الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لم يختص بصورة الأذان للصلاة.
قال العيني: هذا الذي قاله بعيد لأنهم لم يقولوا بأنه مختص بشهر رمضان والصوم غير مخصوص به. فكما أن الصائم في رمضان أكثرُ ممَّن يحيي ليالي غيره، فعلى قوله إذا كان أَذَانُ بِلالٍ لِلصلاة كان ينبغي أن يجوز أداء صلاة الفجر به. بل هم يقولون أيضًا بعدم جوازه نعلم أن أذانه إنما كان لأجل إيقاظ النائم ولإرجاع القائم.
ومِن أقوى الدلائل أن أذان بلال لم يكن لأجل الصلاة ما رواه الطحاوي مِن حديث حمَّاد بن سلَمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((إن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام فرجع فنادى: ألا أن العبد نام)) وأخرجه أبو داود أيضًا. فهذا ابن عمر روى أول الحال أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)) فثبت بذلك أن ما كان مِن ندائه قبل طلوع الفجر لم يكن للصلاة. فإن قلت: قال الترمذي: حديث حماد بن سلمة غير محفوظ، والصحيح حديثه الذي فيه:((إن بلالًا ينادي بليل..)) إلى آخره.
قال العيني: ما له لا يكون محفوظًا صحيحًا لأنه لا مخالفة بين حديثيه لأنَّا قد ذكرنا أن حديثه الذي رواه غير حمَّاد إنما كان لأجل إيقاظ النائم وإرجاع القائم فلم يكن للصلاة. وأما حديث حمَّاد فإنه كان لأجل الصلاة فلذلك أمره بأن يعود وينادي: ((ألا إن العبد نام)).
ومما يقوي حديث حماد ما رواه سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه: ((إن بلالًا أذن قبل الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصعد فينادي: إن العبد نام)) رواه الدارقطني ثم قال: تفرد به أبو يوسف عن سعيد وغيره يرسله، والمرسل أصح.
قال العيني: أيضًا أبو يوسف ثقة وهم وثقوه والرفع مِن الثقة زيادة مقبولة. ومما يقويه حديث حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أذن المؤذن بالفجر قام يصلي ركعتي الفجر ثم رجع إلى المسجد وحرم الطعام وكان لا يؤذن حتى يصبح)) رواه الطحاوي والبيهقي. فهذه حفصة تخبر أنهم كانوا لا يؤذنون للصلاة إلا بعد طلوع الفجر. فإن قلت: قال البيهقي: هذا مجهول إن صح على الأذان الثاني. وقال الأثرم: رواه الناس عن نافع عن ابن عمر عن حفصة ولم يذكروا فيه ما ذكره عبد الكريم عن نافع.
قال العيني: كلام البيهقي يدل على صحة الحديث عنده ولكنه لما لم يجد مجالًا لتضعيفه ذهب إلى تأويله. وعبد الكريم ثقة أخرج له الجماعة وغيرهم، فمن كان بهذه المثابة لا ينكر عليه إذا ذكر ما لم يذكره غيره. وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون بلالٌ كان يؤذن في وقت يرى أن الفجر قد طلع فيه ولا يتحقق لضعف بصره، والدليل على ذلك ما رواه أنس قال:((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يغرنكم أذان بلال فإن في بصره شيئًا)) وقد ذكرناه فيما مضى، وأخرج الطحاوي تأكيدً لذلك
عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: ((إنك تؤذن إذا كان الفجر ساطعًا وليس ذلك الصبح إنما الصبح هذا معترضًا)) والمعنى أن بلالًا كان يؤذن عند طلوع الفجر الكاذب الذي لا يخرج به حكم الليل ولا يدخل به صلاة الصبح. انتهى.
وفيه استحباب أذان واحد بعد واحد، وأما أذان اثنين جميعًا فمنع منه قوم وقالوا: أول من أحدثه بنو أمية. قال الشافعية: لا تكره إلا إن حصل منه تهويش.
وفيه جواز اتخاذ مؤذنَين في المسجد الواحد، قال ابن دقيق العيد: وأما الزيادة على الاثنين فليس في الحديث تعرض له. انتهى.
ونص الشافعي على جوازه ولفظه: لا يضيق إن أذن أكثر مِن اثنين.
وفيه جواز تقليد الأعمى للبصير في دخول الوقت. وفيه أوجه، واختلف فيه الترجيح.
وصحح النووي في كتبه أن للأعمى والبصير اعتماد المؤذن الثقة.
وفيه الاعتماد على صوت المؤذن.
قلت: ومما يشبه ذلك الاعتماد على المصابيح التي تعلَّق في منار المسجد في رمضان وقد نقلها الأذرعي في «القوت» . انتهى.
وفيه الاعتماد على المؤذن في الرواية إذا كان عارفًا به وإن لم يشاهد الراوي، وخالف في ذلك شعبة لاحتمال الاشتباه.
وفيع استحباب السحور وتأخيره. وفيه جواز العمل بخبر الواحد. وفيه أن ما بعد الفجر من حكم النهار. وفيه جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة إذا كان لقصد التعريف. وفيه جواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك. وفيه جواز التكنية. وفيه جواز شهادة الأعمى، وسيأتي ما فيه في كتاب الشهادات. وفيه جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر لأن الأصل بقاء الليل، وخالف في ذلك مالكٌ فقال: يجب القضاء.
قلت: وفيه تعليم الناس الأحكام الشرعية وقد تقدم في أول الباب سبب أذان بلال الأول هل هو الذي ابتدأه مِن قبل نفسه أو بأمر. انتهى.
(12)
(بَابُ الأَذَانِ بَعدَ الفَجْرِ)
.
أي هذا باب في بيان الأذان المعتبر الواقع بعد طلوع الفجر، قال الزين ابن المنيِّر: قدَّم المصنف ترجمة الأذان بعد الفجر على ترجمة الأذان قبل الفجر فخالف الترتيب الوجودي لأن الأصل في الشرع أن لا يؤذن إلا بعد دخول الوقت فقدم ترجمة الأصل على ما بدر عنه.
وأشار ابن بطال إلى الاعتراض على الترجمة بأنه لا خلاف فيه بين الأئمة وإنما الخلاف في جوازه قبل الفجر. والذي يظهر لي أن مراد المصنف بالترجمتين أن يبين أن المعنى الذي كان يؤذن لأجله بعد الفجر وأن الأذان قبل الفجر لا يكتفى به عن الأذان بعده، وأن أذان ابن أم مكتوم لم يكن يقع قبل الفجر والله أعلم، قاله شيخنا.
618 -
قوله: (حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي التنيسي، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرنَا مَالِكٌ)
أي الإمام، ترجمته فيه أيضًا.
قوله: (عَنْ نَافِع) أي: ابن جرجس ترجمته في باب العلم والفُتيا في المسجد.
قوله: (عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ترجمته في كتاب الإيمان.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ رضي الله عنها أي أخته بنت عمر بن الخطاب القرشية العدَوية أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم، روى عنها أخوها عبد الله بن عمر رضي الله عنهم. عندهما، والمطلب بن أبي وداعة وابن شكل وصفية بنت أبي عبيد وعبد الله بن صفوان والحارث بن أبي ربيعة عند مسلم. تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث وقيل سنة اثنتين مِن الهجرة، وتوفيت سنة خمس وأربعين، وكانت قبل أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت خنيس بن حذافة السهمي. هكذا قال قتادة وغيره.
وقال عقيل عن الزهري حبيش. وقال يونس بن يزيد عن الزهري: حَنِيس بنصب الحاء وكسر النون. قال ابن طاهر: والأول أصح. انتهى.
في هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد والإخبار كذلك في موضع وبصيغة الإفراد مِن الفعل المؤنث في موضع. وفيه العنعنة في موضعين وفيه القَول في موضعين.
والرواة مدنيون ما خلا عبد الله.
قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ، وَبَدَا الصُّبْحُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ).
وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة لا يستقيم إلا على ما رواه الجماعة عن مالك: ((كان إذا سكت المؤذن صلى ركعتين خفيفتين)) لأنه يدل على أن ركوعه كان متصلًا بأذانه ولا يجوز أن يكون ركوعه إلا بعد الفجر فلذلك كان الأذان بعد الفجر، وعلى هذا المعنى حمله البخاري وترجم عليه بالأذان بعد الفجر.
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة عن سليمان بن حرب وعن مسدد عن يحيى، وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى عن مالك به وعن قتيبة ومحمد بن رمح، وعن زهير بن حرب وعبد الله بن سعيد وعن زهير عن إسماعيل بن عُلية وعد أحمد بن عبد الله بن الحكم، وعن إسحق بن إبراهيم وعن محمد بن عباد.
وأخرجه الترمذي فيه عن الحسن بن علي. وفي القبائل عن أحمد بن منيع وعن قتيبة عن مروان، وأخرجه النسائي فيه عن أحمد بن عبد الله بن الحكم وعن قتيبة وعن محمد بن منصور والحسين بن عيسى وعن إسحق بن منصور، وعن شعيب وعن هشام بن عمار وعن يحيى بن محمد وعن محمد بن عبد الله وعن محمد بن سلمة وعن إسماعيل بن مسعود وعن إسحق بن إبراهيم عن عبد الرزاق به. وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن رمح به.
قوله: (كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ) هكذا رواه عبد الله بن يوسف عن مالك وهكذا هو عند جمهور الرواة عن البخاري، وخالف عبد الله سائر الرواة عن مالك فروَوه:((كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح)) وهكذا رواه مسلم وغيره، وهو الصواب. وقد أصلح في رواية ابن شبويه عن الفربري كذلك. وقال ابن قُرقُول: رواية الأصيلي والقابسي وأبي ذرٍّ <كان
النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف المؤذن للصبح وبدا الصبح ركع ركعتين> وقال القابسي: معنى اعتكف هنا: انتصب قائمًا للأذان كأنه من ملازمته مراقبة الفجر، وفي رواية الهمداني ((إذا أذن المؤذن)) بدل <اعتكف> وهي أشبه بالرواية المصوبة.
ووقع في رواية النسفي عن البخاري بلفظ <كان إذا اعتكف أذن المؤذن للصبح> وهو يقتضي أن صنيعه ذلك كان مختصًا بحالة اعتكافه وليس كذلك. والظاهر أنه مِن إصلاحه.
قال شيخنا: وقد أطلق جماعة مِن الحفاظ القول بأنَّ الوهم فيه مِن عبد الله بن يوسف شيخ البخاري.
قال العيني: الحاصل ههنا خمس روايات ولكلها وجهٌ فلا يحتاج إلى نسبة الوهم إلى أحد منهم. الرواية الأولى رواية عبد الله بن يوسف ((كان إذا اعتكف المؤذِّن للصبح)) ومعنى اعتكف قد مرَّ الآن.
الثانية: ((إذا سكت المؤذن)) وهي ظاهرة لا نزاع فيها.
والثالثة: ((كان إذا أذن المؤذن)) وهي أيضًا ظاهرة، وكذلك الرابعة ((كان إذا اعتكف أذن المؤذن)) يعني إذا اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجواب (إذا) هو قوله:((صلى ركعتين)) وقوله: ((أذَّن المؤذن)) جملة وقعت حالًا بتقدير (قد) كما في قوله: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء: 90] أي قد حصرت.
الخامسة: ((كان إذا اعتكف وأذن المؤذن)) وكذلك الضمير في (اعتكف) ههنا يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله:((أذن)) عطف عليه. فإن قلت: على هذا يلزم أن يكون هذا مختصًا بحال اعتكافه عليه السلام وليس كذلك كما قدمناه. أُجيب عنه أيضًا بمنع الملازمة لأنه يحتمل أنَّ حفصة راوية الحديث المذكور قد شاهدت النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت وهو في الاعتكاف ولا يلزم مِن ذلك الوقت وهو في الاعتكاف ولا يلزم من ذلك أن يكون عليه السلام في كل هذا الوقت في الاعتكاف فافهم. انتهى. ووجَّهه ابن بطال وغيره بأنَّ معنى ((اعتكف المؤذن)) أي لازم ارتقابه ونظره إلى مطلع الصبح ليؤذن عند أول إدراكه.
قالوا: وأصل العكوف لزوم الإقامة بمكان واحد، وتُعُقِّب بأنه يلزم منه أنه كان لا يصليهما إلا إذا وقع ذلك مِن المؤذن لما يقتضيه مفهوم الشرط وليس كذلك لمواظبته عليها مطلقًا.
قال شيخنا: والحقُّ أن لفظ ((اعتكف)) محرف من لفظ ((سكت)) وقد أخرجه المؤلف في باب الركعتين بعد الظهر من طريق أيوب عن نافع بلفظ ((كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر)).
قوله: (وَبَدَا الصُّبْحُ) بغير همز فعل ماضي مِن البَدْو وهو الظهور، وأسند إلى الصبح وهو فاعله والواو فيه واو الحال لا واو العطف.
قال شيخنا: وأغرب الكرماني فصحح أنه بالنون المكسورة والهمزة بعد المد، وكأنه ظن أنه معطوف على قوله:(لِلصُّبْحِ) فيكون التقدير وانعكف لنداء الصبح، وليس كذلك فإن الحديث في جميع النسخ مِن «الموطأ» والبخاري ومسلم وغيرها بالباء الموحدة المفتوحة، وبعد الدال ألف مقصورة، وبذلك تتم مطابقة الحديث للترجمة وسيأتي بقية الكلام في أبواب التطوع
إن شاء الله تعالى.
قال العيني: لكلامِ الكِرماني وجه مِن جهة التركيب والأعراب، وأما مِن جهة الرواية فيحتاج إلى البيان ومع هذا كونه بالياء في جميع النسخ مِن «الموطأ» والبخاري لا يستلزم نعتها بالنون عند غيرهما. انتهى.
قلت: قوله: لا يستلزم، صحيح في نفسه غير أنَّ التعقُّب صحيح لأن الكِرماني إنما شرح رواية البخاري لا غيره فكونه يشرح لفظ رواية البخاري بهذا لا يصح انتهى.
قوله: (قَبْلَ أَنْ تُقَام) كلمة أنْ مصدرية أي قبل قيام الصلاة وهي الفرض.
ومما يستفاد مِن الحديث أن سنة الصبح ركعتان وأنهما خفيفتان وإن وقعت صلاة الفجر بعد طلوع الفجر ولو صلى الفرض قبلَه لم يجز وعلى هذا ترجم البخاري رحمه الله تعالى.
619 -
قوله: (حَدَّثَنا أبُو نُعَيْم) أي بضم النون وهو الفضل بن دُكين ترجمته في باب فضل من استبرأ لدينه في كتاب الإيمان.
قوله: (حَدَّثَنا شَيْبان) أي ابن عبد الرحمن التميمي ترجمته في باب كتابة العلم.
قوله: (عَن يَحيَى) أي ابن أبي كثير ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (عَن أَبي سَلَمة) أي بفتح اللام بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ترجمته في كتاب الوحي.
قوله: (عَن عَائِشَة) أي أم المؤمنين، ترجمتهما فيه أيضًا في هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه القول في موضع.
قوله: (قالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ) مطابقة الحديث للترجمة بطريق الإشارة وهو أنَّ صلاته عليه السلام بهاتين الركعتين بين الأذان والإقامة يدلُّ على أنه صلاهما بعد طلوع الفجر، وأن النداء أيضًا كان بعد طلوع الفجر وهو الأذان بعد الفجر فطابق الترجمة.
قال شيخنا: قاله الزين ابن المنيِّر وهو مع ما فيه ِمن التكلف غير سالم من الانتقاد والذي عندي أنَّ المصنف جرى على عادته في الإيماء إلى بعض ما ورد في طرق الحديث الذي يستدل به، وبيان ذلك فيما أورده بعد بابين مِن وجه آخر عن عائشة ولفظه:((كان إذا سكت المؤذن قام يركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الصبح بعد أن يستبين الفجر)). انتهى.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا عن محمد بن مُثنى.
قوله: (بَينَ النِّدَاء) أي الأذان.
620 -
قوله: (حَدَّثنا عَبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي التنيسي.
قوله: (قالَ: أَخْبَرَنا مَالِك) أي الإمام.
قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَار) أي مولى ابن عمر.
قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) أي ابن الخطاب رضي الله عنهما (أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال: إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ).
قال شيخنا: هذا إسناد آخر لمالك في هذا الحديث، قال ابن عبد البرِّ لم يختلف عليه فيه. قد مرَّ هذا الحديث قبل هذا الباب أخرجه البخاري عن عبد الله بن مَسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه. الحديث.
وقد استوفينا الكلام فيه هناك، ووجه مطابقته للترجمة بطريق الإشارة أيضًا لأنه قوله:(حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) يقتضي أن نداءه حين يطلع الفجر لأنه لو كان قبله لم يكن فرق بين أذانه وأذان بلال.
قال ابن المنير: الاستدلالُ بحديث ابن عمر أوجَهُ من غيره، أي لأجل ما وُجِّهَت به المطابقة. وقال ابن منده: حديث عبد الله بن دينار مُجمَعٌ على صحته، رواه جماعة من أصحابه عنه ورواه شعبة فاختُلف عليه فيه، رواه يزيد بن هارون عنه على الشك:((أن بلالاً كما هو المشهور أو أن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال)).
قال: ولشعبة فيه إسناد آخر فإنه رواه أيضاً عن خُبيب بن عبد الرحمن عن عمته أُنيسة، فذكره على الشك أيضاً. أخرجه أحمد عن غندر عنه، ورواه أبو داود الطيالسي عنه جازماً بالأول، ورواه أبو الوليد عنه جازمًا بالثاني، وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان من طرق عن شعبة، وكذلك أخرجه الطحاوي والطبراني من طريق منصور بن زاذان عن خُبيب بن عبد الرحمن، وادعى ابن عبد البر وجماعةٌ من الأئمة بأنه مقلوبٌ وأن الصواب حديث الباب.
قال شيخنا: وقد كنتُ أميل إلى ذلك إلى أن رأيتُ الحديث في «صحيح ابن خزيمة» من طريقين آخرين عن عائشة وفي بعض ألفاظه ما يُبعِد وقوع الوهم فيه وهو قوله: ((إذا أذن عمرو فإنه ضرير البصر فلا يغرنَّكم، وإذا أذن بلال فلا يَطعَمَنَّ أحد)). وأخرجه أحمد. وجاء عن عائشة رضي الله عنها أيضاً: أنها كانت تذكر حديث ابن عمر وتقول: إنه غلط. أخرج ذلك البيهقي من طريق الدَّرَاوردي عن هشام عن أبيه عنها فذكر الحديث وزاد: قالت عائشة: وكان بلال يُبصر الفجر. قال: وكانت عائشة تقول: غلط ابنُ عمر. انتهى.
وقد جمع ابنُ خزيمة والضَّبعي بين الحديثين بما حاصله أنه يَحتمل أن يكون الأذان كان نُوَباً بين بلال وابن أم مكتوم -كما قدمنا - فكان النبي صلى الله عليه وسلم يُعلِم الناس أن أذان الأول منهما لا يُحَرِّم على الصائم شيئاً ولا يدل على دخول وقت الصلاة بخلاف الثاني، وجزم ابنُ حبان بذلك ولم يَعُدَّهُ احتمالا. وأنكر ذلك عليه الضياء وغيره.
وقيل: لم يكن نُوَباً وإنما كانت لهما حالتان مختلفتان، فإنَّ بلالاً كان في أول ما شُرع الأذان يؤذِّنُ وحده ولا يؤذن الصبحَ حتى يطلُع الفجر، وعلى ذلك يحتمل روايةَ عروة عن امرأةٍ من بني النجار قالت: كان بلاٌل يجلس على بيتي وهو أعلى بيتٍ في المدينة فإذا رأى الفجر تمطَّى ثُم أَذَّنَ. أخرجه أبو داود وإسناده حسن. ورواية حُميد عن أنس: أن سائلا سأل عن وقت الصلاة ((فأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأذن حين طلع الفجر)). الحديث. أخرجه النسائي وإسناده صحيح. ثم أُردِفَ بابن أم مكتوم وكان يؤذِّنُ بليل واستمر بلال على حالته الأولى.
وعلى ذلك تتنزل رواية أُنيسة وغيرِها، ثم آخرَ الأمر أُخِّرَ ابنُ أمِّ مكتوم لضعفه ووُكِّل به من يراعي له الفجر، واستقر أذان بلال بليل، وكان سببُ ذلك ما روي أنه كان ربما أخطأ الفجر فأذَّنَ قبل طلوعِه، وأنه أخطأ مرة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم