الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إنما هو في ترك الأكل والشرب، لا في اعتقادهم أنه أذان. والله أعلم. انتهى.
(14)
بَابٌ: كَمْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وَمَنْ يَنْتَظِرُ الإِقَامَةَ
أي هذا بابٌ يُذكر فيه كم بين الأذان والإقامة، فحينئذ يكون (بابٌ) منوَّنًا مرفوعًا على أنه خبرُ مبتدأٍ محذوف.
قال العيني
(1)
، وقال شيخنا: أما (بابُ) فهو في روايتنا بلا تنوين.
قال العيني: ليت شعري من هو الراوي له، فهل هو ممن يُعتمد عليه في تصرُّفه في التراكيب، وهذا ليس لفظ الحديث حتى يُقتصر فيه على المروي، وإنما هو كلام البخاري، فالذي له يد في تحقيق النظر في تراكيب الناس يتصرف بأي وجهٍ يأتي معه على قاعدة أهل النحو واصطلاح العلماء فيه، و (بابٌ) هنا منوَّنٌ، ووجهه ما ذكرناه. انتهى.
قلت: شيخنا رحمه الله ذكر ما رَوَى عن مشايخه العلماء الأعلام المشهورين، وذلك من تحفظه رحمه الله ورضي الله عنه.
و (كم) استفهامية، وخبرها محذوفٌ تقديره: ساعة أو صلاة أو نحو ذلك.
624 -
قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ) أي ابن شاهين.
قال شيخنا: ويحتمل أن يكون هو الذي عناه الدِّمياطي ونقلناه عنه في الذي مضى، لكني رأيتُه كما نقلتُه أولاً بخط القطب الحلبي، وقد روى البخاري عن إسحاق بن وهب العلاف، وهو واسطي أيضاً لكن ليست له رواية عن خالد. انتهى. وإنما تميز إسحاق ههنا من غيره من إسحاق الحنظلي وإسحاق بن نصر السعدي وإسحاق بن منصور الكوسج بقوله:(الوَاسِطِيُّ).
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ) أي ابن عبد الله الطحان، ترجمته في باب من تمضمض واستنشق من غرفة.
قوله: (عَنِ الجُرَيْرِيِّ) أي بضم الجيم وفتح الراء الأولى وسكون الياء آخر الحروف، سعيد بن إياس.
قال شيخنا: ووقع مسمًّى في رواية وهب بن بقية عن خالد عند الإسماعيلي، وهي إحدى فوائد المستخرجات. وهو معدود فيمن اختلط، واتفقوا على أن سماع المتأخرين منه كان بعد اختلاطه، وخالد منهم. لكن أخرجه الإسماعيلي من رواية يزيد بن زريع وعبد الأعلى وابن عُلَيَّة، وهُم ممن سمع منه قبل الاختلاط وهي إحدى فوائد المستخرجات أيضاً.
وهو عند مسلم من طريق عبد الأعلى أيضاً، وقد قال العِجْلي: إنه من أصحهم سماعاً من الجريري، وإنه سمع منه قبل اختلاطه بثمان سنين، ولم ينفرد به مع ذلك الجريري بل تابعه عليه كهمس بن الحسن عن ابن بريدة، وسيأتي عند المصنف بعد باب.
وفي رواية يزيد بن زريع من الفوائد أيضاً: تسمية ابن بريدة عبد الله والتصريح بتحديثه للجريري، ترجمته في باب الصلاة لوقتها.
قوله: (عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) أي بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة، وهو عبد الله بن حُصَيب الأسلمي قاضي مرو ومات بها، ترجمته في باب الصلاة على النفساء وسنتها.
قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ) أي بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء، ترجمته في باب من كره أن يقال للمغرب العشاء.
في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه: القول في موضع واحد وفيه من الرواة واسطيان
(1)
كذا في (الأصل) : ((قال العيني)) ولعل الصواب ((قاله العيني)).
والاثنان بصريان، وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده، وأنه لم يذكره إلا بنسبته إلى بلده واسط.
قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، ثَلَاثًا لِمَنْ شَاءَ)
مطابقته للترجمة ظاهرة لأن معنى قوله: (بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ) : بين الأذان والإقامة.
وقال شيخنا: لعل المصنف أشار بذلك إلى ما روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: ((اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته)). أخرجه الترمذي والحاكم، لكن إسنادَه ضعيف. وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ومن حديث سلمان، أخرجهما أبو الشيخ ومن حديث أُبَي بن كعب أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند وكلها واهية، وكأنه أشار إلى أن التقدير بذلك لم يثبت. انتهى.
قال العيني: هذا كلام عجيب لأنه كيف يُترجم باباً ويورِدُ فيه حديثاً صحيحاً على شرطه ويشير بذلك إلى حديث ضعيف! فأي شيء هنا يدل على هذه الإشارة. انتهى.
قلت: قد أفاد شيخنا بما قاله فوائد
(1)
وهي ظاهرة في كلامه. انتهى.
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن عبد الله بن يزيد المقري عن كهمس بن الحسن، وأخرجه مسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة ووكيع كلاهما عن كهمس، وعن ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن الجريري، وأخرجه أبو داود فيه عن النفيلي عن إسماعيل بن عُلَيَّة عن الجريري، وأخرجه الترمذي فيه عن هناد عن وكيع به، وأخرجه النسائي فيه عن عبيد الله بن سعيد عن يحيى بن سعيد عن كهمس به، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة ووكيع به.
قوله: (بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ) أي الأذان والإقامة، فهو من باب التغليب. وقال الخطابي: حمْلُ أحد الاسمين على الآخر شائع كقولهم: الأسودان التمر والماء، والأسود إنما هو أحدُهما. وقال الكِرماني: ويحتمل أن يكون الاسم لكل واحد منهما حقيقةً لأن الأذان في اللغة: الإعلام، والأذانُ: إعلامٌ بحضور الوقت، والإقامةُ: إعلامٌ بفعل الصلاة.
قلتُ: الأذانُ إعلامُ الغائبين والإقامةُ إعلامُ الحاضرين. وقيل: لا يجوز حمل هذا على ظاهرِه لأن الصلاة واجبة بين كل أذاني وقتين. والحديث يخبر بالتخيير بقوله: ((لِمَنْ شَاءَ)).
قال شيخنا: وأجرَى المصنفُ الترجمةَ مجرى البيان للخبر لجزمه بأن ذلك المراد، وتوارد الشراح على أن هذا من باب التغليب كقولهم: القمرين، للشمس والقمر. ويحتمل أن يكون أطلق على الإقامة أذاناً لأنها إعلامٌ بحضور فِعلِ الصلاة.
قوله: (صَلَاةٌ) أي وقتُ صلاة، أو المراد: صلاةُ نافلة، أو نُكِّرت لتتناول كلَّ عددٍ نواه المصلي من النافلة كركعتين
(2)
أو أربع أو أكثر. ويحتمل أن يكون المراد به الحث على المبادرة إلى المسجد عند سماع الأذان لانتظار الإقامة، لأن منتظر الصلاة في صلاة، قاله الزين بن المنير. كما أن الأذانَ إعلامٌ بدخول الوقت ولا مانع من حمل قوله:(أَذَانَيْنِ) على ظاهره، لأن
(1)
في (الأصل) : ((قوائد)) والصواب ((فوائد)).
(2)
في (الأصل) : ((كرعتين)) والصواب ((كركعتين)).
يكون التقدير: بين كل أذانين صلاة نافلة غير المفروضة.
قوله: (ثَلَاثًا) أي قالها ثلاثاً. وعند أبي داود: قالها مرتين. وسيأتي بعدُ بابُ بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة:((لِمَنْ شَاءَ)). وهل بين أنه لم يقل: (لِمَنْ شَاءَ) إلا في المرة الثالثة بخلاف ما ُيشعِر به ظاهر الرواية الأولى من أنه عند كل مرة بقوله: (لِمَنْ شَاءَ).
ولمسلم والإسماعيلي: قال في الرابعة: ((لِمَنْ شَاءَ)). وكأن المراد بالرابعة قوله: ((لِمَنْ شَاءَ)). فأطلق بعضُهم عليها رابعةً باعتبار مطلق القول. وبهذا يوافق رواية البخاري. وقد تقدم في العلم حديثُ أنس أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً وكأنه قال بعد الثالثة: (لِمَنْ شَاءَ) ليدل على أن التكرار لتأكيد الاستحباب.
وقال ابن الجوزي: فائدةُ هذا الحديث أنه يجوز أن يُتَوهَّم أن الأذان للصلاة، ويمنع أن تُفعل سوى الصلاة التي أُذِّن لها، فبيَّن أن التطوع بين الأذان والإقامة جائز. وقد صح ذلك في الإقامة كما سيأتي. ووقع عند أحمد:((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت)). وهو أخص من الرواية المشهورة: ((إلا المكتوبة)). انتهى.
فيه: جواز الصلاة بين كل أذانين يعني بين الإقامة والأذان.
قال العيني: والحاصلُ أن الوصل بينهما مكروه، لأن المقصود بالأذان إعلام الناس بدخول الوقت ليتأهبوا للصلاة بالطهارة فيحضروا المسجد لإقامة الصلاة، وبالوصل ينتفي هذا المقصود.
ثم اختلف أصحابنا في حد الفصل، فذكر التمرتاشي في «جامعه» : أن المؤذن يقعد مقدار ركعتين أو أربع أو مقدار ما يفرغ الآكلُ من أكله والشارب من شربه والحاقنُ من قضاء حاجته. وقيل: مقدارَ ما يقرأ عشر آيات ثم يثوب ثم يقيم. كذا في «المجتبى» . وفي «شرح الطحاوي» : يفصِل بينهما مقدارَ ركعتين يقرأ في كل ركعةٍ نحواً من عشرِ آيات، وينتظر المؤذن الناس ويقيم للضعيف المستعجل ولا يَنتظر رئيسَ المحلة وكبيرَها فهذا كله إلا في صلاة المغرب عند أبي حنيفة، لأن تأخيرَها مكروه فيكتفي بأدنى الفصل وهو سكتة يسكت قائمًا ساعة ثم يقيم.
فإن قلتَ: ما مقدار السكتة عنده؟ قال العيني: قدْر ما يتمكن فيه من قراءة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة. وروي عن أبي حنيفة: مقدار ما يخطو لثلاث خطوات. وقال أبو يوسف ومحمد: يفصل بينهما بجلسة خفيفة مقدار الجلسة بين الخطبتين. ومذهب الشافعي ما ذكره النووي فإنه قال: يُستحب أن يفصل بين أذان المغرب وإقامتها فصلاً خفيفاً بقعدةٍ أو سكوت ونحوهما، وهذا لا خلاف فيه عندنا. ونقل صاحب «الهداية» عن الشافعي أنه يفصِل بركعتين اعتباراً بسائر الصلوات. قال العيني: وفيه نظر. انتهى.
قلتُ: من قال فيه نظر مَا له نظر. وكيف يكون فيه نظر وقد ثبت الأمر بهما في الحديث الصحيح. انتهى.
وقال أحمد: يفصِل بينهما بصلاة ركعتين في المغرب اعتبارًا بسائر الصلوات، واحتج بالحديث المذكور.
قال العيني: روى الدارقطني ثم البيهقي في «سننيهما» عن حيان بن عبيد الله العدوي حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((عند كل أذانين ركعتين إلا المغرب)).
فإن قلتَ: ذكر ابن الجوزي هذا الحديث في «الموضوعات» ونقل عن الفلاس أنه قال: كان حيان هذا كذَّاباً. قال العيني: الحديث رواه البزار في «مسنده» وقال: لا نعلم رواه عن ابن بريدة إلا حيان بن عبد الله وهو رجل مشهور من أهل البصرة لا بأس به. انتهى.
قلتُ: ومع ذلك فروايته شاذة، لأنه خالف الحفاظ من أصحاب عبد الله بن بريدة في إسناد الحديث ومتنه وسيأتي لهذا تتمة في الكلام على الحديث الآتي. انتهى.
625 -
قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أي على وزن فَعَّال بالتشديد والباء الموحدة والشين المعجمة، ولا يُغتر بما وقع في خط العيني أنه بالسين المهملة، ترجمته في باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَاْ غُنْدَرٌ) أي بضم الغين المعجمة. لقب محمد بن جعفر ابن امرأة شعبة، ترجمته باب ظلمٌ دون ظلمٍ.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج، ترجمته في بابٍ يتلو بابَ أمور الإيمان.
قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الأَنْصَارِيَّ) أي بفتح العين. مرَّ في باب الوضوء من غير حدث.
قوله: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ترجمته في باب من الإيمان أن يحب.
في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار كذلك في موضع. وفيه: السماع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري ومدني وواسطي وهو شعبة.
قوله: (كَانَ المُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ، حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُمْ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ، قال: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ)
مطابقته للترجمة في قوله: (وَهُمْ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ) فإن صلاتهم قبل المغرب بعد الأذان فصْلٌ بينه وبين الإقامة.
قال شيخنا: مطابقته للترجمة من جهة الإشارة إلى أن الصحابة رضي الله عنهم إذا كانوا يبتدرون به إلى الركعتين قبل صلاة المغرب مع قِصَرِ وقتها فالمبادرة إلى التنفل قبل غيرها من الصلوات يقع من باب الأولى ولا يتقيد بركعتين إلا بما ضاهى المغرب من قِصَر الوقت كالصبح. انتهى.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن قبيصة عن سفيان. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي عامر عن سفيان فيه نحوه، وفي نسخة: <عن شعبة> بدل عن سفيان.
قوله: (إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ) في رواية الإسماعيلي: إذا أخذ المؤذن في أذان المغرب.
قوله: (قَامَ نَاسٌ)، في رواية النسائي: قام كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذا تقدم للمؤلف في أبواب السترة.
قوله: (يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ) أي يتسارعون ويستبقون. و (السَّوَارِي) جمع سارية وهي: الأسطوانة، وكان غرضهم بالاستباق إليها الاستتار بها ممن يمر بين أيديهم لكونهم يصلون فرادى.
قوله: (وَهُمْ كَذَلِكَ) أي في تلك الحال، هم مبتدرون منتظرون الخروج، وفي رواية مسلم من طريق عبد العزيز
(1)
بن صهيب عن أنس: فيخرج فيجيء الغريب فيحسِب أن الصلاة قد
(1)
في (الأصل) : ((عبد الله العزيز)) والصواب ((عبد العزيز)).
صُلِّيَت من كثرة من يصليهما. وقال الكِرماني: وفي بعض الروايات: <وهي كذلك>، بدل:(وَهُمْ)، والأمران جائزان في ضمير العقلاء، نحو: الرجال فَعَلَتْ وفعلوا.
قوله: (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا) أي الأذان والإقامة.
قوله: (شَيْءٌ) التنوين فيه للتعظيم أي لم يكن بينهما شيء كثير.
قال شيخنا: وبهذا يندفع قول من زعم أن الرواية المعلقة معارِضةٌ للرواية الموصولة بل هي مبيِّنةٌ لها، ونَفيُ الكثير يقتضي إثباتَ القليل، وقد أخرجها الإسماعيلي موصولةً من طريق عثمان بن عمر عن شعبة بلفظ: وكان بين الأذان والإقامة قريبٌ. ولمحمد بن نصر من طريق أبي عامر عن شعبة نحوه.
قال العيني: يدل عليه ما رواه عثمان بن جَبَلة وأبو داود عن شعبة: ولم يكن بينهما إلا قليل. وقال ابن المنير: يُجمع بين الروايتين بحمل النفي المطلق على المبالغة مجازاً، والإثباتِ القليل على الحقيقة. وقال الكِرماني: وجه الجمع بينهما أن هذا خاص بأذان المغرب وذاك عام، والخاص إذا عارض العام يخصصه عند الشافعية، سواء عُلِم تأخرُه أم لا، والمراد بقوله:((كُلِّ أَذَانَيْنِ)) غير أذان المغرب.
وحمل بعضُ العلماء حديثَ الباب على ظاهره فقال: دل قوله: (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ) على أن قوله: ((بين كل أذانين صلاة)) مخصوص بالمغرب، فإنهم لم يكونوا يصلون بل كانوا يَشرعون في الصلاة في أثناء الأذان ويفرغون مع فراغه. قال: ويؤيد ذلك ما رواه البزار من طريق حيان بن عبيد الله - أي بفتح الحاء المهملة والياء آخر الحروف المشددة - عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مثل الحديث الأول، زاد في آخره:((إلا المغرب)).
وفي قوله: ويَفرغون مع فراغه. نظرٌ، لأنه ليس في الحديث ما يقتضيه، ولا يلزم من شروعهم في أثناء الأذان ذلك. وأما رواية حيان فقد ذكرنا أنها شاذةٌ خالف فيها الحفاظُ من أصحاب بريدة في إسناد الحديث ومتنه، وقد وقع في بعض طرقِه عند الإسماعيلي: وكان بُريدة يصلي ركعتين قبل صلاة المغرب. فلو كان استثناءً محفوظاً لم يخالفه بريدة راويه. وقد نقل ابن الجوزي عن الفلاس ما قدمناه في حيان.
وقال القرطبي وغيرُه: ظاهرُ حديث أنس أن الركعتين بعد الغروب وقبل صلاة المغرب كان أمراً قَرَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَه عليه وعملوا به حتى كانوا يستبِقون إليه، وهذا يدل على الاستحباب وكأنَّ أصلَه قولُه صلى الله عليه وسلم:((بين كل أذانين صلاة))، وأما كونه لم يصليهما فلا ينفي الاستحباب بل يدل على أنهما ليسا من الرواتب.
وإلى استحبابهما ذهب أحمد وإسحاق وأصحاب الحديث ورُوي عن ابن عمر قال: ما رأيتُ أحدًا يصليهما على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال النخعي: إنها بدعة. وروي عن الخلفاء الأربعة وجماعةٍ من الصحابة أنهم كانوا لا يصلونهما، وهو قول مالك والشافعي.
وادعى بعض المالكية نسخَهما فقال: إنما كان ذلك في الأوَّل حيث نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس فبيَّن لهم بذلك وقتَ
الجواز ثم ندب إلى المبادرة إلى المغرب في أول وقتها، فلو استمرت المواظبة على الاشتغال بغيرِها لكان ذريعةً إلى مخالفة إدراكِ أولِ وقتِها. وتُعُقِّبَ بأن دعوى النسخ لا دليل عليها والمنقول عن ابن عمر رواه أبو داود من طريق طاوس عنه، ورواية أنس المثبِتة مقدَّمةٌ على نفيه.
والمنقول عن الخلفاء الأربعة رواه محمد بن نصر وغيره من طريق إبراهيم النخعي عنهم، وهو منقطعٌ ولو ثبت لم يكن فيه دليل على النسخ ولا الكراهة، وسيأتي في باب التطوع أن عقبة بن عامر سئل عن الركعتين قبل المغرب فقال: كنا نفعلهما على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، قيل له: فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل. فلعل غيره أيضاً منعه الشغل. وقد روى محمد بن نصر وغيره من طرق قوية عن عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب وأبي الدرداء وأبي موسى وغيرهم أنهم كانوا يواظبون عليهما.
قال شيخنا: وأما قول أبي بكر بن العربي: اختلف فيها الصحابة ولم يفعله أحدٌ بعدهم. فمردود بقول محمد بن نصر: وقد روينا عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون ركعتين قبل المغرب. ثم أخرج ذلك بأسانيد متعددة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن بريدة ويحيى بن عقيل والأعرج وعامر بن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن مالك، ومن طريق الحسن البصري أنه سئل عنهما فقال: حسنتين واللهِ لمن أراد الله بهما. وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: حق على مؤمن إذا أذن المؤذن أن يركع ركعتين. وعن مالك قولٌ آخر باستحبابهما.
وعند الشافعية وجهٌ رجحه النووي ومَن تبِعَهُ، وقال في شرح مسلم: قولُ من قال إنَّ فعلَهما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها لخيال فاسد منابِذٍ للسنة، ومع ذلك فزمُنُهُما زمنٌ يسير لا يتأخر به الصلاة عن أول وقتها، ومجموعُ الأدلة يُرشِد إلى استحباب تخفيفِهما كما في ركعتي الفجر. قيل: والحكمةُ في الندب إليهما رجاءُ إجابةِ الدعاء، لأن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يُرَدُّ، وكلما كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة فيه أكثر.
قال شيخنا: واستدل بحديث أنس على امتداد وقتِ المغرب وليس بواضح. انتهى.
قوله: (قَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ) أي بفتح الجيم والباء الموحدة، ابنُ أبي رواد، ابنُ أخي عبد العزيز ابن أبي رواد، واسمه: ميمون الأزدي، مولاهم البصري، ترجمته في باب إذا ألقي على ظهر المصلي قَذَرٌ أو جيفة.
قوله: (وَأَبُو دَاوُدَ) أي سليمان بن داود الطيالسي، وهو من أفراد مسلم، ويقال: أبو داود هذا: عمر بن سعيد الحَفْري الكوفي، أي بفتح الحاء المهملة والفاء وحَفْر موضعٌ بالكوفة، وهو أيضاً من أفراد مسلم.
قوله: (عَنْ شُعْبَةَ) أي ابن الحجاج.
قوله: (لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا قَلِيلٌ) قال الكِرماني
(1)
: الظاهر أنه تعليقٌ منه، لأن البُخاري كان ابنَ عشرة عند وفاة الطيالسي.
قال شيخنا: لم تصل لنا روايةُ عثمان بن جبلة إلى الآن، وزعم مغلطاي ومن تبعه أن الإسماعيلي وصلها في «مستخرجه» وليس كذلك، لأن الإسماعيلي إنما أخرجه
(1)
((الكرماني)) ليس في (الأصل)، والصواب إثباته.