الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(بَيْنَا)، وقد ذكرناه هناك، والعاملُ فيه معنى المفاجأةِ الَّتي في (إِذْ) قال: ولا يجوزُ أنْ يَعمل فيه (يُصَلِّي) لأنَّه حالٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المضافِ إليه (بين) فلا يعمل فيه.
قوله: (أَلَا تَنْظُرُوْنَ إِلَى هَذَا المُرَائِي) مأخوذ من الرياء، وهو التعبد في الملأ دون الخلوة ليُرى.
قوله: (جَزُوْرِ آلِ فُلَانٍ) قال شيخُنا: لم أقفْ على تعيينهِم، لكن يُشبِه أن يكونوا آلَ أبي مُعَيط، لمبادرة عُقْبَة بنِ أبي مُعَيط إلى إحضار ما طلبوه منه، وهو المعنيُّ بقوله:(أَشْقَاهُمْ). انتهى.
قلتُ: وقد تقدَّم الكلامُ في قوله: (أَشْقَاهُمْ) مع أنَّ أبا جهلٍ أشقى من المنبعِث. انتهى.
قوله: (فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ) قال شيخُنا أيضًا: لم أقف على اسمه، ويحتمل أن يكون هو ابنَ مسعود.
قوله: (فَيَعْمِدُ) بالرفع عطفًا على (يقوم)، ويروى بالنَّصب؛ لأنَّه وَقَعَ بعدَ الاستفهام.
قوله: (فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ) أي انتهضَ أشقى القوم، وهو عُقْبَة بنُ أبي مُعَيط كما تقدَّم.
قوله: (جَوَيْرَةٌ) أي صغيرة، وهو تصغير جاريةٍ.
قوله: (عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ) أي بهلاكهم.
قوله: (بِعَمْرِو بنِ هِشَامٍ) هو أبو جهلٍ عليه اللَّعنةُ.
قوله: (وَعُمَارَةَ بنِ الوَلَيْدِ) هو السَّابع، ولم يذكره الرَّاوي هناك - أي في باب إذا أُلقي - وههنا ذكره؛ لأنَّه هناك نسيَه وهنا يذكره.
قوله: (أُتْبِعَ) -بضمِّ الهمزة- إخبارٌ من الرسول صلى الله عليه وسلم بأنَّ الله أَتبَعَهم اللَّعنةَ؛ أي كما أنَّهم مقتولون في الدُّنْيا مطرودون عن رحمة الله في الآخرة، ويُروى:((وأَتْبِعَ)) بفتح الهمزة، ويُروى بلفظ الأمر، فهو عطف على (عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ) أي قال في حياتهم: اللَّهمَّ أهلِكْهم، وقال في هلاكهم: أَتْبِعهُم لعنةً. قال شيخنا: وقد تقدَّم الكلام على فوائد هذا الحديث في الطَّهارة قبل الغسل بقليل.
خاتمة
اشتملت أبوابُ استقبالِ القِبلة وما معها من أحكام المساجد وسُترة المصلِّي من الأحاديث المرفوعة على ستةٍ وثمانين حديثًا، المكرَّر منها ستةٌ وثلاثون حديثًا، عشرةٌ تقدَّمت وستةٌ وعشرون فيها الخالصُ منها خمسون حديثًا، وافقَه مسلمٌ على تخريج أصولها سوى حديثِ أنسٍ:((مَنِ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا))، وحديث ابن عبَّاس في الصَّلاة في قبل الكعبة، لكنْ أوضحنا أنَّ مسلمًا أخرجَه عن ابن عبَّاس عن أسامةَ، وحديث جابرٍ في الصَّلاة على الراحلَة، وحديث عائشةَ في قصَّة الوَليدة صاحبةِ الوِشَاح، وحديث أبي هريرةَ: رأيت سبعين من أصحاب الصفَّة، وحديث ابنِ عمرَ: كان المسجدُ مَبنيًّا باللَّبِنِ، وحديث ابنِ عبَّاس في قصَّة عَمَّارٍ في بناء المسجد، وحديثه في الخُطبة في خَوخَة أبي بكرٍ، وحديث عُمَر في رفع الصَّوت في المسجد، وحديث ابنِ عُمَر في المساجد الَّتي على طُرِق المدينة، وهو مشتمِلٌ على عشرة أحاديثَ، وحديث عائشةَ: لم أعقْل أَبَوَيَّ إلَّا وهما يَدِينان الدِّين، وفيها من المعلَّقاتِ ثمانيةَ عشرَ حديثًا كلُّها مُكرَّرة إلَّا حديثَ أَنَس في قصَّة العبَّاس ومال البَحرين، وهو من أفراده أيضًا عن مسلم، جملةُ ما فيها من الأحاديث بالمكرَّر مائةٌ وأربعةُ أحاديثَ، وفيها من الآثار ثلاثةٌ وعشرون، كلُّها معلَّقاتٌ إلَّا أثرَ مساجدِ ابنِ عبَّاسٍ، وأثرَ عُمَر وعثمانَ: أنّهما كانا يستلقيان في المسجد، وأثرَهما: أنّهما زادا في المسجد، فإنَّ هذه
موصولةٌ، والله أعلم.
أبوابُ المواقيتِ
كتابُ مواقيتِ الصَّلاةِ
بسم الله الرحمن الرحيم
قال شيخُنا: كذا للمُسْتَمْلي وبعدَه البَسملةُ، ولرفيقيه البسملةُ مقدَّمةٌ وبعدَها بابُ مواقيتِ الصَّلاة وفضلِها، وكذا في نسخة الصَّغَانيِّ، وكذا لكريمةَ لكن بلا بسملةٍ، وكذا للأَصِيلي لكن بلا باب. وقال العَيني: أي هذا كتابٌ في بيان أحكامِ مَواقيت الصَّلاة.
ولما فرغَ من بيانِ الطّهارةِ بأنواعِها الَّتي هي شرطُ، شرعَ في بيان الصَّلاة بأنواعِها الَّتي هيَ المشروطةُ، والشّرطُ مقدَّمٌ على المشروطِ، وقدَّمها على الزَّكاةِ والصَّوم وغيرهِما لما إنَّها تاليةٌ للإيمان وثانيتُه في الكتاب والسُّنَّة، ولشدَّةِ الاحتياج وعمومِه إلى تعلُّمِها لكثرةِ وقوعِها ودوَرانها بخلاف غيرها من العباداتِ.
وهي في اللُّغة: من تحريك الصَّلَوين، وهما العظمانِ الناتئانِ عند العَجِيزة، وقيلَ: من الدُّعاء، فإن كانت من الأوَّل تكون من الأسماء المغيَّرة شرعًا المقرَّرة لغةً، وإن كانت من الثَّاني تكون من الأسماء المنقولة، وفي الشَّرع عبارة عن الأركان المعلومة والأفعال المخصوصة.
والمواقيتُ جمع مِيقاتٍ على وزن مِفعال، وأصلُه مُوقات، قلبَت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها من: وَقَتَ الشيءَ يَقِتُه إذا بيَّن حدَّه، وكذا وقتُه وقتٌ مخصوص، وهو بيانُ مِقدارِ المدَّة، وكذلك التأقيتُ، وقال السَّفَاقُسي: الميقاتُ هوَ الوقتُ المضروبُ للفعل والموضِعُ، وفي «المنتهى» : كلُّ ما جُعل له حينٌ وغايةٌ فهو مُوَقَّتٌ، ووقَّتَه ليوم كذا، أي أجَّلَه، وفي «المحكَم» : وَقْتٌ موقوتٌ ومُوَقَّتٌ محدودٌ، وفي «نوادر الهَجريِّ» : قال القردِي: أيقتوا مَوْقتًا آتيكُم فيه.
ثم قال العَيني أيضًا: قولُه: (بَابُ مَوَاقِيْتِ الصَّلاة وفَضْلِهَا) أي على رواية رفيقي المُسْتَمْلي، من العادة المستمرَّة عند المصنِّفين أن يذكروا الأبوابَ بعدَ لفظ الكتاب، فإِنَّ الكتبَ تشمَلُ الأبواب والفُصولَ، والبابُ هو النَّوع، وأصلُه البَوب، قُلِبت الواوُ ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلَها، ويجمع على أبوابٍ، وقد قالوا: أَبوِبةٌ، وإنّما جُمع أبوبةً للازدواج، ولو أفردَه لم يَجُز، ويقال: أبوابٌ مُبَوَّبة كما يقال: أصنافٌ مُصنَّفة، والبَابَةُ: الخَصْلةُ، والبَابَاتُ: الوُجوه، وقال ابن السِّكِّيت: البَابَةُ عند العرب الوَجْهُ.
قوله: ((وقَوْلُهُ: {إِنَّ الصَّلاة كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوْتًا} [النساء: 103])) وَقَّتَه عليهم.
قوله: مجرورٌ عطفًا على مواقيت الصَّلاة، أي هذا بابٌ في بيانِ مَواقيت الصَّلاة وبيانِ قوله:{إِنَّ الصَّلاة كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء 103]، وفَسَّرَ {مَوْقُوْتًا} بقوله:(وَقَّتَه عليهم) أي وقَّتَ اللهُ الكتابَ - أي المكتوبَ الذي هو الصَّلاة - عليهم، أي على المسلمين، وليسَ بإضمار قبلَ الذكر لوجود العربيَّة، ووَقَعَ في أكثر الرِّوايات:{مَوْقُوتًا} مُوَقّتًا عليهم، وليس في بعض النُّسخ لفظُ:((مُوَقَّتًا)) يعني بالتشديد، واستشكل ابن التِّين تشديدَ القاف من (وَقَّتَه) وقال: المعروف في اللُّغة التَّخفيفُ. قال العَيني: ليس فيه إشكالٌ؛ لأنَّه جاء في اللُّغة: وَقَتَه بالتخفيف ووقَّتَه بالتشديد، فكأنَّه ما اطَّلع في «المحكم» وغيره، وقال شيخُنا:
والظَّاهر أنَّ المصنِّف أرادَ بقوله: (مُوَقَّتًا) بيانَ قوله: (مَوْقُوْتًا) من التوقيت، فقد جاء عن مجاهد في معنى قوله:{مَوْقُوْتًا} قال: مفروضًا، وعن غيره: محدودًا. انتهى.
قال العَيني: أراد بقوله: (مُوَقَّتًا) بيانَ قوله: {مَوْقُوْتًا} هذا كلامٌ واهٍ، وليس في لفظ (مَوْقُوْتًا) إيهامٌ حتَّى ينبِّه بقوله:(مُوَقَّتًا). انتهى.
521 -
قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ) أي القَعنَبي، ترجمتُه في باب من الدِّين الفِرارُ من الفتن.
قوله: (قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ) أي الإمام، ترجمتُه في كتاب الوحي.
قوله: (عَنِ ابنِ شِهَابٍ) أي محمَّد بن مُسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قوله: (أَنَّ عُمَر بنَ عَبْدِ العَزِيْزِ) أي ابن مروان، أميرُ المؤمنين من الخلفاء الراشدين، ترجمته رضي الله عنه في كتاب الإيمان.
قوله: (عُرْوَة بنُ الزُّبَيْرِ) أي ابن العَوَّام، ترجمته في بَدء الوَحي.
قوله: (المُغِيْرَةُ بنُ شُعْبَةَ) أي الصَّحابي، ترجمته في باب الدِّين النَّصيحة.
قوله: (أَبُو مَسْعُوْدٍ الأَنْصَارِيُّ) أي عُقْبَة بن عَمْرو بنِ ثَعْلَبَةَ الخزرجيُّ الأنصاريُّ رضي الله عنه، ترجمته في باب ما جاء أنَّ العملَ بالنيَّة والحِسبة.
قوله: (بَشَيْرُ بنُ أَبِي مَسْعُوْدٍ) أي ابن عُقْبَة المذكور، قال شيخُنا: هو بفتح الموحَّدة بعدَها معجَمة، بوزن فعيل، وهو تابعي جليلٌ، وذُكر في الصحابة لكونه وُلد في عهد النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ورآه. انتهى.
قلتُ: ذكر أبو عيسى التِّرْمِذي في «تاريخه» في باب مَن وُلد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته بشير، ولم يذكر له قصةً. انتهى.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجَمع في مَوضع واحدٍ، والإخبارُ بصيغة الإفراد من الماضي، وفيه القراءةُ على الشيخ، وفيه العنعنةُ في موضع واحدٍ، وفيه أنَّ رجالَه كلُّهم مدنيّون، وفيه ما قاله ابنُ عبد البَّرِّ، وهو أنَّ هذا السِّياق منقطع عند جماعة من العلماء؛ لأنَّ ابنَ شِهابٍ لم يقل: حضرتُ مراجعةَ عُرْوَة لعمرَ بن عبد العزيز، وعُرْوَة لم يقل: حدَّثني بشير، لكن الاعتبار عند الجمهور بثبوت اللقاء والمجالسة لا بالصِّيَغ.
وقال الكِرْماني: اعلم أنَّ هذا الحديث بهذا الطريق ليس بمتصِل الإسناد؛ إذ لم يقل أبو مسعودٍ: شاهدتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى.
قال شيخُنا: هذا لا يُسمّى منقطعًا اصطلاحًا، وإنما هو مرسلُ صحابي؛ لأنَّه لم يدرك القصة، فاحتمل أن يكون سمع ذلك من النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أو بلغه عنه بتبليغ مَن شاهدَه أو سمعه لصحابي آخر، على أنَّ رواية اللَّيث عند المصنِّف تزيل الإشكالَ كلَّه، ولفظُه: فقال عروةُ: سمعت بشير بنَ أبي مسعود يقول: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، فذكر الحديث، وكذا سياقُ ابن شِهاب ليس فيه التصريحُ بسماعه له من عُرْوَةَ، وابنُ شهابٍ قد جُرِّب عليه التدليسُ، لكن وَقَعَ في رواية عبد الرزَّاق عن مَعْمَر عن ابن شِهابٍ قال: كنّا مع عُمَر بن عبد العزيز، فذكره، وفي رواية شُعَيب عن الزهريِّ: سمعت عُرْوَة يحدِّث عُمَر بن عبد العزيز، الحديث. انتهى.
قال العَيني: قولُ هذا القائل: رواية اللَّيث عند المُصَنِّف تزيل الإشكالَ كلَّه إلى آخره، غيرُ مُسلَّمٍ
في الرواية الَّتي ههنا؛ لأنَّها غيرُ متَّصلةُ الإسناد بالنَّظر إلى الظَّاهر، وإن كانت في نفس الأمر متصلةَ الإسناد، وكلامُ الكِرْماني بحسب الظَّاهر وإن كان الإسناد في نفس الأمر متَّصلًا. انتهى.
قال شيخنا: لم أقل: إنَّها متَّصلةٌ لفظًا، بل هي متَّصلةٌ اصطلاحًا بدليل رواية اللَّيث، فالذي لا يُسلِّم هذا - يعني العَيني - لا يُلام؛ لأنَّه لا يدري الاصطلاح، وما زال الأئمةُ يحرصون على بيان الاتصال فيما يوهِم الإرسالَ وتسميةِ مَن أُبهم ونحو ذلك من النُّكت الحديثيَّة، وبالله التَّوفيق. انتهى.
قوله: (أَنَّ عُمَر بنَ عَبْدِ العَزِيْزِ أَخَّرَ الصَّلاة يَومًا وهو بالعراق، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَة بنُ الزُّبَيْر فَأَخبَرَهُ: أَنَّ المُغِيْرَةَ بنَ شُعْبَة أَخَّرَ الصَّلاة يَوْمًا وَهُوَ بِالعِرَاقِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُوْدٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيْلَ عليه السلام نَزَلَ فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ صَلَّى، فصلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ قَالَ: بِهَذَا أُمِرْتُ؟! فَقَالَ عُمَر لِعُرْوَةَ: اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ بِهِ، أَوَ إِنَّ جِبرِيلَ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقْتَ الصَّلَاَةِ؟ قَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيْرُ بنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيْهِ).
قَالَ عُرْوَةُ: (وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ رضي الله عنها: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ).
مطابقته للترجمة في قوله: (أَنَّ جِبْرِيْلَ نَزَلَ فَصَلَّى
…
) إلى آخره، وهي خمسُ مرَّات، فدلَّ أنَّ الصَّلوات مؤقَّتة بخمسة أوقات، فإن قلت: الحديث لا يدلُّ إلَّا على عدد الصلوات، لأنَّه لم يذكر الأوقات. قال العَيني: وقوعُ الصَّلاة خمس مرَّات يستلزم كونَ الأوقات خمسةً، واقتصر أبو مسعود على ذكر العدد؛ لأن الوقت كان معلومًا عند المخاطبة.
هذا الحديثُ أخرجه البخاريُّ أيضًا في بدء الخلق عن قُتَيْبَة عن ليثٍ، وفي المغازي عن أبي اليمان عن شُعَيب ثلاثتُهم عن الزُّهْري عن عُرْوَة عنه به، وأخرجه مسلم في الصَّلاة عن قُتَيْبَة ومحمَّد بن رُمحٍ كلاهُما عن ليثٍ به، وعن يحيى بن يحيى عن مالك به، وأخرجه أبو داود فيه عن محمَّد بن مسلمةَ عن ابن وَهْب عن أسامة بن زيد عن الزُّهْري عن عُرْوَة عنه به، وأخرجه النَّسائي فيه عن قُتَيْبَة به، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن محمَّد بن رُمحٍ به.
قوله: (أَخَّرَ الصَّلاة يَوْمًا) وفي رواية للبخاري في بدء الخلق: أخَّر العصرَ شيئًا، وقوله:(يَوْمًا) بالتنكير؛ ليدلَّ على التعليل، ومرادُه يومًا ما، لا أنَّ ذلك كان سَجيةً كما كانت ملوكُ بني أميَّة تفعل لا سيَّما العصرَ، فقد كان الوليد بن عُتْبَة يؤخِّرها في زمان عُثْمان رضي الله عنه، وكان ابنُ مسعود يُنكِر عليه، وقال عطاء: أخَّر الوليد مرَّةً الجمعةَ حتَّى أمسى، وكذا كان الحجَّاج يفعل، وسيأتي بيان ذلك قريبًا في باب تضييع الصَّلاة عن وقتها.
وفي رواية الطَّبَرَاني من طريق أبي بكر بن حَزم: أنَّ عُرْوَة حدَّث عُمَر بن عبد العزيز
وهو يومئذٍ أميرُ المدينة في زمان الوليد بن عبد الملك، وكان ذلك زمانٌ يؤخِّرون فيه الصلاة، يعني بني أميَّة، قال ابن عبد البرِّ: المرادُ إنَّه أخَّرها حتَّى خرج الوقتُ المستحبُّ، لا إنَّه أخَّرها حتَّى غربت الشمس. انتهى.
قال شيخنا: ويؤيِّده سياقُ رواية اللَّيث المتقدِّمة.
قال العَيني: أخرَّها عن الوقت المستحبِّ المرغَّب فيه، لا عن الوقت، ولا يُعتقد ذلك فيه لجلالته، وإنكارُ عُرْوَة عليه إنَّما وَقَعَ لتركه الوقتَ الفاضلَ الذي صلَّى فيه جبريلُ عليه السلام.
فإن قلت: روى الطَّبَرَاني من طريق يزيد بن أبي حبيبٍ عن أسامةَ بن زيد اللَّيثيِّ عن ابن شهاب في هذا الحديث قال: دعا المؤذنُ لصلاة العصر، فأمسى عُمَر بن عبد العزيز قبل أن يصلِّيها. أجيب بأنَّ معناه: قارَب المساءَ. لا إنَّه دخل فيه.
قال شيخنا: وقد رجع عُمَر بن عبد العزيز عن ذلك، فروى الأوزاعي عن عاصم بن رجاء بن حَيوَة عن أبيه: أنَّ عُمَر بن عبد العزيز - يعني في خلافته - كان يصلِّي الظُّهر في السَّاعة الثامنة، والعصرَ في السَّاعة العاشرة حين تدخل.
قوله: (أَنَّ المُغِيْرَةَ بنَ شُعْبَة أَخَّرَ الصَّلاة يَومًا) بيَّن عبدُ الرزَّاق في روايته عن ابن جُرَيج عن ابن شِهَاب: أنَّ الصَّلاة المذكورة العصرُ أيضًا، ولفظه:((مَسَّى المغيرةُ بنُ شُعْبَة بصلاةِ العصرِ)).
قوله: (وَهُوَ بِالعِرَاقِ) جملةُ اسميَّة وقعت حالًا عن المغيرة، وأراد به عراقَ العرب، وهو من عبَّادان إلى الموصل طولًا، ومن القادسيَّة إلى حُلوان عرضًا، وفي رواية القَعنَبي وغيره عن مالك في الموطأ: وهو بالكوفة. وكذا أخرجه الإسماعيلي عن أبي خليفة عن القَعْنَبي، والكوفةُ من جملة عراق العرب، فالتعبير بها أخصُّ من التعبير بالعراق، وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا عليها من قِبل معاويةَ بن أبي سفيان.
قوله: (مَا هَذَا) أي التأخير.
قوله: (أَلَيْسَ) الرواية وقعت كذا (أَلَيْسَ) وكأنَّ مقتضى الكلام: (أَلَيْسَتْ) بالخطاب، قال القُشَيري: قال بعض فضلاء الأدب: كذا الرواية، وهي جائزة، إلَّا أنَّ المشهور في الاستعمال (أليست) يعني بالخطاب.
وقال عياض: يدلُّ ظاهر قوله: (قَدْ عَلِمْتَ) على علم المغيرة بذلك، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل الظنِّ من أبي مسعود؛ لعلمه بصحبة المغيرة. قال العَيني: لأجل ذلك ذكره بلفظ الاستفهام في قوله: (أَلَيْسَ) ولكن يؤيِّد الوجه الأوَّل رواية شُعَيب عن ابن شهاب عند البخاري أيضًا في غزوة بدر بلفظ: فقال: (لَقَدْ عَلِمْتَ) بغير حرف الاستفهام، ونحوُه عن عبد الرزَّاق عن مَعْمَر وابن جُرَيج جميعًا.
قوله: (أَنَّ جِبْرِيْلَ نَزَلَ) قلت: قد قدَّمنا الكلام على جبريل عليه السلام مستقصىً في كتاب الوحي. انتهى. بيَّن ابن إِسْحاق في المغازي: أنَّ ذلك كان صبيحة اللَّيلة الَّتي فرضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء.
قال شيخنا: قال ابن إسحاق: حدَّثني عُقْبَة بن مسلم عن نافع بن جُبَير، وقال عبد الرزَّاق: عن ابن جُرَيج قال: قال نافع بن جُبَير وغيره: ((لما أَصبحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم منَ الليلةِ الَّتي أُسريَ بِهِ لم يرُعْهُ إلَّا جبريلُ نزلَ حِينَ زاغَتِ الشَّمس - ولذلك سمِّيت الأولى؛ أي صلاة الظُّهر - فأمرَ
فَصِيحَ بأصحابِه: الصَّلاة جامعَة، فاجتمعُوا فصلَّى بهِ جبريلُ، وصلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بالناسِ)) فذكر الحديث، وفيه ردٌّ على من زَعَمَ أنَّ بيانَ الأوقات إنَّما وَقَعَ بعد الهجرة، والحقُّ: أنَّ ذلك وَقَعَ قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. انتهى.
قلت: اليوم الذي يسفر عن ليلتها، ورُدَّ: أنَّ الإسراء كان ليلة الجمعة، وكأنَّ بعضهم يقول: ليلة السَّبت، قال ابن دِحْيَة: وهذا نقلٌ مَحضٌ يُطلب فيه الصِّحَّة، ثمَّ قال: يكون إن شاء الله تعالى يوم الاثنين. وذكر الدَّليل على ذلك بمقدمات حساب من تاريخ الهجرة، وحاصل الأمر: إنَّه استنبط وحاول موافقةَ كون المولد الشريف يوم الاثنين، وكون المبعث يوم الاثنين، وكون المعراج يوم الاثنين، وكون الهجرة يوم الاثنين، وكون الوفاة يوم الاثنين، قال: فإن هذه أطوارُ الانتقالاتِ النبوية وجودًا ونبوَّةً وهجرةً ومعراجًا ووفاةً، فيكون يوم الاثنين في حقِّه عليه السلام كيوم الجمعة في حقِّ آدم عليه السلام، فيه خُلق وفيه تِيب عليه وفيه مات عليه السلام. انتهى. ذكره في كتاب «الابتهاج» .
قوله: (فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال العَيني: الكلام هنا في موضعين؛ أحدهما: في كلمة (ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى)، والآخر: في كلمة الفاء، أما الأوَّل فقد قال الكِرْماني: فإن قلت: لِمَ قال في صلاة جبريل: (ثُمَّ صَلَّى) بلفظ (ثم)، وفي صلاة الرَّسول:(فَصَلَّى) بالفاء، قلت: لأنَّ صلاة الرسول كانت متعقبة لصلاة جبريل عليه السلام بخلاف صلاته؛ فإن بينَ كلِّ صلاتين زمانًا، فناسب كلمة التراخي. انتهى. قلت: وقد علمت مما قاله الكِرْماني: إنَّه ليس بين نزوله وصلاته تراخي؛ لأنَّه قال: (فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. انتهى.
وأما الثَّاني فقد قال عياض: ظاهره أنَّ صلاته كانت بعد فراغ صلاة جبريل، لكن المنصوص في غيره: أنَّ جبريل أَمَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فيحمل قوله:(فَصَلَّى فَصَلَّى) على أنَّ جبريل كان كلما فعل جزءًا من الصَّلاة تابعه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بفعله. وقال النَّوَوي: (صَلَّى فَصَلَّى) مكرِّرًا خَمْس هكذا خمس مرات، معناه: إنَّه كلما فعل جزءًا من أجزاء الصَّلاة فعله النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حتَّى تكاملت صلاتهما. انتهى.
قال العَيني: مبنى كلام عياض على أنَّ الفاء في الأصل للتعقيب، فيدلُّ على أنَّ صلاة النَّبِيِّ عليه السلام كانت عُقيب فراغ جبريل من صلاته، وحاصل جوابه: إنَّه جعل الفاء على أصله، وأوَّله بالتأويل المذكور، وبعضهم ذهب إلى أنَّ الفاء هنا بمعنى الواو؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام إذا ائتم بجبريل يجب أن يكون مصلِّيًا معه لا بعده، وإذا حملت الفاء على حقيقتها وجب ألَّا يكون مصلِّيًا معه، واعترض عليه بأن الفاء إذا كان بمعنى الواو يحتمل أن يكون النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صلَّى قبل جبريل؛ لأن الواو لمطلق الجمع، والفاء لا تحتمل ذلك، قلت: مجيء الفاء بمعنى الواو لا يُنكر كما في قوله:
* بين الدخول فحَوْمل
فإن الفاء فيه بمعنى الواو، والاحتمال الذي ذكره المعترض يدفع بأن جبريل عليه السلام هنا مبيِّن لهيئة الصَّلاة
الَّتي فرضت ليلة الإسراء، فلا يمكن أن تكون صلاته بعد صلاة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وإلا لانتفى أن يكون لصلاة جبريل فائدة، ويمكن أن تكون الفاء هنا سببيَّة كما في قوله تعالى:{فَوَكَزَهُ مُوْسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص: 15]. انتهى.
قال شيخنا: وفي رواية اللَّيث عند المُصَنِّف وغيره: ((نَزَلَ جِبريلُ فَأَمَّني فَصَلَّيتُ مَعَهُ))، وفي رواية عبد الرزَّاق عن معمر:((نَزَلَ فَصَلَّى، فصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فصلَّى النَّاس مَعَهُ))، وهذا يؤيِّد رواية نافع بن جُبَير المتقدِّمة، وإنَّما دعاهم إلى الصَّلاة بقوله:((الصَّلاةُ جامِعَةٌ)) لأنَّ الأذان لم يكن شرع حينئذ. انتهى.
قال القُرْطُبي: قول عروة: (أَنْ جِبْرِيْلَ نَزَلَ) ليس فيه حجَّة واضحة على عُمَر بن عبد العزير؛ إذ لم يعين له الأوقات، قال: وغاية ما يتوَّهم عليه أنَّه ينبِّهه، وذكره بما كان يعرفه من تفاصيل الأوقات، قال: وفيه بعد؛ لإنكار عُمَر على عُرْوَة حيث قال له: اعلم ما تحدِّثُ [به]
(1)
يا عُرْوَة، قال: وظاهر هذا الإنكار إنَّه لم يكن عنده علم من إمامة جبريل، قال شيخنا: لا يلزم من كونه لم يكن عنده علم منها أن لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات المذكورة من جهة العمل المستمرِّ، لكن لم يعرف أنَّ أصله بتبيين جبريل عليه السلام بالفعل، فلهذا استثبت فيه، وكأنَّه كان يرى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد، وكذا يحمل عمل المغيرة وغيره من الصحابة، ولم أقف على شيء من الرِّوايات على جواب المغيرة لأبي مسعود، والظَّاهر إنَّه رجع إليه.
قوله: (بِهَذَا) أي بأداء الصَّلاة في هذه الأوقات.
قوله: (أُمِرْتُ) رُوِيَ بضمِّ التَّاء وفتحها، وعلى الوجهين هو على صيغة المجهول، قال ابن العربي: نزل جبريل عليه السلام إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مأمورًا مكلَّفًا بتعليم النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لا بأصل الصَّلاة، وأقوى الروايتين فتح التَّاء، يعني: أنَّ الذي أُمرت به من الصَّلاة البارحة مجملًا هذا تفسيره اليوم مفصَّلًا، قال العَيني: فعلى هذا الوجه يكون الخطاب من جبريل للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمَّا وجه الضمِّ فهو أنَّ جبريل عليه السلام يُخبر عن نفسه إنَّه أُمِرَ به هكذا، فعلى الوجهين الضَّمير المرفوع في قوله:(ثَمَّ قَالَ) يرجع إلى جبريل عليه السلام، ومن قال في وجه الضمِّ: إنَّ النَّبِيَّ أخبر عن نفسه إنَّه أُمِرَ به هكذا، وأن الضَّمير في (قَالَ) يرجع إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقد أبعد وإن كان التركيب يقتضي هذا أيضًا. انتهى.
قوله: (اعْلَمْ مَا تَحَدَّثُ بِهِ) بصيغة الأمر، تنبيه من عُمَر بن عبد العزيز لعُرْوَة على إنكاره إيَّاه، وقال القُرْطُبي: ظاهره الإنكار؛ لأنَّه لم يكن عنده خبر من إمامة جبريل عليه السلام، إمَّا لأنَّه لم يبلغه، أو بلغه فنسيه، والأولى عندي: أنَّ حجَّة عُرْوَة عليه إنَّما هي فيما رواه عن عائشة، وذكر له حديث جبريل موطِّئًا له ومُعلمًا بأنَّ الأوقات إنَّما ثبت أصلها بإيقاف جبريل عليه السلام للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عليها.
قوله: (أَوَأَنَّ جِبْرِيْلَ) قال السَّفَاقُسي: الهمزة حرف الاستفهام دخلت على الواو فكان ذلك تقريرًا، وقال
(1)
به: ليست في الأصل.
النَّوَوي: الواو مفتوحة، وأنَّ ههنا تُفتح وتُكسر، وقال صاحب «الاستقضاب»
(1)
: كسر الهمزة أظهر؛ لأنَّه استفهام مستأنف إلَّا إنَّه ورد بالواو والفتح على تقدير: أو علمت أو حدَّثت أنَّ جبريل نزل؟ قال العَيني: لم يذكر أحد منهم أنَّ الواو أي واو هي، وهي واو العطف على ما ذكره بعضهم، ولكنَّه قال: والعطف على شيء مُقَدَّر، ولم يبيِّن ما هو المُقَدَّر. انتهى.
قلت: أراد العَيني بقوله: (بَعْضُهم) شيخَنا، فإنَّه قال:(أَوَ أَنَّ) بفتح الهمزة، وهي للاستفهام، والواو وهي العاطفة، والعطف على شيء مُقَدَّر. انتهى.
قلت: يجوز أن يكون التقدير بعد قوله: اعلم ما تحدِّث إذ حدَّثت، أي أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان مأمومًا، أو علمت أو حدَّثت أنَّ جبريل هو أقام. انتهى.
قوله: (وُقُوْتَ) كذا للمستملي بصيغة الجمع، وللباقين:((وَقْتَ الصَّلَاةِ)) بالإفراد وهو للجنس.
522 -
قوله: (قَالَ عُرْوَةُ) قال الكِرْماني: هذا إما مقول ابن شهاب، أو تعليق من البخاري.
قال شيخنا: الاحتمال الثَّاني على بعده مغاير للواقع كما سيظهر في باب وقت العصر قريبًا؛ فقد ذكره مسندًا عن ابن شهاب عن عُرْوَة عن عائشة، فهو مقوله: وليس بتعليق، وسنذكر الكلام على فوائده هناك إن شاء الله تعالى. انتهى.
قوله: (كَذَلِكَ كانَ بَشِيْر) تقدَّم الكلام على هذا في الكلام على الإسناد.
قوله: (فِي حُجْرَتِها) قال ابن سِيدًه: الحجرة من البيوت معروفة، وقد سمِّيت بذلك لمنعها الداخل من الوصول إليها، يقال: استحجر القوم واحتجروا اتخذوا حجرةً، وفي «المنتهى» و «الصحاح» : الحجرة: حظيرة الإبل، ومنه حجرة الدَّار، تقول: احتجرت حجرة، أي اتَّخذتها، والجمع حُجَر مثل غرفة وغُرَف، وحُجُرات بضمِّ الجيم.
قوله: (أَنْ تَظْهَرَ) ذكر في «الموعب» : يقال: ظهر فلان السَّطح إذا علاه. وعن الزَّجَّاجِ في قوله تعالى: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} [الكهف: 97] أي ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وانملاسه. وفي «المنتهى» : ظهرتُ البيتَ علوتُه، وأظهرتُ بفلان أعليتُ به، وفي «كتاب ابن التين» وغيره: ظهر الرجل فوق السطح إذا علا فوقه. قيل: وإنَّما قيل له ذلك؛ لأنَّه إذا علا فوقه فقد ظهر شخصُه لمن تأمّله، وقيل: معناه: أن يخرج الظلُّ من قاعة حجرتها فيذهب، وكل شيء خرج فقد ظهر. قال العَيني: والتفسير الأوَّل أقرب وأليق بظاهر الحديث؛ لأنَّ الضَّمير في قوله: (تَظْهَرَ) إنَّما هو راجع إلى الشمس، ولم يتقدَّم للظلِّ ذكرٌ في الحديث. وسنستوفي الكلام في حديث عائشة عن قريب في باب وقت العصر إن شاء الله تعالى.
فيه دليل على أنَّ وقت الصَّلاة من فرائضها، وأنَّها لا تجزئ قبل وقتها، وهذا لا خلافَ فيه بين العلماء إلَّا شيءٌ روي عن أبي موسى الأشعري وعن بعض التَّابعين أجمع العلماء على خلافه، قال العَيني: ولا وجه لذكره ههنا؛ لأنَّه لا يصحُّ عنهم، وصحَّ عن أبي موسى خلافه مما وافق الجماعة فصار اتفاقًا صحيحًا.
وفيه المبادرة بالصلاة في أوَّل وقتها، وهذا هو الأصل وإن روي الإبراد بالظهر والإسفار بالفجر بالأحاديث الصحيحة، وفيه دخول العلماء على الأمراء وإنكارهم عليهم ما يخالف السنَّة، وفيه جواز مراجعة العالم لطلب البيان، والرجوع عند التنازع إلى السنَّة.
وفيه أنَّ الحجَّة في الحديث المسند دون المنقطع، ولذلك لم يقنع عُمَر به، فلما أسند إلى بشير بن أبي مسعود قنع به.
وفيه ما استدلَّ به قوم منهم ابن العربي على جواز صلاة المفترض
(1)
كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: الاقتضاب، كذا في عمدة القاري: 5/ 5، وهو: الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، لعبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي (521 هـ)، ويحتمل أن يكون: الاستيعاب لابن عبد البرِّ، والأول أرجح.