الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عن الحضور، فإذا تعذر حضور الإمام فعلى المسلمين إقامةُ رجل منهم يقوم به، وهذا كما فعل المسلمون بمُؤتَةَ -أي بضم الميم وفتح المثناتين من فوق - لما قُتِل الأمراء اجتمعوا على خالد بن الوليد رضي الله عنه، أو نقول: إنَّ علياً لم يَتَوصَّل إليه؛ فعن هذا قال محمد بن الحسن: لو تَغلب على مصر متغلِبٌ فصلى أحدٌ بهم الجمعة جاز. ونُقل ذلك عن الحسن البصري. وكان علي رضي الله عنه أولى بذلك لأن الصحابة رضُوا به وصلَّوا وراءه وسواءٌ كان بإذن أو لا بإذن.
ثم قال العيني أيضاً: ولا نرى جوازها بغير إذن الإمام وكيف وقد روى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله قال: خَطَبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحديثُ، وفيه:((فمن تركها - أي الجمعة -في حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائرٌ استخفافاً بها وجحوداً لها فلا جمع الله شملَه ولا بارك له في أمرِه، أَلَا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حجَّ له ولا صومَ له ولا بِرَّ له حتى يتوب)). ومن هذا أخذ الحنفية، وقالوا: لا يجوز إقامتها إلا للسلطان وهو الإمام الأعظم أو لمن أمره كالنائب والقاضي والخطيب. قال العيني: فإن قلت: هذا الحديث ضعيفٌ وفي سنده عبد الله بن محمد وهو مُتكلَّمٌ فيه. قلتُ: هذا روي من طرق كثيرة ووجوه مختلفة، فحصل له بذلك قوةٌ فلا يُمنع من الاحتجاج به.
وأما الصلاة خلف الخوارج وأهل البدع فاختلف العلماء فيه، فأجازت طائفة منهم: ابنُ عمر إذْ صلَّى خلف الحَجاج، وكذلك ابن أبي ليلى وسعيد بن جبير ثم خرجا عليه. وقال النخَعيُّ: كانوا يصلون وراء الأمراء ما كانوا. وكان أبو وائل يُجَمِّعُ مع المختارِ بن عبيد. وسُئل ميمون بن مِهران عن الصلاة خلف رجلٍ يُذكَر أنه من الخوارج فقال: أنت لا تصلي له إنما تصلي لله عز وجل وقد كنا نصلي خلف الحجاج حَرُورِياً أَزْرقيًّا. وروى أشهب عن مالك: لا أحب الصلاة خلف الإباضية والواصلية ولا السكنى معهم في بلدٍ. وقال ابن القاسم: أرى الإعادة في الوقت على من صلى خلف أهل البدع. وقال أصبغ: يعيد أبداً. وقال الثوري في القدريِّ: لا تُقدِّموه.
وقال أحمد بن حنبل: لا يُصلَّى خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعيًا إلى هواه، ومن صلى خلف الجهمي والرافضي والقدري يعيد. وقال الحنفية: تُكره الصلاة خلف صاحب هوىً وبدعةٍ، ولا تجوز خلف الرافضي والقدريِّ والجهميِّ لأنهم يعتقدون أن الله تعالى لا يعلم الشيء قبل حدوثه وهو كفر، والمشَبِّهةُ ومَن يقول بخلق القرآن. وكان أبو حنيفة لا يرى الصلاة خلف المبتدع. ومثلُه عن أبي يوسف. وأما الفاسق بجوارحه كالزاني وشارب الخمر فزعم ابن حبيبٍ أن من صلى خلف من شرب الخمر يعيد أبداً إلا أن يكون والياً. وقيل في رواية: يصح. وفي «المحيط» : لو صلى خلف فاسقٍ أو مبتدعٍ يكون مُحرِزاً ثواب الجماعةِ ولا ينال ثوابَ مَن صلى خلف الْمُتَّقِي. وفي «المبسوط» : يكره الاقتداء بصاحب البدعة.
قوله: (وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ) أي بضم الزاي وفتح الباء الموحدةِ وسكون الياء آخر الحروفِ وبالدال المكسورة، وهو نسبة إلى زُبيد وهو بطن في مُذحِجٍ وفي الأزدِ وفي خَوْلان القُضاعِية. وهو صاحب الزهري، واسمه محمد بن الوليد أبو الهذيل الشَّاميُّ الحمصيُّ. قال ابن سعد: مات سنة ثمانٍ وأربعين ومئة وهو ابن سبعين سنة. قلت: قد تقدمت ترجمته في باب
متى يصح سماع الصبي. انتهى.
قوله: (قَالَ: الزُّهْرِيُّ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قال: (لَا نَرَى أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ المُخَنَّثِ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا) أي على صيغة المجهول في قوله: (يُصَلَّى).
قوله: (المُخَنَّثِ) قال شيخنا: رُويناه بكسر النون وفتحها. قال العيني: والكسر أفصح والفتح أشهر. وهو الذي خَلْقُه خلق النساء وهو نوعان: أحدهما من يكون ذلك خِلقةً له لا صُنع له فيه، وهذا لا إثم عليه ولا ذمٌّ. والثاني مَن تكلف ذلك وليس له خَلْقِيًّا وهذا هو المذموم. وقيل: بكسر النون، مَن فيه تكسُّرٌ وتثَنٍّ وتشبُّهٌ بالنساء. وبالفتح من يؤتَى في دبره. وقال أبو عبد الملك فيما حكاه ابن التين: أراد الزهريُّ الذي يؤتَى في دبره، وأما من يَتَكَسَّرُ في كلامه ومِشيتِه فلا بأس بالصلاة خلفَه. وقال الداودي: أرادهما لأنهما بِدعةٌ وجِرحةٌ، وذلك أنَّ الإمامة موضع كمالٍ واختيارِ أهل الفضل. وكما أن إمام الفتنة والمبتدع كلٌّ منهما مفتونٌ في طريقته فلمَّا شَمِلَهم معنى الفتنةِ وَهَتْ إمامتُهم إلا من ضرورة. وقال ابن بطَّال: ذكر البخاري هذه المسألة هنا لأن المخنَّث مفتَتَنٌ في طريقته.
قوله: (إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا) أي يكونُ ذا شوكةٍ ومِن جهتِه فلا تُعَطَّلُ الجماعة بسببه. وقد رواه مَعمَرٌ عن الزهري بغير قيد، أخرجه عبد الرزاق عنه ولفظه: قلت: فالمخنث قال: لا ولا كرامة لا تأتَمَّ به. قال شيخنا: وهو محمول على حالة الاختيار. انتهى.
696 -
قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ) أي البلخيُّ مستملي وكيع، وقيل: الواسطي، وهو محتمِلٌ. لكن قال شيخنا: لم نجد للواسطي رواية عن غُندَر بخلاف البلخي، وقد تقدم عنه موضعٌ آخر في المواقيت. وهذا جميع ما أخرج عنه البخاري.
قوله: (قال: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) أي بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال. وهو لقبُ محمد بن جعفر ابن امرأة شعبة، ترجمته في باب ظلمٌ دون ظلمٍ.
قوله: (عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي ذَرٍّ: ((اسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ))).
مطابقته للترجمة كما قاله ابن المنير: أن الصفة المذكورة إنما توجد غالباً في أعجميٍّ حديثِ العهد بالإسلام لا يخلو من جهلٍ بدينه، وما يخلو مَن هذه صفته عن ارتكاب البدعة، ولو
(1)
لم يكن إلا افتتانُه بنفسه حتى تقدم للإمامة وليس من أهلها.
وقد مر هذا الحديث في باب إمامة العبد غيرَ أن هناك: عن محمد بن بشار عن يحيى عن شعبة، وهناك الخطاب للجماعة وهنا الخطاب لأبي ذر رضي الله عنه.
قوله: (وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ) أي ولو كان الطاعةُ أو الأمرُ لحبشي، سواء ٌكان ذلك مفتوناً أو مبتدعاً.
(57)
(بَابٌ: يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ، بِحِذَائِهِ سَوَاءً إِذَا كَانَا اثْنَيْنِ)
أي هذا باب ترجمته يقوم
…
إلى آخره. والضميرُ في (يَقُومُ) يرجع إلى المأموم بقرينة ذكر الإمام.
قوله: (بِحِذَائِهِ) الحِذاءُ بكسر المهملة وذال معجمةٍ بعدها مدةٌ. هو الإِزاء والجَنْب. فأخرج بذلك من كان خلفه أو ما تلا منه.
قوله: (سَوَاءً) أي مساوياً. وانتصابُه على الحال. أخرج به من كان إلى جنبه لكنْ على بُعْدٍ عنه. وكذا قال الزين بن المنير. قال شيخنا:
(1)
كلمة: ((لو)) ساقطة في (الأصل).