الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فِي المغْرِبِ قَالَ: وكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ، قَالَ: وكَانَ يَكْرَهُ النَّوم قَبْلَهَا، وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا، وكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ، حِينَ يَعْرِفُ أَحَدُنَا جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ مِنَ السِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ).
مطابقته للترجمة في قوله: (وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوم قَبْلَهَا، وَالحَدِيْثَ بَعْدَهَا) والحديث بعد العشاء هو السَّمر، وهذا الحديث إلى قوله:(وَنَسِيْتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ) قد مرَّ في باب وقت الظُّهر عند الزوال رواه عن حَفْص بن عُمَر عن شُعْبَة عن أبي المِنْهال، وههنا عن مُسَدَّد عن يحيى القطَّان عن عَوْف عن أبي المِنْهال، وقد مرَّ الكلام مستوفىً هناك بجميع تعلقاته.
قوله: (حَدِّثنَا كَيفَ كَانَ) بلفظ الأمر، قال شيخنا: وموضع الحاجة من الحديث هنا قوله: (وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوم قَبْلَهَا، وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا) لأنَّ النَّوم قبلها قد يؤدِّي إلى إخراجها عن وقتها مطلقًا، أو عن المختار، والسَّمر بعدها قد يؤدِّي إلى النَّوم عن الصُّبح، أو عن وقتها المختار، أو عن قيام اللَّيل، وكان عُمَر بن الخطَّاب رضي الله عنه يضرب النَّاس على ذلك، ويقول: أسهرًا أوَّل اللَّيل ونومًا آخره. وإذا تقرر أنَّ علَّة النَّهي ذلك، فقد يفرِّق فارق بين اللَّيالي الطِّوال والقصار، ويمكن أن تحمل الكراهة على الإطلاق حسمًا للمادَّة، لأنَّ الشيء إذا شرع لكونه مظنَّة قد يستمرُّ فيصير سنَّة، والله أعلم.
(40)
(بَابُ السَّمَرِ فِي الفِقْهِ والخَيْرِ بَعْدَ العِشَاءِ)
أي هذا باب في بيان حكم السَّمَر في الفقه، بأن يتباحثوا فيه، وإنَّما خصَّه بالذكر وإن كان داخلًا في الخير، تنويهًا بذكره وتنبيهًا على قدره.
قوله: (بَعْدَ العِشَاءِ) أي بعد صلاة العشاء، وروى التِّرْمِذي من حديث عُمَر رضي الله تعالى عنه:((أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَسْمرُ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه فِي الأَمر من أَمر المُسْلِمِين)) وقال: حديث حسن.
600 -
قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ صَبَّاحٍ) أي بتشديد الباء الموحَّدة، ويروى الصبَّاح بالألف واللَّام، ويجوز دخول الألف واللَّام على العلم إذا كان في الأصل صفة للمح الوصفيَّة، وهو العطاء، مات سبع ومائتين.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الحَنَفِيُّ) أي عُبَيْد الله بن عبد المجيد، مات سنة أربع وخمسين ومائة.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا قُرَّةُ بنُ خَالِدٍ) أي -بضمِّ القاف وتشديد الرَّاء- السدوسي، مات سنة أربع وخمسين ومائة.
قوله: (انْتَظَرْنَا الحَسَنَ) أي البصري، في باب:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9].
قوله: (وَرَاثَ عَلَيْنَا حتَّى قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ قِيامِه، فَجَاءَ وقالَ: دَعَانَا جِيرَانُنَا هَؤُلَاءِ، ثمَّ قَالَ: قَالَ أَنَسُ) أي ابن مالك رضي الله عنه، ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه القول في خمس مواضع، وفيه أن رواته كلُّهم بصريُّون.
قوله: (نَظَرْنَا النَّبِيَّ عليه السلام، ذَاتَ لَيْلَةٍ حتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيل يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فصلَّى لَنَا، ثمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: ألا إِنَّ النَّاس قَدْ صَلَّوْا ثمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاة مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ) قال الحسن: (وَإِنَّ القَوْمِ لَا يَزَالُوْنَ فِي خَيْرٍ مَا انْتَظَرُوا الخَيْرَ). قال قرَّة: هو من حديث أَنَس عن النَّبِيِّ عليه السلام، مطابقته للترجمة في قوله:(ثُمَّ خَطَبَنَا) هذا الحديث أخرجه مسلم من حديث قرَّة عن قَتَادَة عن أَنَس، والبخاري أبدل قَتَادَة بالحسن.
قوله: (وَرَاثَ عَلَيْنَا) جملة حالية
فعلية وفعلها ماض، فيكون بالواو، ومعنى راث -بالثَّاء المثلَّثة مميز مهموز-: أبطأ، يقال: راث يريث ريثًا.
قوله: (حَتَّى قَرِيْبًا) أي حتَّى كان الزَّمان أو ريثه قريبًا من وقت قيام الحسن، أي الذي جرت عادته بالقعود معهم فيه كلَّ ليلة في المسجد، لأخذ العلم عنه، أو من النَّوم لأجل التهجُّد، ويروى:(حَتَّى قَرُبْنا) من قَرُب يَقْرُب، جملة فعليَّة.
قوله: (جِيْرَانُنَا) -بكسر الجيم- جمع جار، وإنَّما قال الحسن هذه المقالة في معرض الاعتذار عن تخلُّفه عن القعود على عادته.
قوله: (ثُمَّ قَالَ) أي الحسن.
قوله: (نَظَرْنَا النَّبِيَّ عليه السلام وفي رواية الكُشْمِيْهَني: <انْتَظَرْنَا>، وكلاهما بمعنى، والنظر يجيء بمعنى الانتظار.
قوله: (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي في ليلة، والمعنى قطعة من الزمان، وإضافة ذات إلى ليلة من قبيل إضافة المسمَّى إلى الاسم، وهي قليلة لأنَّها تفيد بدون المضاف ما تفيد معه.
قوله: (حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ) شطر بالرَّفع، وكان تامَّة ويجوز أن تكون كان ناقصة.
وقوله: (يَبْلُغُهُ) استئنافًا أو جملة مؤكدة، ومعناه يصل اللَّيل، أو الانتظار إلى الشَّطر، يقال: بلغت المكان بلوغًا، إذا وصلت إليه، وكذلك إذا شارفت عليه وقاربته.
قوله: (مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ) أي مدَّة انتظار الصلاة.
قوله: (فِي خَيْرٍ) ويروى: بخير بالباء، يعني عمم الحسن الحكم في كلِّ الخيرات، وذكر ذلك لأصحابه مؤنسًا لهم ومعرفًا أنَّهم وإن كان فاتهم الأجر على ما يتعلَّمونه منه في تلك اللَّيلة على ظنِّهم فلم يفتهم الأجر مطلقًا، لأن منتظر الخير في خير، فيحصل له الأجر بذلك، قال الكِرْماني: فإن قلت: المنتظر للصلاة جاز له الكلام والأكل ونحوهما، فما معنى كونه في الصلاة؟ قلت: من جهة حصول الثواب له لا من جميع الجهات.
قوله: (قَالَ قُرَّة) أي ابن خالد.
قوله: (هُوَ مِنْ حَدِيْثِ أَنَس) أي قول الحسن: (وَإِنَّ القَوْمَ لَا يَزَالُوْنَ فِي خَيْرٍ
…
) إلى آخره، من حديث أَنَس لا من حديث النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، لأن الحسن لم يصرِّح برفعه ولا بوصله، بخلاف الكلام الأول، فإنه ظاهر أنَّه عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فأراد قرَّة الذي اطلع على كونه في نفس الأمر موصولًا مرفوعًا، أن يعلم من رواه عنه بذلك، قال شيخنا: تنبيه أخرج مسلم وابن خُزَيمَة في صحيحهما عن عبد الله بن الصبَّاح شيخ البخاري، بإسناده هذا، حديثًا خالف البخاري فيه في بعض الإسناد والمتن، فقالا: عن أبي علي الحنفي عن قرَّة بن خالد عن قَتَادَة عن أَنَس قال: (نَظَرْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً، حتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى، قَالَ: فَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى وَبِيضِ خَاتَمِهِ حَلْقَةُ فِضَّةٍ). انتهى.
وأخرجه الإسماعيلي في «مستخرجه» عن عُثْمان بن سهل عن عبد الله بن الصبَّاح، كذلك من رواية قرَّة عن قَتَادة، ولم يُصب في ذلك، فإن الذي يظهر لي أنَّه حديث آخر كان عند أبي علي الحنفي عن قرَّة أيضًا، وسمعه منه عبد الله بن الصبَّاح، كما سمع منه الحديث الآخر عن قرَّة عن الحسن، ويدلُّ على ذلك أنَّ في كلِّ من الحديث ما ليس في الآخر، وقد أورد أبو نُعَيم في «مستخرجه» الحديثين من الطريقين، فأورد حديث قرَّة عن قَتَادَة من طريق، منها عن يزيد بن عُمَر، وعن أبي علي الحنفي، وحديث قرَّة عن الحسن،
من رواية حجَّاج بن نُصَير عن قرَّة، وهو في التحقيق حديث واحد عند أَنَس، اشترك الحسن وقَتَادَة في سماعه منه، واقتصر الحسن على موضع حاجته منه فلم يذكر قصَّة الخاتم، وزاد مع ذلك على قَتَادَة ما لم يذكره، والله أعلم.
601 -
قوله: (حَدَّثَنَا أبُو اليَمَانِ) أي الحكم بن نافع، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (قَاَل: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة الحمصي، ترجمته في البدء أيضًا.
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمَّد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب، ترجمته في باب الحياء من الإيمان.
قوله: (وأبُو بَكْرِ بنُ أبي حَثْمَةَ) أي بفتح الحاء المهملة وسكون الثَّاء المثلَّثة، وهو ينتسب إلى جدِّه، قال شيخنا: نسبه إلى جدِّه، وهو أبو بكر بن سُلَيمان بن أبي حَثْمَة، وقد تقدَّم ذلك في باب السمر بالعلم في كتاب العلم. انتهى.
قوله: (أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ) أي أبوه، ترجمته في كتاب الإيمان.
قوله: (قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ العِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ فَوَهِل النَّاس فِي مقَالَة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى مَا يتحدثون من هَذِه الْأَحَادِيث عن مائة سنة، وإِنّما قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ يُرِيدُ بِذَلِكَ إنَّها تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ).
مطابقته للترجمة في قوله: (فَلَمَّا سَلَّم قَامَ النَّبِيُّ عليه السلام إلى قوله: (فَوَهِلَ النَّاسُ) قال العَيني: روي هذا الحديث في باب السَّمر بالعلم، في كتاب العلم عن سعيد بن عُفَير عن اللَّيث عن عبد الرحمن بن خالد بن مُسافر عن ابن شِهاب عن سالم وأبي بكر بن أبي حَثْمَة أن عبد الله بن عُمَر رضي الله عنهما قال:((صلَّى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء في آخر حياته))، إلى قوله ((أحد))، ومن قوله: (فَوَهِلَ النَّاسُ
…
) إلى آخره، زاده هنا في هذه الرواية.
قوله: (أَرَأَيْتَكُمْ)، معناه أعلموني، والكاف للخطاب ولا محلَّ لها من الإعراب، والميم تدلُّ على الجماعة، وهذه موضعه نصب، والجواب محذوف، والتقدير: أرأيتكم ليلتكم هذه فاحفظوها واحفظوا تاريخها.
قوله: (فَوَهِلَ) -بفتح الهاء وكسرها- أي قال ابن عمر: (فَوَهِلَ النَّاسُ)، قال الجَوْهَري: وَهِل من الشيء وعن الشيء إذا غلط فيه، وَوَهَلَ إليه بالفتح إذا ذهب وهمه إليه وهو يريد غيره، مثل وهم، وقال الخطَّابيُّ: أي توهموا وغلطوا في التأويل، وقال النَّوَوي: يقال وَهَلَ -بالفتح- يِهِلُّ وَهْلًا، كضرب يضرب ضربًا، أي غلط وذهب وهمه إلى خلاف الصواب، وَوَهِلَ -بالكسر- يوهِل وهلًا، كحذر يحذر حذرًا، أي فزع، قال شيخنا: فوهل النَّاس أي غلطوا أو توهَّموا أو فزعوا أو نسوا، والأوَّل أقرب. انتهى.
قوله: (فِي مَقَالَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وفي رواية المُسْتَمْلي والكُشْمِيهَني: <مِنْ مَقَالَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم>.
قوله: (إِلَى مَا يَتَحَدَّثُوْنَ منْ هَذِه الأَحَادِيث) أي حيث يؤوِّلونها بهذه التأويلات الَّتي كانت مشهورة بينهم، مشارًا إليها عندهم في المعنى المراد عن مائة سنة، مثل إنَّ المراد بها انقراض العالم بالكليَّة ونحوه، لأن بعضهم كان يقول: إن السَّاعة تقوم عند انقضاء مائة سنة، كما روى ذلك الطَّبَرَاني وغيره من حديث أبي مسعود البدري، وردَّ عليه علي بن أبي طالب
رضي الله عنه، وعرض ابن عمر: أن النَّاس ما فهموا ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه المقالة، وحملوها على محامل كلِّها أوهام، وبيَّن في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد بذلك انخرام القرن عند انقضاء مائة سنة من مقالته تلك، وهو الذي كان هو فيه بأن ينقضي أهاليه، ولا يبقى منهم أحد بعد مائة سنة، وليس مراده أن ينقرض العالم بالكليَّة، وكذلك وَقَعَ بالاستقراء، فكان آخر من ضبط عمره ممن كان موجودًا حينئذ أبو الطفيل عامر بن واثلة، وقد أجمع أهل الحديث على أنَّه كان آخر الصحابة موتًا، وغاية ما قيل فيه إنَّه بقي إلى سنة عشر ومائة، وهي رأس مائة سنة من مقالة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذا إعلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أعمار أمَّته ليست تطول كأعمار من تقدَّم من الأمم السالفة، ليجتهدوا في العمل.
قوله: (يُرِيْدُ) أي يريد النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، (بِذَلِكَ) أي بقوله هذا، (أَنَّهَا) أي مائة سنة يعني مضيها.
قوله: (تَخْرِمُ) من الإخرام بالخاء المعجمة.
قوله: (ذَلِكَ القَرْنَ) أي القرن الذي هو فيه، والقرن -بفتح القاف- كلُّ طبقة مقترنين في وقت، ومنه قيل لأهل كلِّ مدَّة أو طبقة بعث فيها نبي قرن، قلَّتِ السنون أو كثرت.
ومما يستنبط من هذا الحديث والذي قبله، أنَّ السَّمر المنهي عنه بعد العشاء، إنَّما هو فيما لا ينبغي، وكان ابن سيرين والقاسم وأصحابه يتحدَّثون بعد العشاء يعني في الخير، وقال مجاهد: يكره السَّمر بعد العشاء إلَّا لمصلٍّ أو مسافرٍ أو دارس علم.
(41)(بَابُ السَّمَرِ مَعَ الأَهْلِ وَالضَّيْفِ) أي هذا باب في بيان السَّمر مع الأهل، وأهل الرجل خاصَّته وعياله وحاشيته، فإن قلت: ما وجه إفراد هذا الباب من الباب السَّابق مع اشتماله عليه ودخوله فيه، قال علي بن المنيِّر: ما محصَّله: اقتطع البخاري هذا الباب من باب السَّمر في الفقه والخير لانحطاط رتبته عن مسمَّى الخير، لأنَّ الخير متمحِّض للطاعة، لا يقع على غيرها، وهذا النوع من السَّمر خارج عن أصل الضيافة والصلة المأمور بهما، فقد يكون مستغنى عنه في حقِّهما، فليلتحق بالسَّمر الجائز والمتردد بين الإباحة والندب.
602 -
قوله: (حَدَّثَنَا أَبو النُّعْمَانِ) أي محمَّد بن الفضل السَّدُوسي، ترجمته في باب قول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ) أي التَّيْمي، ترجمته في باب من خص بالعلم قومًا.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي) أي سُلَيمان بن طَرْخان، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أبُو عُثْمَانَ) أي عبد الرحمن بن ملّ بن عَمْرو النَّهْدي، مات سنة خمس وتسعين، وهو ابن ثلاث ومائة سنة، وكان قد أدرك الجاهلية تقدَّم في باب الصَّلاة كفَّارة.
قوله: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي بَكْرٍ) أي الصِّدِّيق رضي الله عنهما، ترجمته في باب نوم الرجال في المسجد.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في أربع مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول في ثلاث مواضع، وفيه راوٍ من المخضرمين، وهو أبو عُثْمان، وفيه رواية الصحابي عن الصحابي ابن الصحابي، وهو عبد الرحمن.
قوله: (إَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ، كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِعَشَرَةٍ، قَالَ: فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ: وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتِ العِشَاءُ، ثمَّ رَجَعَ، فَلَبِثَ حتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيل مَا شَاءَ اللهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ قَالَ: أَوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ فَجَذَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا، فَقَالَ: وَاللهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللهِ، مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا قَالَ: شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي، لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مراتٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إنَّما كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيطان يَعْنِي يَمِينَهُ ثمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ).
مطابقته للترجمة تؤخذ من قول أبي بكر رضي الله عنه لزوجته: أو ما عشيتهم، ومراجعته لخبر الأضياف، وقوله لأضيافه: كلوا، وكلُّ ذلك في معنى السَّمر المباح، هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في علامات النُّبوَّة، عن موسى بن إسماعيل، وفي الأدب عن أبي موسى محمَّد بن المثنَّى، وأخرجه مسلم في الأطعمة عن عُبَيْد الله بن معاذ وحامد بن عُمَر ومحمَّد بن عبد الأعلى وعن محمَّد بن مثنَّى، وأخرجه أبو داود في الكفَّارة والنُّذُور عن محمَّد بن مثنَّى وعن مؤمَّل بن هشام.
قوله: (إِنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ) قال النَّوَوي: هم زهَّاد من الصحابة فقراء غرباء، كانوا يأوون إلى مسجد النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وكانت لهم في آخره صفَّة، وهي مكان مقتطع من المسجد مظلل عليه، يبيتون فيه وكانوا يقلُّون ويكثرون، وفي وقت كانوا سبعين، وفي وقت غير ذلك، فيزيدون بمن يقدم عليهم، وينقصون بمن يموت أو يسافر أو يتزوج، وفي التلويح الصفَّة: موضع مظلل في المسجد كان للمساكين والغرباء، وهم الأوفاض أي الفرق والأخلاط من النَّاس، يأوون إليه، وعد منهم أبو نُعَيم في «الحلية» مائة ونيفًا.
قوله: (كَانُوا أُنَاسًا) وفي رواية الكُشْمِيهَني: <كَانُوا نَاسًا> بلا ألف، والنَّاس والأناس بمعنى واحد، قلت: النَّاس هم الجماعة من الحيوان المتميِّزة بالصور الإنسانيَّة. انتهى.
قوله: (فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ) أي من أصحاب الصُّفة، هذا هو الصَّواب وهو الأصحُّ من رواية مسلم فليذهب بثلاثة، لأنَّ ظاهرها صيرورتهم خمسة، وحينئذ لا يمسك رمق أحد، بخلاف الواحد مع الاثنين، وقال القُرْطُبي: لو حملَ رواية مسلم على ظاهرها فسد المعنى، وذلك أن الذي عنده طعام اثنين إذا أكله في خمسة لم يكف أحدًا منهم ولا يمسك رمقه، بخلاف الواحد، قال النَّوَوي: والذي في مسلم أيضًا له وجه تقديره وليذهب بمن يتم ثلاثة أو بتمام ثلاثة، كما قال تعالى:{وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} [فصلت: 10] أي في تمام أربعة أيام، وقال ابن العَرَبي: لم يقل عليه السلام أنَّ طعام الاثنين يشبع الثلاثة،
إنَّما قال يكفي وهو غير الشِّبَع، وكانت المواساة إذ ذاك واجبة لشدة الحال. انتهى. قلت: قد وَقَعَ الشبع وزاد الطعام في قصَّة أضياف أبي بكر الكرام، فلو ذهب المضيف بأكثر من خمسة وعنده طعام اثنين لكفاهم، لبركة إشارته، وإجابة أمره، وقنع الأضياف الزهاد، وتسميتهم على طعامه، فلا استبعاد بقضيَّة الأمر المعتاد. انتهى.
قوله: (وإنْ أرْبَعٌ فَخَامِسٌ أوْ سَادِسٌ) أي وإن كان عنده طعام أربع فليذهب بخامس أو بسادس، هذا وجه الجرِّ في خامس أو سادس، ويروى برفعهما فوجهه كذلك، لكن بإعطاء المضاف إليه وهو أربع، إعراب المضاف وهو طعام، وبإضمار مبتدأ للفظ خامس، وفي رواية مسلم من كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس بسادس، وقال الكِرْماني: فإن قلت: كيف يتصوَّر السادس إذا كان عنده طعام أربع؟ قلت: معناه فليذهب بخامس أو بسادس مع الخامس، والعقل يدلُّ عليه، إذ السادس يستلزم خامسًا، فكأنه قال: فليذهب بواحدٍ أو باثنين، والحاصل أن أو لا يدلُّ على منع الجمع بينهما، ويحتمل أن يكون معنى أو سادس، وإن كان عنده طعام خمس فليذهب بسادس، فيكون من باب عطف الجملة على الجملة، وقال ابن مالك: هذا الحديث مما حذف فيه بعد أن والفاء فعلان وحرفا جرٍّ باقٍ عملهما، وتقديره وإن قام أربعة فليذهب بخامس أو سادس، وفي التوضيح: كلمة أو للتنويع، وقيل: للإباحة.
قوله: (وانْطَلَقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قال: هنا انطلق، وعن أبي بكر: (جَاءَ) لأنَّ المجيء هو المشي المقرب إلى المتكلِّم، والانطلاق المشي المبعد عنه.
قوله: (قَالَ) أي عبد الرحمن، <فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي> هذه رواية الكُشْمِيهَني، وفي رواية المُسْتَمْلي <فَهُوَ أَنَا وَأُمِّي>.
وقوله: (هُوَ) ضمير الشأن، وأنا مبتدأ، وأبي وأمي عطف عليه، والخبر محذوف يدلُّ عليه الشأن.
قوله: (ولَا أدْرِي) كلام أبي عُثْمان النَّهْدي الراوي.
قوله: (وخَادِمٌ) بالرفع عطف على امرأتي على تقدير أن يكون لفظ امرأتي موجودًا فيه، وإلَّا فهو عطف على أمَّي.
قوله: (بَيْنَ بَيْتِنا وَبَيْتِ أَبِي بِكْرٍ) هكذا هو في رواية أبي ذرٍّ، والرواية المشهورة:((بيننا وبين أبي بكر))، يعني مشتركة خدمتها بيننا وبين أبي بكر.
قوله: (بَيْنَ) ظرف لخادم.
قوله: (تَعَشَّى) أي أكل العشاء، وهو بفتح العين، الطعام الذي يؤكل آخر النّهار.
قوله: (ثُمَّ لَبِثَ) أي في داره.
قوله: (حَتَّى صُلِّيَتِ) بلفظ المجهول، وهذه رواية الكُشْمِيهَني، يعني لفظ <حَتَّى>، وفي رواية غيره: <حَيْث صُلِّيَت>.
قوله: (العِشَاءُ) أي صلاة العشاء.
قوله: (ثُمَّ رَجَعَ) أي أتى إلى رسول الله، وفي صحيح الإسماعيلي: ثمَّ ركع بالكاف، أي صلَّى النافلة بعد العشاء، يدلُّ هذا على أنَّ قول البخاري: ثمَّ رجع ليس مما اتَّفق عليه الرواة.
قوله: (حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وعند مسلم: ((حتَّى نعس النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم).
قوله: (قَالَتْ لَهُ) أي لأبي بكر، امرأته وهي أمُّ رومان -بضمِّ الرَّاء وفتحها- وقال السُّهَيلي: اسمها دَعْد، وقال غيره: زينب، وهي من بني فراس
بن غَنْم بن مالك بن كِنانة.
قوله: (أَوْ ضَيْفِكَ) شكٌّ من الراوي، وقال الكِرْماني: قوله (ضَيْفِكَ)، فإن قلت: هم كانوا ثلاثة، فلم أفرد؟ قلت: هو لفظ الجنس يطلق على القليل والكثير، أو مصدر يتناول المثنى والجمع، قال العَيني: بُني هذا السؤال على أن نسخته كانت ضيفك، بدون قوله أضيافك، لكن قوله:(أو) مصدر غير صحيح لفساد المعنى.
قوله: (أَوَ مَا عَشَّيْتِهِمْ؟) الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدَّر بعد الهمزة، ويروى:((عشيتيهم)) بالياء الحاصلة من إشباع الكسرة.
قوله: (أَبَوْا) أي امتنعوا وامتناعهم من الأكل رفقًا به، لظنِّهم إنَّه لا يجد عشاء، فصبروا حتَّى يأكل معهم.
قوله: (قَدْ عَرَضُوا) -بفتح العين- أي الأهل والمرأة والخادم، وفي رواية: <فَعَرَضْنَا> عليهم، ويروى: <عَرَصُوا> -بالصَّاد المهملة- وقال ابن التِّين: لا أعلم له وجهًا، ويحتمل أن يكون من عرص إذا نشط، فكأنَّ أهل البيت نشطوا في العزيمة عليهم، وقال الكِرْماني: وفي بعض النُّسخ بضمِّ العين، أي عُرض الطعام على الأضياف، فحذف الجار وأوصل الفعل، إذ هو من باب القلب، نحو عرضت الحوض على النَّاقة.
قوله: (فَذَهَبْتُ) أي قال عبد الرحمن.
قوله: (فَاخْتَبَأْتُ) أي اختفيت، وكان اختفاؤه خوفًا من خصام أبيه، لأنَّه لم يكن في المنزل من الرجال غيره، أو لأنَّه أوصاه بهم.
قوله: (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يا غُنْثَرُ) -بضمِّ الغين المعجمة وسكون النُّون وفتح الثاء المثلثة وضمِّها أيضًا- قال ابن قُرْقُول: معناه يا لئيم يا دنيء، وقيل: الثَّقيل الرخم، وقيل: الجاهل، من الغثارة وهي الجهل، والنُّون زائدة، وقيل: مأخوذ من الغثر وهو السُّقوط، وقال عياض: وعن بعض الشيوخ: يا عَنْتَر -بفتح العين المهملة وسكون النُّون وفتح التَّاء المُثَنَّاة من فوق- وهو الذُّباب الأزرق، شبَّهه به تحقيرًا له، والأوَّل هي الرواية المشهورة، قاله النَّوَوي.
قوله: (فجَدَّعَ) -بفتح الجيم وتشديد الدَّال المهملة، وفي آخره عين مهملة- أي دعا بالجدع وهو قطع الأنف أو الأذن أو الشفَّة وهو بالأنف أخصُّ، وقيل: معناه السبُّ، وقال القُرْطُبي: فيه البعد لقوله فجدَّع وسبَّ، قال ابن قُرْقُول: وعند المَرْوَزي بالزَّاي، قال: وهو وهم، وقال القُرْطُبي: وكل ذلك من أبي بكر رضي الله عنه على ابنه، ظنًا منه إنَّه فرط في حق الأضياف، فلمَّا تبيَّن له أنَّ ذلك كان من الأضياف أدبَّهم بقوله: كلُّوا لا هنيئًا، وحلف أن لا يطعمه، وقيل: إنَّه ليس بدعاء عليهم إنَّما خبر، أي لم تتهنوا به في وقته، وقال السَّفَاقُسي: إنَّما خاطب بذلك أهله لا أضيافه، وهنيئًا منصوب على أنَّ فعله محذوف واجب حذفه في السَّماع والتقدير، هنَّاك الله هنيئًا، وههنا دخل عليه حرف النَّفي.
قوله: (وَايْمُ الله) مبتدأ وخبره محذوف، أي وايم الله قسمي، وهمزته همزة وصل لا يجوز فيها القطع عند الأكثرين، والأصل فيه يمين الله ثمَّ جمع اليمين على أيمن، ولما كثر استعماله في كلامهم خفَّفوا بحذف النُّون فقالوا: ايم الله، وفيه لغات قد ذكرناها في باب الصعيد الطَّيِّب وضوء المسلم.
قوله: (إلَاّ رَبَا) أي زاد.
قوله: (وَصَارَتْ) الأطعمة.
قوله: (أكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ) بالثَّاء المثلَّثة ويروى بالباء الموحَّدة.
قوله: (فإذَا هِي كَمَا هِيَ) أي فإذا الأطعمة
كما هي على حالها لم تنقص شيئًا، والفاء فيه فاء المفاجأة.
قوله: (فَقَالَ لاِمْرَأَتِهِ) أي قال أبو بكر لزوجته، وهي أمُّ عبد الرحمن أمُّ رُوْمَان.
قوله: (يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ) إنَّما قال كذلك لأنَّها بنت عبد دُهمان -بضمِّ الدَّال المهملة وسكون الهاء- أحد بني فراس بن غَنْم بن مالك بن كنانة كما ذكرنا عن قريب، وقال النَّوَوي: معناه يا من هي من بني فراس.
قوله: (مَا هَذَا؟) استفهام من أبي بكر عن حال الأطعمة.
قوله: (قَالَتْ: لا وَقُرَّةِ عَيْنِي) كلمة لا زائدة للتأكيد، ونظائره مشهورة، ويحتمل أن تكون نافية وثمة محذوف، أي لا شيء غير ما أقول، وهو قولها: قرَّة عيني، والواو فيه واو القسم، وقرَّة العين بضمِّ القاف وتشديد الرَّاء، يعبَّر بها عن المسرَّة ورؤية ما يحبُّ الإنسان، قيل: إنَّما قيل ذلك لأن عينه تقرُّ لبلوغه أمنيته، ولا تَسْتَشْرِف لشيء فيكون مشتقًّا من القرار، وقيل: مأخوذ من القُرِّ -بضمِّ القاف- وهو البرد، أي إنَّ عينه باردة لسرورها وعدم تلفتها، وقال الأَصْمَعي: أقرَّ الله عينه، أي أبرد دمعه، لأنَّ دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارَّة، وقال الدَاوُدي: أرادت بقرَّة عينها النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فأقسمت به، وقال ثعلب: تقول قررت به عينًا أقرُّ، وفي «الغريب المصنَّف» و «الإصلاح» : قَرِرْت وقَرَرْت قُرَّةً وقَرُورًا، وفي كتاب المثنى لابن عديس: وقَرّةً، وحكاها ابن سِيدَه، وفي «الصِّحاح» : يقِرُّ وتقرُّ وأقرَّ الله عينه، أعطاه حتَّى يقرَّ فلا يطمح إلى من هو فوقه، وقال ابن خالويه: ضحكت فخرج من عيني ماء قرور وهو البارد، وهو ضدُّ أسخن الله عينه، قال القزَّاز وقال أبو العبَّاس: ليس كما ذكر الأَصْمَعي من أن دمعة الفرح باردة والحزن حارَّة، قال: بل كلُّ دمع حارٍّ، قالوا: ومعنى قولهم هو قرَّة عيني، إنَّما يريدون هو رضى نفسي، قال: وقرَّة العين ناقة تؤخذ من المغنم قبل أن تقسم فيطبخ لحمها ويصنع، فيجتمع أهل العسكر عليه فيأكلون منه قبل القسمة، فإن كان من هذا فكأنه دعا له بالفرج والغنيمة، وفي الكتاب الفاخر: قال أبو عمرو: معناه أنام الله عينك، المعنى صادف سرورًا أذهب سهره فنام، وحكى القالي: أقرَّ الله عينك وأقرَّ الله بعينك.
قوله: (فأَكَلَ مِنْهَا) أي من الأطعمة.
قوله: (إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيطان يَعْنِي يَمِينَهُ) وهو قوله والله لا أطعمه أبدًا.
قوله: (ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً) وتكرار الأكل مع إنَّه واحد لأجل البيان، لأنَّه لما وَقَعَ الأوَّل أراد رفع الإبهام، بأنه أكل لقمة، وأما تركه اليمين ومخالفته لأجل إتيانه بالأوصل للحديث الذي ورد فيه، أو كان مراده لا أطعمه معكم، أو في هذه السَّاعة أو عند الغضب، وهذا مبني على أنَّه يقبل التقييد إذا كان اللَّفظ عامًّا، وعلى أن الاعتبار بعموم اللَّفظ أو بخصوص السبب.
قوله: (إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ) وفي رواية الأولى من الشَّيطان يعني يمينه، فأخزاه بالحنث الذي هو خير، وفي بعض الروايات لما جاء بالقصعة إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أكل فيها.
قوله: (فأصْبَحَتْ عِنْدَهُ) أي أصبحت الأطعمة عند النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
قوله: (عَقْدٌ) أي عهد مهادنة، وفي رواية: وكانت بيننا، والتأنيث