الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقامَه))، وفي رواية جابر بن سمرة:((كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس، فلا يقيم حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا خرج الإمامُ أقام الصلاة حين يراه))، وبين هذه الروايات معارضة.
يقال: وجهُ الجمع بينها: أنَّ بلالًا كان يراقب خروجَ النبي صلى الله عليه وسلم من حيث لا يراه غيرُه، أو إلا القليلُ، فعند أول خروجه يقيم، ولا يقومُ الناس حتى يروه، ولا يقوم مقامه حتى يعدِّلَ الصف. ويشهد له ما رواه عبد الرزاق عن ابن جُريج عن ابن شهاب:((أنَّ الناس كانوا ساعة يقولُ المؤذن: الله أكبر يقومون إلى الصلاة، فلا يأتي النبيُّ صلى الله عليه وسلم مقامَه حتى تعتدل الصفوف)).
وقوله في رواية أبي هريرة: ((فيأخذُ الناسُ مصافَّهم قبل خروجه)) لعله كان مرةً أو مرتين ونحوهما لبيان الجواز أو لعذر، ولعل قوله عليه السلام:(فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي) كان بعد ذلك. قال العلماء: والنهي عن القيام قبل أن يروه لئلَّا يشقَّ عليهم القيام، لأنه قد يعرِضُ له عارضٌ فيتأخرُ بسببه.
قال شيخنا: وأما حديث أبي هريرة الآتي قريبًا بلفظ: ((أقيمت الصلاة فسوَّى الناسُ صفوفَهم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم)، ولفظُه في «مستخرج أبي نعيم» :((فصفَّ الناسُ صفوفَهم، ثم خرج علينا))، ولفظه عند مسلم: ((أقيمت الصلاة
…
)). الحديث. وعنه في رواية أبي داود: ((قبل أن يجيء النبيُّ صلى الله عليه وسلم).
فيُجمع بينه وبين حديث أبي قتادة أنَّ ذلك ربما وقع لبيان الجواز أو بأنَّ صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعةَ تقامُ الصلاة ولم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شُغلٌ يُبطئ فيه عن الخروج فيشق عليهم انتظاره، ولا يَرُدُّ هذا حديثَ أنس الآتي أنه قام في مقامه طويلًا في حاجة بعض القوم، لاحتمال أن يكون ذلك وقع نادرًا أو فعله لبيان الجواز.
(23) بَابٌ: لَا يقوم إِلَى الصَّلَاةِ مُسْتَعْجِلًا، وَلْيَقُمْ إليها بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ
أي هذا باب يذكر فيه: لا يقوم الشخص إلى الصلاة حال كونه مستعجلا، وليقم إلى الصلاة متلبِّسًا بالسكينة، وقد مر معناه والفرقُ بينهما.
وهذه الترجمة رواية الحموي، وفي رواية المستملي: <باب لا يسعى إلى الصلاة
…
>. وسقط من رواية الكُشْمِيهَني، وجُمِعَا في رواية الباقين بلفظ: <باب لا يسعى إلى الصلاة ولا يقوم إليها مستعجلًا
…
> إلى آخره.
قال شيخنا: قولُه (لا يسعى) كأنه يشير بذلك إلى رواية ابن سيرين في حديث أبي هريرة عند مسلم، ولفظُه:((إذا ثُوِّب بالصلاة فلا يسعى إليها أحدكم))، وفي رواية أبي سلمة عن أبي هريرة عند المصنف في باب المشي إلى الجمعة من كتاب الجمعة:((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون))، وسيأتي وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى:{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] هناك إن شاء الله تعالى.
قلتُ: وقد سبق ذلك في كلام العيني في باب لا يسعى إلى الصلاة، قبل الباب السابق. انتهى.
638 -
قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفضل بن دُكين.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) أي بفتْح الشين وسكون الياء آخرِ الحروف.
قوله: (عَنْ يَحْيَى) أي ابنِ
أبي كَثير.
قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ)، قولُه:(عَنْ أَبِيهِ) أي أبو قتادة الحارث الأنصاري.
هذا الإسناد بعينه قد مرّ في باب قول الرجل فاتتنا الصلاة.
قوله: (قَالَ: قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ)
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الحديث قد مر في الباب السابق عن مسلم بن إبراهيم عن هشام عن يحيى، وفي هذا زيادة على ذلك وهي قولُه:(وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ)، وهذا هكذا روايةُ أبي ذر وكريمة، وفي رواية الأصيلي وأبي الوقت: <وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةِ> بحذف الباء، وكذا أخرجه أبو عوانة من طرق عن شيبان، وقد ذكرنا إعراب الوجهين عن قريب.
قوله: (تَابَعَهُ عَلَيُّ بنُ المبَارَكِ) قلتُ: الهنائي البصري سمع يحيى ابن أبي كثير، روى عنه وكيع وهارون بن إسماعيل وابن عُلَيَّة وعثمان بن عمر وسعيد بن الربيع. انتهى.
أي تابع عليُّ بن المبارك شيبانَ عن يحيى بن أبي كثير، ومتابعته وَصَلها البخاري في كتاب الجمعة، ولفظُه:((وعليكم السكينة)) بغير باء أيضًا، وقال أبو العباس الطَّرْقِي - قلت: هو بفتح الطاء المهملة وسكون الراء والقاف. انتهى. -: تفردَ شَيبان وعليُّ بن المبارك عن يحيى بهذه الزيادة. وتُعُقِّبَ بأن معاوية بن سلام تابعهما عن يحيى، ذكره أبو داود عقب رواية أبان عن يحيى، فقال: رواه معاوية بن سلام وعلي بن المبارك عن يحيى وقالا فيه: ((حتى تروني وعليكم السكينة)).
قال شيخنا: وهذه الرواية المعلقة وصلها الإسماعيلي من طريق الوليد بن مسلم عن معاوية بن سلام وشيبان جميعًا عن يحيى كما قال أبو داود. انتهى.
(24)
بَابٌ: هَلْ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ لِعِلَّةٍ
؟
أي هذا بابٌ يُذكر فيه: هل يخرج الرجل من المسجد بعد إقامة الصلاة لأجل علة؟ أي ضرورة، وذلك مثلُ أن يكون محدِثًا أو جُنُبًا، أو كان حاقِبًا، أو حصل به رعاف، أو كان إماما لمسجد آخر، ونحو ذلك.
فإن قلتَ: روي عن أبي هريرة أنه رأى رجلًا يخرج من المسجد بعد أن أذن المؤذن بالعصر، قال:((أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم عليه السلام). رواه مسلم والأربعة. يُقال: هذا محمول على من خرج بغير ضرورة، وقد صرَّح بذلك في رواية الطبراني في «الأوسط» : من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظه:((لا يسمع النداءَ في مسجدي ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق)).
639 -
قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن يحيى، أبو القاسم القرشي، ترجمته في باب الحرص على الحديث في كتاب العلم.
قوله: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) ترجمته في باب تفاضل أهل الإيمان.
قوله: (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) أي أبو محمد الغفاري، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام.
قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرحمن، ترجمته في بدء الوحي.
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان.
في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضعين: وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وهم صالح والزهري وأبو سلمة، فقد رأى صالح عبدَ الله بن عمر. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون.
قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ، انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ، انْصَرَفَ، قَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمْ» فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، وَقَدِ اغْتَسَلَ)
مطابقته للترجمة ظاهرة.
قال العيني: أخرج البخاري في كتاب الغسل في باب إذا ذكر في المسجد أنه جُنُبٌ يخرج كما هو ولا يتيمَّم: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا:((مكانَكم))، ثم رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر وصلينا معه. وقد قلنا هناك: إنه أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وتكلمنا بما فيه الكفاية، ولنتكلم هنا بما يتعلق بالحديث المذكور.
فقوله: (خَرَجَ) أي من الحُجرة، قال شيخنا: قوله (خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) يَحتمل أن يكون المعنى: خرج في حال الإقامة، ويحتمل أن تكون الإقامة تقدمت خروجَه، وهو ظاهرٌ في الرواية التي في الباب الذي بعده لتعقيب الإقامة بالتسوية وتعقيبِ التسوية بخروجه جميعًا بالفاء، ويحتمل أن يُجمع بين الروايتين بأن الجملتين وقعتَا حالًا، أي خرجَ والحالُ أن الصلاة أقيمت والصفوفَ عُدِّلت.
قال العيني: ليس فيه الاحتمالان اللذان ذكرهما، بل معنى الحديثين سواء، لأن الجملتين أعني قوله:(وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ) وقعتا حالين، والمعنى: أنه خرج والحال أنهم أقاموا الصلاة وعدلوا الصفوف، وكذلك معنى الحديث الثاني، لأن الفاء فيه ليست للتعقيب كما ظنَّهُ هذا القائل، وإنما هذه الفاء تسمَّى فاءَ الحال، والمعنى: حالَ إقامة الصلاة وتعديلِ الصفوف خرجَ النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى.
قلتُ: ما قال شيخُنا صحيح، والاحتمالُ لا يردُّه، والفاءُ في هذا المقام يصح أن يكون للتعقيب كما يصح أن يكون للحال، ويُرجِّح ما قاله شيخنا من التعقيبِ بين الإقامة والتسوية فقط ما ذكرَه صاحب «تحفة المتهجد وغنية المتعهد» جمالُ الدين بن خليل الدمشقي:((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتولى تسويةَ الصفوف بنفسه أحيانًا حتى يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية ويمسح بيده الشريفة مناكبَهم وصدورهم ويسوي بنفسه صفوفهم)).
واعلم أن نهيَه عن القيام حتى يروه يلزم من العمل بمقتضاه أنَّ تسوية الصفوف بعد خروجه، فعلى هذا أنه لم يخرج حال تسوية الصفوف ولا عقِب التسوية
وفي هذا مجال للبحث أيضًا. انتهى.
وقال الكِرماني: فإن قلتَ: السُّنَّة أن تكون الإقامة بنظر الإمام، فلم أقيمت قبل خروجه؟ وتقدم حديث:((لا تقوموا حتى تروني)) فلِمَ عدلت الصفوف قبل ذلك؟ قلتُ: لفظ: (قَدْ) يقرِّب الماضي من الحال، فمعناه: خرج في حال الإقامة وفي حال التعديل، ولا يلزم الأمران المذكوران، أو علموا بالقرائن خروجَه وأذِن لهم في الإقامة ولهم في القيام. انتهى.
قال العيني: لا حاجة إلى قوله: بأنَّ لفظ: (قَدْ) يقرب الماضي من الحال. لأنَّ الجملة التي دخلت عليها لفظةُ: (قَدْ) حاليَّةٌ كما ذكرنا، والأصل أن الجملة الفعلية الماضية إذا وقعت حالًا تدخل عليها:«قد» ، كما تدخل «الواو» على الجملة الإسمية إذا وقعت حالًا، وإذا دخلت الجملُة الفعلية الواقعة حالًا عن لفظة:«قد» ظاهرًا تُقدَّر فيها، كما في قوله تعالى:{أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء: 90] أي: قد حصرت.
قال شيخنا: وتقدم احتمالُ أن يكون ذلك سببًا للنهي، فلا يلزم منه مخالفتُهم له، وقد تقدم الجمع بينه وبين حديث أبي قتادة:((لا تقوموا حتى تروني)) قريبًا. انتهى.
قوله: (وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ) أي سويت.
قوله: (حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ) زاد مسلم من طريق يونس عن الزهري: ((قبل أن يكبر فانصرف))، وقد تقدم في باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب من أبواب الغسل من وجه آخر عن يونس بلفظ:((فلما قام في مصلاه)). وهو معارِض لما رواه أبو داود وابن حِبَّان عن أبي بكرة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل في صلاة الفجر فكبَّر ثم أومأ إليهم))، ولمالك من طريق عطاء بن يسار مرسلًا:((أنه صلى الله عليه وسلم كبر في صلاة من الصلوات ثم أشار بيده أن امكثوا)).
ويمكن الجمع بينهما بحمل قولِه: ((كبَّرَ)) على: «أراد أن يكبر» ، أو بأنهما واقعتان. أبداهُ عياض والقرطبي احتمالًا، وقال النووي: إنه الأظهر، وجزم به ابن حبان كعادته، فإنْ ثَبَتَ وإلا فما في «الصحيح» أصحُّ، ودعوى ابن بطال أن الشافعي احتج بحديث عطاء على جواز تكبير المأموم قبل تكبير الإمام - قال: فناقضَ أصلَه فاحتج بالمرسل - مُتَعَقَّبَةٌ بأن الشافعي لا يرُدُّ المراسيل مطلقًا بل يحتج منها بما يعتضِد، والأمر هنا كذلك لحديث أبي بكرة الذي ذكرناه.
قوله انْتَظَرْنَا جملة حالية عامل في الظرف.
قوله: (أَنْ يُكَبِّرَ) كلمةُ: (أَنْ) مصدرية، أي انتظرنا تكبيره.
قوله: (انْصَرَفَ) أي إلى الحجرة، وهو جواب:(إِذَا).
قوله: (قَالَ) استئنافٌ أو حال.
قوله: (عَلَى مَكَانِكُمْ) أي كونوا على مكانكم والزموا موضعكم.
قوله: (فَمَكَثْنَا) مِنَ المكث، وهو: اللُّبث.
قوله: (عَلَى هَيْئَتِنَا) بفتح الهاء وسكون الياء آخرِ الحروف وفتحِ الهمزة بعدها التاء المثناة من فوق. والمراد بذلك أنهم امتثلوا أمره صلى الله عليه وسلم في قولِه (عَلَى مَكَانِكُمْ) فاستمرُّوا على الهيئة أي على الكيفية التي تركَهم عليها وهي قيامُهم في صفوفهم المعتدلة.
وفي رواية الكُشْمِيهَني: <على هِينَتِنَا> بكسر الهاء وبعد الياء نون مفتوحة بعدها تاء مثناة من فوق مكسورة. والهِينَةُ: الرِّفقُ والتأنِّي. ورواية الجماعة أصوب وأوجَهُ.
قوله (يَنْطِفُ) بكسر