المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(باب وقت الظهر عند الزوال) - مزيد فتح الباري بشرح البخاري - مخطوط

[إبراهيم بن علي النعماني]

فهرس الكتاب

- ‌(بَابُ قَدْرِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُوْنَ بَيْنَ المُصَلِّي وَالسُّتْرَةِ)

- ‌(بَابُ الصَّلاة إِلى الحَرْبَةِ)

- ‌(بَابُ الصَّلاة إِلى العَنَزَةِ)

- ‌(بَابُ السُّترَةِ بِمَكَّةَ وَغَيرِهَا)

- ‌(بابُ الصَّلاة إِلى الأُسْطُوَانَةِ)

- ‌(بابُ: الصَّلاة بَينَ السَّواري في غَيرِ جَماعَةٍ)

- ‌(بَابُ الصَّلاة إِلى الرَّاحِلَةِ وَالبَعِيرِ وَالشَّجَرِ وَالرَّحْلِ)

- ‌(بَابُ الصَّلاة إِلَى السَّرِيْرِ)

- ‌(بَابٌ يَرُدُّ المُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَينَ يَدَيِهِ)

- ‌(بَابُ إِثمِ المَارِّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي)

- ‌(بَابُ الصَّلاة خَلْفَ النَّائِمِ)

- ‌(بَابُ التَّطَوُّعِ خَلْفَ المَرْأَةِ)

- ‌(بَابُ مَنْ قَالَ لَا يَقْطَعُ الصَّلاة شَيْءٌ)

- ‌(بَابٌ إِذَا صَلَّى إِلَى فِرَاشٍ فِيهِ حَائِضٌ)

- ‌(بَابٌ هَلْ يَغْمِزُ الرَّجُلُ امْرَأَتِهِ عِندَ السُّجود لِكَي يَسْجُدَ)

- ‌(بابٌ المرأَةُ تَطْرَحُ عَنِ المُصَلِّي شَيئًا مِنَ الأَذَى)

- ‌كتابُ مواقيتِ الصَّلاةِ

- ‌(بابُ {مُنِيْبِيْنَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوْهُ وَأَقِيْمُوا الصَّلاة وَلَا تَكُوْنُوا مِنَ المُشْرِكِينَ}

- ‌(بَابُ البَيْعَةِ عَلَى إِقامَةِ الصَّلَاةِ)

- ‌(بَابٌ الصَّلاة كَفَّارَةٌ)

- ‌(بَابُ فَضْلِ الصَّلاة لَوَقْتِهَا)

- ‌(بَابٌ الصَّلوات الخَمْسُ كَفَّارَةٌ

- ‌(بابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ)

- ‌(بَابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ)

- ‌(بَابُ وقت الظُّهر عِنْدَ الزَّوَالِ)

- ‌(بَابُ تَأْخِيْرِ الظُّهْرِ إِلَى العَصْرِ)

- ‌(بَابُ وَقْتِ العَصْرِ)

- ‌(بَابُ وَقْتِ العَصْرِ)

- ‌(بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ العَصْرِ)

- ‌(بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ الغُرُوْبِ)

- ‌(بابُ وَقْتِ المَغْرِبِ)

- ‌(بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلمَغْرِبِ: العِشَاءَ)

- ‌(بَابُ ذِكْرِ العِشَاءِ وَالعَتَمَةِ وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا)

- ‌(بَابُ وَقْتِ العِشَاءِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاس أَوْ تَأَخَّرُوا)

- ‌(بَابُ فَضْلِ العِشَاءِ)

- ‌(بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّوم قَبْلَ العِشَاءِ)

- ‌(بَابُ النَّوم قَبْلَ العِشَاءِ لِمَنْ غُلِبَ)

- ‌(بَاب وَقْتِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ)

- ‌(بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ

- ‌(بَاب وَقْتِ الفَجْرِ)

- ‌(بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الفَجْرِ رَكْعَةً)

- ‌(بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلاة رَكْعَةً)

- ‌(بَابُ الصَّلاة بَعْدَ الفَجْرِ حتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ)

- ‌(بَابُ لَا يُتَحَرَّى الصَّلاة قَبْلَ غُرُوْبِ الشَّمْسِ)

- ‌(بَابُ مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلاة إلَّا بَعْدَ العَصْرِ وَالفَجْرِ)

- ‌(بَابُ الأَذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ)

- ‌(بَابُ مَنْ صَلَّى بالنَّاسِ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ)

- ‌(بَابُ قَضَاءِ الصَّلوات الأُوْلَى فَالأُوْلَى)

- ‌(بَابُ مَا يُكْرَهُ منَ السَّمَرِ بَعْدَ العِشَاءِ)

- ‌(بَابُ السَّمَرِ فِي الفِقْهِ والخَيْرِ بَعْدَ العِشَاءِ)

- ‌كِتَابُ الأَذَانِ

- ‌(بَابُ الأَذَانِ مَثْنَى مَثْنَى)

- ‌(بَابُ الإِقَامَةُ وَاحِدَةٌ إلَّا قَوْلَهُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ)

- ‌(بَابُ فَضْلِ التَّأذِينِ)

- ‌(بابُ رَفْعِ الصَّوت بالنِّدَاءِ)

- ‌(بَابُ مَا يُحْقَنُ بِالأَذَانِ مِنَ الدِّمَاءِ)

- ‌(بابُ ما يَقولُ إِذا سَمِعَ المنادِيَ)

- ‌(بابُ الدُّعاءِ عِندَ النّداءِ)

- ‌(بَابُ الِاسْتِهَامِ فِي الأَذَانِ)

- ‌(بَابُ الكَلَامِ فِي الأَذَانِ)

- ‌(بَابُ أَذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُخْبِرُهُ)

- ‌(بَابُ الأَذَانِ بَعدَ الفَجْرِ)

- ‌ بَابُ الأَذَانِ قَبْلَ الفَجْرِ

- ‌ بَابٌ: كَمْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وَمَنْ يَنْتَظِرُ الإِقَامَةَ

- ‌ بَابُ مَنِ انْتَظَرَ الإِقَامَةَ

- ‌ بَابٌ: بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ لِمَنْ شَاءَ

- ‌ بَابُ مَنْ قَالَ: لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ

- ‌ بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ

- ‌ بَابٌ: مَتَى يَقُومُ النَّاسُ، إِذَا رَأَوُا الْإِمَامَ عِنْدَ الْإِقَامَةِ

- ‌ بَابٌ: هَلْ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ لِعِلَّةٍ

- ‌ بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: مَا صَلَّيْنَا

- ‌ بَابُ الإِمَامِ تَعْرِضُ لَهُ الحَاجَةُ بَعْدَ الإِقَامَةِ

- ‌ بَابُ الكَلَامِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ

- ‌(بَابُ وُجُوبِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ)

- ‌باب فضل صلاة الجماعة

- ‌ بابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ

- ‌ باب احتساب الآثار

- ‌ باب فضل صلاة العشاء في الجماعة

- ‌ باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد

- ‌ باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح

- ‌ باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة

- ‌(بابُ حَدِّ الْمَرِيضِ أنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ)

- ‌(بَابُ الرُّخْصَةِ فِي المَطَرِ وَالعِلَّةِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي رَحْلِهِ)

- ‌(بَابٌ: هَلْ يُصَلِّي الإِمَامُ بِمَنْ حَضَرَ

- ‌(بَابٌ: إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ)

- ‌(بَابٌ: إِذَا دُعِيَ الإِمَامُ إِلَى الصَّلَاةِ وَبِيَدِهِ مَا يَأْكُلُ)

- ‌(بَابٌ: مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَهْلِهِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَخَرَجَ)

- ‌(بَابٌ: مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ لَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يُعَلِّمَهُمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ

- ‌(بَابٌ: أَهْلُ العِلْمِ وَالفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ)

- ‌(بَابُ مَنْ قَامَ إِلَى جَنْبِ الإِمَامِ لِعِلَّةٍ)

- ‌(بَابُ مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاسَ، فَجَاءَ الإِمَامُ الأَوَّلُ، فَتَأَخَّرَ الأَوَّلُ

- ‌(بَابٌ: إِذَا اسْتَوَوْا فِي القِرَاءَةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ)

- ‌(بَابُ إِذَا زَارَ الإِمَامُ قَوْمًا فَأَمَّهُمْ)

- ‌(بَابٌ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ)

- ‌(بابٌ: مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ

- ‌(بَابُ إِثْمِ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ)

- ‌(بَابُ إِمَامَةِ العَبْدِ وَالمَوْلَى)

- ‌(بَابُ إِذَا لَمْ يُتِمَّ الإِمَامُ وَأَتَمَّ مَنْ خَلْفَهُ)

- ‌(بَابُ إِمَامَةِ المَفْتُونِ وَالمُبْتَدِعِ)

- ‌(بَابٌ: يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ، بِحِذَائِهِ سَوَاءً إِذَا كَانَا اثْنَيْنِ)

- ‌(بَابٌ: إِذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ، فَحَوَّلَهُ الإِمَامُ إِلَى يَمِينِهِ

- ‌(بَابُ تَخْفِيفِ الإِمَامِ فِي القِيَامِ، وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)

- ‌(بَابٌ: إِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ)

- ‌(بَابُ مَنْ شَكَا إِمَامَهُ إِذَا طَوَّلَ)

- ‌(بَابُ مَنْ أَخَفَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ بُكَاءِ الصَّبِيِّ)

- ‌(بَابُ إِذَا صَلَّى ثُمَّ أَمَّ قَوْمًا)

- ‌(بَابُ مَنْ أَسْمَعَ النَّاسَ تَكْبِيرَ الإِمَامِ)

- ‌(بَابٌ: الرَّجُلُ يَأْتَمُّ بِالإِمَامِ وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِالْمَأْمُومِ)

- ‌(بَابٌ: هَلْ يَأْخُذُ الإِمَامُ إِذَا شَكَّ بِقَوْلِ النَّاسِ

- ‌(بَابُ إِقْبَالِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ، عِنْدَ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ)

- ‌(بَابُ الصَّفِّ الأَوَّلِ)

- ‌(بَابٌ: إِقَامَةُ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ)

- ‌(بَابُ إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ)

- ‌(بَابُ إِلْزَاقِ المَنْكِبِ بِالْمَنْكِبِ وَالقَدَمِ بِالقَدَمِ فِي الصَّفِّ)

- ‌(بَابٌ: إِذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ، وَحَوَّلَهُ الإِمَامُ، خَلْفَهُ إِلَى يَمِينِهِ

- ‌(بابُ مَيمَنَةِ المسجِدِ وَالإِمامِ)

- ‌ باب صلاة الليل

الفصل: ‌(باب وقت الظهر عند الزوال)

من البعد.

وقال الكِرْماني: أقول: لا نُسلِّم اجتماعهم؛ لأنَّ العادة في القوافل سيَّما في العساكر الكثيرة تفرُّقهم في أطراف المنزل لمصالح مع التخفيف على الأصحاب وطلب المرعى وغيره، خصوصًا إذا كان فيه سلطان جليل القدر فإنهم يتباعدون عنه احترامًا وتعظيمًا له.

قال العَيني: هذا ليس برد موجه لكلام التِّرْمِذي؛ فإنَّ كلامه على الغالب، والغالب في المسافرين اجتماعهم في موضع واحد؛ لأنَّ السَّفر مظنة الخوف، سيَّما إذا كان عسكر خرجوا لأجل الحرب مع الأعداء. انتهى.

وقال شيخنا: وأيضًا فلم تجر عادتهم باتخاذ خباء كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرَّقون في ظلال الشجر وليس هناك كنٌّ يمشون فيه، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعي، وغايته إنَّه استنبط من النصِّ العامِّ معنى يخصَّصه. انتهى.

قال العَيني: هذا أكثر بعدًا من كلام الكِرْماني؛ لأنَّ فيه إسقاط العمل بعموم النصوص الواردة في الإبراد بالظُّهر بأشياء ملفقة من الخارج، وقوله: وليس في سياق الحديث إلى آخره غيرُ صحيح؛ لأنَّ الخلاف لظاهر الحديث صريح لا يخفى لأنَّ ظاهره عامَّ، والتقييد بالمسجد الذي ينتاب أهله من البعد خلافُ ظاهرِ الحديث، والاستنباط من النصِّ العامِّ معنى يخصص لا يجوز عند الأكثرين، ولئن سلَّمنا فلا بدَّ من دليل للتخصيص ولا دليل لذلك ههنا. انتهى.

قلت: غالب ما ذكره العَيني ههنا قد تقدَّم في باب الإبراد بالظُّهر في شدَّة الحرِّ، وكذا بعض ما ذكره شيخنا، وقول العَيني: ولا دليل لذلك ههنا غيرُ مُسَلَّم؛ لأنَّ الدِّليل مراعاة المعنى، فإن قال: أردت بالدَّليل النصَّ من الشَّارع قلنا: فإذًا لا يكون هذا من باب الاستنباط وإنما هو من حمل المطلق على المقيَّد. انتهى.

قوله: (وَقالَ ابنُ عَبَّاسٍ) أي عبد الله.

قوله: (في تَفسِيْرِ قَولِهِ تَعَالى: {يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ} [النحل: 48] : أنَّ مَعْنَاهُ تَتَمَيَّلُ) كأنَّه أراد أنَّ الفيء سُمِّي بذلك؛ لأنَّه ظلٌّ مالَ من جهة إلى أخرى، وقال الجَوْهَري: تفيأت الظِّلال، أي تقلَّبت، ويتفيأ بالياء آخر الحروف، أي وفاعله محذوف تقديره: يتفيأ الظِّلَّ، ويروى:{تتفيأ} بالتاء المُثَنَّاة من فوق، أي الظِّلال، قال شيخنا: في روايتنا بالمُثَنَّاة الفوقانيَّة، والقراءتان شهيرتان.

وهذا التعليق في رواية المُسْتَمْلي وكريمة، وقد وصله ابن أبي حاتم في «تفسيره» ، ومناسبته ذكر هذا عن ابن عبَّاس لأجل ما في حديث الباب من قوله:(حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ).

(11)

(بَابُ وقت الظُّهر عِنْدَ الزَّوَالِ)

أي هذا باب، ويجوز في باب التنوين على أنَّه خبر مبتدأ محذوف كما قدَّرنا، ويجوز أن يكون بالإضافة والتقدير: هذا باب يذكر فيه أنَّ وقت الظُّهر - أي ابتداؤه - عند زوال الشَّمس عن كبد السَّماء وميلها إلى جهة الغرب.

قال شيخنا: وأشار بهذه الترجمة إلى الردِّ على من زَعَمَ من الكوفيين: أنَّ الصَّلاة لا تجب بأوَّل الوقت كما سيأتي.

قوله: (وَقَالَ جَابِرٌ) أي ابن عبد الله رضي الله عنه (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِالهَاجِرَةِ).

هذا التعليق طرف من حديث جابر ذكره البخاري موصولًا

ص: 55

في باب وقت المغرب، رواه عن محمَّد بن بشَّار وفيه:((فَسَأَلْنَا جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِالهَاجِرَةَ)) والهَاجِرَةَ: نصف النَّهار عند اشتداد الحرِّ، ولا يعارض هذا حديث الإبراد؛ لأنَّه ثبت بالفعل، وحديثُ الإبراد بالفعل والقول فيرجَّح على ذلك، وقيل: إنَّه منسوخ بحديث الإبراد؛ لأنَّه متأخِّر عنه، وقال البَيْضاوي: الإبراد تأخير الظُّهر أدنى تأخير بحيث يقع الظلُّ، ولا يخرج بذلك عن حدِّ التهجير؛ فإن الهاجرة تُطلق على الوقت إلى أن تفوت العصر، قال العَيني: بأدنى التأخير لا يُحصل الإبراد، ولم يقل أحد: إنَّ الهاجرة تمتدُّ إلى قرب العصر.

540 -

قوله: (حَدَّثَنا أَبو اليَمَانِ) أي الحكم بن نافع.

قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة.

قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمَّد بن مسلم.

قوله: (قَالَ: أَخْبَرَني أَنَس بنُ مَالِكٍ) أي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله: (أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ حِيْنَ زَاغَتِ الشَّمس فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلى المِنْبَرِ فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيْهَا أُمُوْرًا عِظَامًا ثمَّ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَليَسْأَلْ، فَلَا تَسْأَلُوْنِي عَنْ شَيْءٍ إلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي. فَأَكْثَرَ النَّاس في البُكَاءِ، وَأَكثَرَ أَنْ يَقُوْلَ: سَلُوْنِي، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ رضي الله عنه فَقالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ. ثمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُوْلَ: سَلُوْنِي، فَبَرَكَ عُمَر رضي الله عنه عَلى رُكبَتَيهِ فَقالَ: رَضِيْنَا بِاللهِ رَبًّا وَبِالإِسلامِ دِيْنًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسَكَتَ ثمَّ قَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الجنَّة وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذا الحَائِطِ فَلَمْ أَرَ كَالخَيْرِ وَالشَّرِّ).

مطابقته للترجمة في قوله: (خَرَجَ حِيْنَ زَاغَتِ الشَّمس فَصَلَّى الظُّهْرَ) وهذا الإسناد بعينه مضى في كتاب العلم في باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدِّث، ومتن الحديث أيضًا مختصرًا، والزيادة هنا من قوله:(خَرَجَ حِيْنَ زَاغَتِ الشَّمْسُ) إلى قوله: (فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بنُ حُذَافَةَ) وكذا قوله: (ثُمَّ قَالَ: عُرِضَتْ) إلى آخره.

قال شيخنا: وسيأتي الكلام على فوائده مستوعَبًا إن شاء الله تعالى في كتاب الاعتصام.

قوله: (حِيْنَ زَاغَتِ) أي حين مالت، وفي رواية التِّرْمِذي بلفظ:((زالَتِ)) والغرض منه هنا صدر الحديث وهو قوله: (خَرَجَ حِيْنَ زَاغَتِ الشَّمس فَصَلَّى الظُّهْرَ) فإنَّه يقتضي أنَّ أوَّل زوال الشَّمس أوَّل وقت الظهر، إذ لم يُنقل إنَّه صلى الله عليه وسلم صلَّى قبله، وهذا هو الذي استقر عليه الإجماع، وكان فيه خلاف قديم عن بعض الصحابة: إنَّه جوَّز صلاة الظُّهر قبيل الزوال، وعن أحمد وإسحاق مثله في الجمعة كما سيأتي في بابه.

وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّ أوَّل وقت الظُّهر زوال الشمس، وذكر ابن بطَّال عن الكرخي عن أبي حنيفة: أنَّ الصَّلاة في أوَّل الوقت تقع نفلًا، قال: والفقهاء بأسرهم على خلاف قوله. قال العَيني: ذكر أصحابنا - أي الحنفيَّة - أنَّ هذا القول ضعيف نقل عن بعض أصحابنا وليس منقولًا عن أبي حنيفة، والصحيح عندنا: أنَّ الصَّلاة تجب بأوَّل الوقت وجوبًا موسَّعًا، وذكر القاضي عبد الوهَّاب

ص: 55

في «الكتاب الفاخر» فيما ذكره ابن بطَّال وغيره عن بعض الناس: يجوز أن يفتتح الظهر قبل الزوال. وقال شمس الأئمَّة في «المبسوط» : لا خلاف أنَّ أوَّل وقت الظُّهر يدخل بزوال الشَّمس إلَّا شيء نقل عن بعض النَّاس إنَّه يدخل إذا صار الفيء بقدر السِّراج، وصلاة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حين زاغت الشَّمس دليل على أنَّ ذلك من وقتها.

قوله: (فَلْيَسْأَلْ) أي فليسألني عنه.

قوله: (فَلَا تَسْأَلُونِي) بلفظ النَّفي، وحذف نون الوقاية منه جائز.

قوله: (إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ) أي إلَّا أخبركم، فاستعمل الماضي موضع المستقبل إشارةً إلى تحققه وإنَّه كالواقع، وقال المُهَلَّب: إنَّما خطب النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بعد الصَّلاة وقال: سلوني؛ لأنَّه بلغه أن قومًا من المنافقين يسألون منه ويعجزونه عن بعض ما يسألونه فتغيَّظ وقال: لا تسألوني عن شيء إلَّا أنبأتكم به.

قوله: (وَأَكْثَرَ النَّاس في البُكَاءِ) إنَّما كان بكاؤهم خوفًا من نزول عذاب لغضبه عليه السلام كما كان ينزل على الأمم عند ردِّهم على أنبيائهم عليهم السلام، والبكاء يُمدُّ ويُقصر، إذا مددت أردت الصَّوت الذي يكون مع البكاء، وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها.

قوله: (وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُوْلَ) وكلمة أن مصدرية تقديره: وأكثر عليه السلام القولَ بقوله: (سَلُوْنِي)، وأصله: اسألوني، فنقلت حركة الهمزة إلى السين فحذفت، واستغني عن همزة الوصل فقيل: سلوني على وزن فلوني.

قوله: (فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بنُ حُذَافَةَ) قال الواقدي: إن عبد الله بن حذافة كان يُطعن في نسبه، فأراد أن يُبين له ذلك فقالت له أمُّه: أما خشيت أن أكون قد قارفت بعض ما كان يُصنع في الجاهليَّة أكنتَ فاضحي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال: والله لو ألحقني بعبد للحقت به.

قلت: ترجمة عبد الله بن حُذَافة في باب ما يذكر في المناولة في كتاب العلم. انتهى.

قوله: (آنِفًا) أي في أوَّل وقت يقرب منِّي، ومعناه هنا: الآن، وانتصابه على الظرفيَّة لأنَّه متضمِّن معنى الظَّرف.

قوله: (فِي عُرْضِ هَذَا الحَائِطِ) -بضمِّ العين المهملة- يقال: عُرض الشيء بالضمِّ ناحيتُه من أيِّ وجه جئته، وقال شيخنا: أي جانبه أو وسطه.

قوله: (فَلَمْ أَرَ كَالخَيْرِ) أي ما أبصرت قط مثل هذا الخير الذي هو الجنَّة وهذا الشرُّ الذي هو النَّار، أو ما أبصرت شيئًا مثل الطاعة والمعصية في سبب دخول الجنَّة والنَّار، وقال شيخنا: كالخير والشرِّ، أي المرئي في ذلك المقام.

541 -

قوله: (حَدَّثَنَا حَفْص بنُ عُمَرَ) أي ابن غياث.

قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج.

قوله: (عَنْ أَبِي المِنْهَالِ) -أي بكسر الميم وسكون النون- واسمه سيَّار بن سلامة الرياحي -بكسر الرَّاء وتخفيف الياء آخر الحروف وبالحاء المهملة- البصري.

قوله: (عَنْ أَبِي بَرْزَةَ) أي -بفتح الباء الموحَّدة وسكون الرَّاء ثمَّ بالزاي- الأَسْلَمي، واسمه نَضْلَة -بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة- ابن عُبَيْد مصغَّر، أسلَّم قديمًا وشهد فتح مكَّة، ولم يزل يغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى قُبض، فتحوَّل ونزل البصرة، ثمَّ غزا خراسان، ومات بمرو أو بالبصرة أو بمفازة سجستان سنة أربع وستين، روى له البخاري أربعة أحاديث.

في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة

ص: 56

في موضعين، وفيه القول، وفي رواية الكُشْمِيهَني: <حَدَّثنا أَبُو المِنْهَالِ>، وفيه أنَّ رواته ما بين بصري وواسطي، قال العَيني: ويجوز أن يقال: كلُّهم بصريون؛ لأنَّ شُعْبَة وإن كان من واسط فقد سكن البصرة ونُسب إليها.

قوله: (قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الصُّبح وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيْسَهُ، وَيَقْرَأُ فِيْهَا مَا بَيْنَ السِّتِّيْنَ إِلَى المَائَةِ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى المَدِيْنَةِ وَيَرجِعُ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيْتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِي بِتَأَخِيْرِ العِشَاءِ إِلى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثمَّ قَالَ: إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، وكَانَ يَكْرَهُ النَّوم قَبْلَهَا وَالحَدِيْثَ بَعَدَهَا، وَقَالَ مُعَاذٌ: قَالَ شُعْبَةُ: ثمَّ لَقِيْتُهُ مَرَّةً فَقَالَ: أَوْ ثُلُثَ اللَّيْلِ). مطابقته للترجمة في قوله: (وَيصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ).

هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا عن آدم بن أبي إِياس عن شُعْبَة، وعن محمَّد بن مُقاتل عن عبد الله، وعن مُسَدَّد عن يحيى كلاهما عن عَوْف نحوه، وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن حبيب وعن عُبَيْد الله بن معاذ عن أبيه كلاهما عن شعبة، وعن أبي كُرَيب عن سُوَيد بن عَمْرو الكلبي، وأخرجه أبو داود فيه عن حفض بن عُمَر بتمامه وفي موضع آخر ببعضه، وأخرجه النَّسائي فيه عن محمَّد بن عبد الأعلى وعن محمَّد بن بشَّار وعن سُوَيد بن نَصْر، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن محمَّد بن بشَّار بُنْدار به.

قوله: (وَأَحَدُنَا) الواو فيه للحال.

قوله: (جَلِيْسَهُ) الجليس على وزن فعيل بمعنى المجالس، وأراد به الذي إلى جنبه، وفي رواية الجَوْزَقي من طريق وَهْب بن جرير عن شُعْبَة:((فينظرُ الرجلُ إلى جليسِهِ إلى جنبِهِ فيعرفُ وجهَهُ))، وفي رواية أحمد:((فينصرفُ الرجلُ فيعرفُ وجهَ جليسِهِ))، وفي رواية لمسلم:((فينظرُ إلى وجهِ جليسِه الذي يعرفُ فيعرفُهُ))، وله في أخرى:((وينصرفُ حينَ يعرفُ بعضُنا وجهَ بعضٍ)).

قوله: (مَا بَيْنَ السِّتِّيْنَ إِلَى المائَةِ) يعني: من آيات القرآن الكريم، قال الكِرْماني: فإن قلت: لفظ (بَيْنَ) يقتضي دخوله على متعدد، فكان القياس أن يقال: والمائة، بدون حرف الانتهاء، قلت: تقديره ما بين الستين وفوقها إلى المائة، فحذف لفظ فوقها لدلالة الكلام عليه.

قوله: (وَالعَصْرَ) بالنَّصب، أي ويصلِّي العصر، والواو في (وَأَحَدُنَا) للحال.

قوله: (إِلَى أَقْصَى المَدِيْنَةِ) أي إلى آخرها.

قوله: (رَجَعَ) كذا وَقَعَ بلفظ الماضي بدون الواو، في رواية أبي ذرٍّ والأَصِيلي وفي رواية غيرهما: <وَيَرْجِعُ> بواو العطف وصيغة المضارع، وعليها شرح الخطَّابي، ومحلُّه الرَّفع على أنَّه خبر للمبتدأ الذي هو قوله:(وَأَحَدُنَا) فعلى هذا يكون لفظ (يَذْهَبُ) حالًا بمعنى ذاهبًا، ويجوز أن يكون (يَذْهَبُ) في محلِّ الرَّفع على أنَّه خبر لقوله:(أَحَدُنَا) وقوله: (رَجَعَ) يكون في محلِّ النَّصب على الحال، وقَدْ فيه مقدَّرة؛ لأن الجملة الفعليَّة الماضية إذا وقعت حالًا فلا بدَّ فيها من كلمةِ قَدْ إما ظاهرة وإما مقدَّرة كما في قوله تعالى:{أَوْ جَاءُوْكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء: 90] أي قد حصرت، ولكن تكون حالًا منتظرة مقدَّرة والتقدير: وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة حال كونه مُقدرًا الرجوع إليها والحالُ أنَّ الشَّمس حيَّة.

وقال شيخنا: يحتمل أن تكون الواو في قوله: (وَأَحَدُنَا) بمعنى ثمَّ على قول من قال: إنَّها ترد للترتيب

ص: 56

مثل ثمَّ، وفيه تقديم وتأخير والتقدير: ثمَّ يذهب أحدنا، أي ممن صلَّى معه، وأما قوله:(رَجَعَ) فيحتمل أن يكون بمعنى يرجع ويكون بيانًا لقوله: (يَذْهَبُ).

قال العَيني: هذا فيه ارتكاب المحذور من وجوهٍ: الأوَّل: كون الواو بمعنى ثمَّ لم يقل به أحد، الثاني: إثبات التقديم والتأخير من غير احتياج إليه، والثالث قوله:(يَرْجِعُ) بيان لقوله: (يَذْهَبُ) فلا يصحُّ ذلك؛ لأنَّ معنى يرجع ليس فيه غموض حتَّى يبيِّنه بقوله: يذهب، ومحذور آخر وهو أنَّ المعنى يكون: وأحدنا يرجع إلى أقصى المدينة، وهو مخلٌّ بالمقصود. انتهى.

قلت: مراد شيخنا بقوله: الواو بمعنى ثمَّ أي أنَّ الواو تُفيد الترتيب مثل ثمَّ، فإن قلت: قال السِّيرافي: إنَّ النَّحويين واللُّغويين أجمعوا على أنَّ الواو لا ترد للترتيب، فنقول: قال قُطْرُب والفَرَّاء وثعلب وأبو عُمَر الزَّاهد وهشام والشافعي وغيرهم: إنَّها تفيده. انتهى.

قال العَيني: وزَعَمَ الكِرْماني أنَّ فيه وجهًا آخر، وفيه تعسُّف جدًّا، وهو أن رجع بمعنى يرجع عطف على يذهب، والواو مقدَّرة، وفيه محذور آخر أقوى من الأوَّل، وهو أنَّ المراد بالرجوع هو الرجوع إلى أقصى المدينة لا الرجوع إلى المسجد، فعلى هذا التقدير يكون الرجوع إلى المسجد، والدليل على أنَّ المراد هو الذهاب إلى أقصى المدينة والرجوع إليها رواية عَوْف الأعرابي عن سَيَّار بن سلامة الآتية عن قريب:(ثَمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى المَدَيْنَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ)، واقتصر ههنا على ذكر الرجوع لحصول الاكتفاء به؛ لأنَّ المراد بالرجوع الذهاب إلى المنزل، وإنما سُمِّي رجوعًا؛ لأن ابتداء المجيء كان من المنزل إلى المسجد، فكان الذهاب منه إلى المنزل رجوعًا.

قوله: (وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) وحياة الشَّمس عبارة عن بقاء حرِّها لم يفتر وبقاء لونها لم يتغيَّر، وإنما يدخلها التغيُّر بدنو المغيب، كأنَّه جعل مغيبها لها موتًا.

قوله: (وَنَسِيْتُ) أي قال أبو المِنْهال: نسيت ما قال أبو بَرزَة في المغرب.

قوله: (وَلَا يُبَالِي) عطف على قوله: (يُصَلِّي) أي ولا يبالي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وهو من المبالاة وهو الاكتراثُ بالشيء.

قوله: (إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ) أي نصفه، ولا يقال: إنَّ الذي يفهم منه أنَّ وقت العشاء لا يتجاوز النِّصف؛ لأنَّ الأحاديث الأخر تدلُّ على بقاء وقتها إلى الصُّبح، وإنما المراد بالنِّصف ههنا هو الوقت المختار، وقد اختلف فيه، والأصحُّ الثلث.

قوله: (قَبْلَهَا) أي قبل العشاء.

قوله: (قَالَ مُعَاذٌ) هو معاذ بن معاذ بن نصر بن حسَّان العَنْبَري التَّميمي قاضي البصرة، سمع شُعْبَة وغيره، مات سنة ست وتسعين ومائة.

قال الكِرْماني: هذا تعليق قطعًا؛ لأنَّ البخاري لم يدركه، قال العَيني: هو مسند في «صحيح مسلم» قال: حدَّثنا عُبَيْد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة، فذكره.

قوله: (ثُمَّ لَقِيْتُهُ) أي أبا المِنْهال مرَّةً أخرى بعد ذلك.

قوله: (فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ) ردَّد بين الشَّطر والثلث، قال شيخنا: وجزم حمَّاد بن سلمة عن أبي المِنْهال عند مسلم بقوله: (إلى ثُلُثِ اللَّيلِ) وكذا لأحمد عن حمَّاد عن شعبة.

قال العَيني: فيه الحجَّة للحنفيَّة؛ لأنَّ قوله: (وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلَيْسَهُ) يدلُّ على الإسفار، ولفظ النَّسائي والطَّحاوي فيه: ((كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم

ص: 57

ينصرفُ من الصُّبح فينظرُ الرجلُ إلى الجليسِ الذي يعرفه فيعرفه))، ولكن قوله:(وَيَقْرَأُ فِيْهَا مَا بَيْنَ السِّتِّيْنَ إِلَى المَائَةِ) يدلُّ على أنَّه كان يشرع في الغلس ويمدُّها بالقراءة إلى وقت الإسفار، وإليه ذهب الطَّحاوي. انتهى.

قلت: قد أجاب العَيني عن مذهبنا، وقد تقدَّمَتْ عن ذلك أجوبة لنا. انتهى.

وفيه أنَّ وقت الظُّهر من زوال الشَّمس عن كبد السَّماء.

وفيه أنَّ الوقت المستحبَّ للعصر أن يُصَلَّى ما دامت الشَّمس حيَّة، وهذا يدلُّ على أنَّ المستحبَّ تعجيلها كما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد، وفي رواية أبي داود:((كانَ يصلِّي العصرَ والشَّمسُ بيضاءُ مرتفعةٌ حيَّةٌ، ويذهبُ الذاهبُ إلى العوالي والشَّمسُ مرتفعةٌ)) والعوالي: أماكن بأعلى أراضي المدينة، قال ابن الأثير: وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية، ولكن في رواية الزهري: أدناها من المدينة على ميلين كما ذكره أبو داود.

وقال النَّوَوي: وأراد بهذا الحديث المبادرة بصلاة العصر أوَّل وقتها؛ لأنَّه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين وثلاثة والشَّمسُ بعدُ لم تتغير، ثمَّ قال: وفيه دليل لمالك والشافعي وأحمد والجمهور: أنَّ وقت العصر يدخل إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، وقال أبو حنيفة: لا يدخل حتَّى يصير ظلُّ كلِّ شيء مثليه، وهذا حجَّة للجماعة عليه.

قال العَيني: والجواب من جهة أبي حنيفة: أنَّه عليه السلام أمر بإبراد الظهر بقوله: (أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ) يعني: صلُّوها إذا سكنت شدَّة الحرِّ، واشتداد الحرِّ في ديارهم يكون في وقت صيرورة ظل ُّكلِّ شيء مثله، ولا يفتر الحرُّ إلَّا بعد المثلين، فإذا تعارضت الآثار يبقى ما كان على ما كان، ووقت الظهر ثابت بيقين فلا يزول بالشكِّ، ووقت العصر ما كان ثابتًا فلا يدخل بالشك. انتهى.

قلت: قوله: (وَاشْتِدَادُ الحَرَّ

) إلى آخره، فيه نظر؛ لأنَّ الشَّمس كلما كانت إلى المشرق والمغرب أقرب كان حرُّها أنقص، وهذا أمر محسوس، وإذا كان الأمر كذلك بطل ما قاله؛ لأنَّ مراده أنَّ وقت الظُّهر يبقى إلى أن يذهب اشتداد الحرِّ، فعلى ما قرّره يمتدُّ إلى مصير ظلِّ كلِّ الشيء مثليه؛ لأنَّه عليه السلام أمر بالإبراد، والإبراد لا يحصل إلَّا أن يؤخِّر المصلِّي إلى ذلك الوقت، يعلم أنَّ وقت الظُّهر باقٍ لم يخرج، ولو لم يكن الوقت باقٍ لم يأمر بالتأخير إليه. انتهى.

وفيه أنَّ الوقت المستحبَّ للعشاء تأخيره إلى ثلث اللَّيل أو إلى شطره، وهو حجَّة على من فضَّل التقديم، وقال الطَّحاوي: تأخير العشاء إلى ثلث اللَّيل مستحبٌّ، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتَّابعين ومن بعدهم، قاله الترمذي، وإلى النِّصف مباح وما بعده مكروه، وحكى ابن المنذر: أنَّ المنقول عن ابن مسعود وابن عبَّاس إلى ما قبل ثلث الليل، وهو مذهب إِسْحاق واللَّيث أيضًا، وبه قال الشَّافعي في كتبه الجديدة، وفي «الإملاء» والقديم تقديمها، وقال النَّوَوي: وهو الأصحُّ.

وفيه كراهة النَّوم قبل العشاء؛ لأنَّه يعرض لفواتها باستغراق النوم، قلت: وسمعت بعض مشايخي يقول: إنَّه إذا تيقَّن الفوات بالنَّوم يحرم عليه. انتهى.

وفيه كراهة الحديث بعدها؛

ص: 57