه:((إِذَا كَانَ البَرْدُ بَكِّرْ، وَإِذَا كَاَن الحَرُّ أَبْرِدْ)).
قال شيخنا: يُحمل حديث خباب على أنَّهم طلبوا تأخيرًا زائدًا على قدر الإبراد. وقال أبو عُمَر في قول خباب: ((فَلَمْ يَشْكُنَا)) : يعني لم يحوجنا إلى الشكوى، وقيل: لم يُزِلْ شكوانا، ويقال: حديث خَبَّاب كان بمكَّة، وحديث الإبراد بالمدينة، فإن فيه من رواية أبي هريرة، وقال الخلَّال في «عِلَلِه» عن أحمد: آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم الإبرادُ.
قوله: (تَابَعَهُ سُفْيَانُ) أي الثوري.
قال شيخنا: وقد وصفه المصنِّف في صفة النَّار من بدء الخلق ولفظه: (بِالصَّلَاةِ)، ولم أره من طريق سُفْيان بلفظ:(بِالظُّهْرِ)، وفي إسناده اختلاف على الثَّوْري، رواه عبد الرزَّاق عنه بهذا الإسناد فقال: عن أبي هريرة بدل أبي سعيد، أخرجه أحمد عنه والجَوْزَقي من طريق عبد الرزَّاق أيضًا، ثمَّ روي عن الذُّهْلي قال: هذا الحديث رواه أصحاب الأَعْمَش عنه عن أبي صالح عن أبي سعيد، وهذه الطريق أشهر، ورواه زائدة - وهو متقن - عنه فقال: عن أبي هريرة، قال: والطريقان عندي محفوظان؛ لأنَّ الثَّوْري رواه عن الأَعْمَش بالوجهين. انتهى.
قال العَيني: قوله: (تَابَعَهُ سُفْيَانُ) أي تابع حَفْص بن غياث والد عُمَر المذكور سُفْيان الثَّوْري، وقد وصله المصنِّف في صفة الصَّلاة عن الفِرْيابي عن سُفْيان بن سعيد.
قوله: (وَيَحْيَى) أي تابع حفصًا أيضًا يحيى بن سعيد القطَّان، وقد وصله أحمد في «مسنده» عنه بلفظ:(بالصَّلَاةِ)، ورواه الإسماعيلي عن أبي يعلى عن المُقَدَّمي عن يحيى بلفظ:(بِالظُّهْرِ)، وروى الخلال عن الميموني عن أحمد عن يحيى ولفظه:(فَوْحِ)، قال أحمد: ما أعرف أحدًا قال بالواو غير الأعمش.
قوله: (وَأَبُو عَوَانَةَ) أي تابع حفصًا أيضًا أبو عَوانة الوضَّاح بن عبد الله، قال شيخنا: لم أقف على من وصله