الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[بَابُ أَحْكَامِ الْمُوصَى بِهِ]
(بَابُ أَحْكَامِ الْمُوصَى بِهِ) وَهُوَ آخِرُ أَرْكَانِ الْوَصِيَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَهِيَ مُوصٍ وَصِيغَةٌ، وَمُوصَى لَهُ وَمُوصَى بِهِ.
(يُعْتَبَرُ) فِي الْمُوصَى بِهِ (إمْكَانُهُ) قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "(فَلَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (بِمُدَبَّرٍ) لِعَدَمِ إمْكَانِهِ بِحُرِّيَّتِهِ بِمَوْتِ الْمُوصِي، وَلَا بِحَمْلِ أَمَتِهِ الْآيِسَةِ، وَلَا بِخِدْمَةِ أَمَتِهِ الزَّمِنَةِ.
(وَيَتَّجِهُ) عَدَمُ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ بِالْمُدَبَّرِ (مَا لَمْ يَقْتُلْ) الْمُدَبَّرُ (سَيِّدَهُ) فَإِنْ قَتَلَ سَيِّدَهُ وَلَوْ خَطَأً؛ بَطَلَ تَدْبِيرُهُ، وَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ (وَنَحْوِهِ) كَمَا لَوْ قَتَلَ مُوصَى لَهُ مُوصِيًا فَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ يَمْنَعُ الْقَاتِلَ مِنْ الْمِيرَاثِ، فَلَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ الْوَصِيَّةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَتَقَدَّمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) يُعْتَبَرُ فِيهَا أَيْضًا (اخْتِصَاصُهُ) ؛ أَيْ: الْمُوصَى بِهِ بِالْمُوصِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالًا كَجِلْدِ مَيِّتَةٍ وَنَحْوِهِ (فَلَا تَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (بِمَالِ غَيْرِهِ، وَلَوْ مَلَكَهُ بَعْدُ) كَمَا لَوْ قَالَ: وَصَّيْتُ لَكَ بِمَالِ زَيْدٍ أَوْ ثُلُثِهِ؛ فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ - وَلَوْ مَلَكَ الْمُوصِي مَالَ زَيْدٍ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ - لِفَسَادِ الصِّيغَةِ حِينَئِذٍ بِإِضَافَةِ الْمَالِ إلَى غَيْرِهِ.
(وَلَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (بِمَا لَا نَفْعَ فِيهِ كَخَمْرٍ وَمَيْتَةٍ وَخِنْزِيرٍ وَسِبَاعٍ) مِنْ بَهَائِمَ وَطُيُورٍ (لَا تَصْلُحُ لِصَيْدٍ)
لِعَدَمِ نَفْعِهَا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ؛ فَلَا تَصِحُّ بِذَلِكَ كَالْهِبَةِ، وَقَدْ حَثَّ الشَّارِعُ عَلَى إرَاقَةِ الْخَمْرِ وَإِعْدَامِهِ، فَلَمْ يُنَاسِبْ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ بِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّهُ يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ. (وَيَتَّجِهُ) أَنْ لَا تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ بِمَا ذُكِرَ (إلَّا لِمُضْطَرٍّ لِأَكْلِهَا) أَوْ لِإِزَالَةِ لُقْمَةٍ غُصَّ بِهَا؛ لِأَنَّهُ [يَجُوزُ] التَّنَاوُلُ مِنْ ذَلِكَ مِقْدَارَ إزَالَةِ الضَّرَرِ لَا غَيْرُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (بِإِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ) إنَاءِ (فِضَّةٍ) لِأَنَّهُ مَالٌ يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ؛ بِأَنْ يَكْسِرَهُ وَيَبِيعَهُ أَوْ يُغَيِّرَهُ عَنْ هَيْئَتِهِ، فَيَجْعَلُهُ حُلِيًّا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ كَالْأَمَةِ الْمُغَنِّيَةِ.
(وَ) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (بِمَا يَعْجِزُ) مُوصٍ (عَنْ تَسْلِيمِهِ) لَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ حَالَ الْوَصِيَّةِ. (وَلِوَصِيٍّ) ؛ أَيْ: مُوصَى لَهُ (السَّعْيُ فِي تَحْصِيلِهِ) فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ. مِثَالُ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ (كَآبِقٍ) مِنْ رَقِيقٍ (وَشَارِدٍ) مِنْ دَوَابَّ (وَطَيْرٍ بِهَوَاءٍ وَحَمْلٍ بِبَطْنٍ وَلَبَنٍ بِضَرْعٍ) لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْمِيرَاثِ، وَهَذَا يُوَرَّثُ، فَيُوصَى بِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْحَمْلِ أَنْ يَكُونَ حَمْلَ أَمَةٍ أَوْ حَمْلَ بَهِيمَةٍ مَمْلُوكَةٍ؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، فَجَرَى مَجْرَى إعْتَاقِهِ. وَيُعْتَبَرُ وُجُودُهُ فِي الْأَمَةِ بِمَا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْحَمْلِ الْمُوصَى لَهُ، وَإِنْ كَانَ حَمْلَ بَهِيمَةٍ اُعْتُبِرَ وُجُودُهُ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ وُجُودُهُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ.
(وَ) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (بِمَعْدُومٍ) لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ بِالسَّلَمِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ، فَجَازَ أَنْ يَمْلِكَ بِالْوَصِيَّةِ، وَذَلِكَ كَوَصِيَّتِهِ (بِمَا تَحْمِلُ أَمَتُهُ) أَبَدًا أَوْ مُدَّةً مُعَيَّنَةً (أَوْ) بِمَا تَحْمِلُ (شَجَرَتُهُ أَبَدًا أَوْ مُدَّةً مُعَيَّنَةً) كَسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا يَضْمَنُ الْوَارِثُ السَّقْيَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ تَسْلِيمَهَا، بِخِلَافِ مُشْتَرَكٍ، (وَ) كَوَصِيَّةٍ
(بِمِائَةٍ) مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ غَيْرِهَا لَا يَمْلِكُهَا مُوصٍ حَالَ وَصِيَّتِهِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْوَصِيَّةِ بِمَالِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْهَا إلَى مِلْكِ إنْسَانٍ سِوَاهُ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَإِنْ حَصَلَ شَيْءٌ) مِمَّا وَصَّى بِهِ مِنْ الْمَعْدُومِ؛ فَلِمُوصَى لَهُ (أَوْ قَدَرَ) مُوصٍ (عَلَى الْمِائَةِ) الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي مِلْكِهِ، (أَوْ) قَدَرَ عَلَى (شَيْءٍ مِنْهَا عِنْدَ مَوْتِ) الْمُوصِي، (فَ) هُوَ لِمُوصَى (لَهُ) بِمُقْتَضَى الْوَصِيَّةِ.
(إلَّا حَمْلَ الْأَمَةِ) الْمُوصَى لَهُ بِهِ؛ (فَ) يَكُونُ لَهُ (قِيمَتُهُ) لِئَلَّا يُفَرَّقَ بَيْنَ ذَوِي رَحِمٍ فِي الْمِلْكِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقِيمَةَ تُعْتَبَرُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ إنْ قَبِلَ قَبْلَهَا، وَإِلَّا فَوَقْتَ الْقَبُولِ، فَلَوْ مَاتَتْ أَمَةٌ بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ فَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ أَنْ تَكُونَ لِمُوصَى لَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي خِلَافَهُ. (وَإِلَّا) يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (بَطَلَتْ) الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُصَادِفْ مَحَلًّا كَمَا لَوْ وَصَّى بِثُلُثِهِ، وَلَمْ يُخْلِفْ شَيْئًا (كَمَا لَوْ لَمْ تَحْمِلْ الْأَمَةُ حَتَّى صَارَتْ حُرَّةً) فَإِنْ وُطِئَتْ وَهِيَ فِي الرِّقِّ بِشُبْهَةٍ، وَحَمَلَتْ فَعَلَى وَاطِئٍ قِيمَةُ الْوَلَدِ الْمُوصَى لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ.
(وَ) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (ب) مَا فِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ مِنْ (غَيْرِ مَالٍ، كَكَلْبِ صَيْدٍ وَ) كَلْبِ (مَاشِيَةٍ وَ) كَلْبِ (زَرْعٍ وَ) كَلْبِ (حِرَاسَةِ بُيُوتٍ وَجَرْوٍ) يُرَبَّى (لِذَلِكَ) ؛ أَيْ: لِمَا يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ مِمَّا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا، وَتُقَرُّ الْيَدُ عَلَيْهِ، وَالْوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ، فَصَحَّتْ بِغَيْرِ الْمَالِ كَالْمَالِ (غَيْرِ) كَلْبٍ (أَسْوَدَ بَهِيمٍ) لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ صَيْدُهُ وَلَا اقْتِنَاؤُهُ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) ؛ أَيْ: الْمُوصِي (كَلْبٌ كَذَلِكَ) ؛ أَيْ: مُبَاحٌ (لَمْ تَصِحَّ) الْوَصِيَّةُ سَوَاءٌ قَالَ مِنْ كِلَابِي أَوْ مِنْ مَالِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ وَلَا قِيمَةَ لَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْصَى بِمُتَقَوِّمٍ أَوْ مِثْلِيٍّ لَيْسَ فِي مِلْكِهِ، فَيُشْتَرَى لَهُ ذَلِكَ مِنْ التَّرِكَةِ.
وَإِنْ وَصَّى بِكَلْبٍ وَلَهُ كِلَابٌ؛ فَلِلْوَرَثَةِ إعْطَاؤُهُ أَيَّ كَلْبٍ شَاءُوا. صَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ".
(وَكَزَيْتٍ مُتَنَجِّسٍ) فَتَصِحُّ بِهِ الْوَصِيَّةُ (لِغَيْرِ مَسْجِدٍ) لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا وَهُوَ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ، وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ لِمَسْجِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ فِيهِ، وَتَقَدَّمَ.
(وَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُوصَى لَهُ بِالْكَلْبِ الْمُبَاحِ أَوْ الزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ (ثُلُثُهُمَا لَا غَيْرُ، وَلَوْ كَثُرَ الْمَالُ إنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ) لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْوَصِيَّةِ عَلَى أَنْ يُسَلَّمَ ثُلُثَا التَّرِكَةِ
لِلْوَرَثَةِ، وَلَيْسَ مِنْ التَّرِكَةِ شَيْءٌ مِنْ الْمُوصَى بِهِ، وَإِنْ وَصَّى لِزَيْدٍ بِكِلَابِهِ؛ وَوَصَّى لِآخَرَ بِثُلُثِ مَالِهِ؛ فَلِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثُلُثُ الْمَالِ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْكِلَابِ ثُلُثُهَا إنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ؛ لِأَنَّ مَا حَصَلَ لِلْوَرَثَةِ مِنْ ثُلُثَيْ الْمَالِ قَدْ حَازَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا يُقَابِلُهُ مِنْ حَقِّ الْمُوصَى لَهُ وَهُوَ ثُلُثُ الْمَالِ، وَلَمْ يُحْتَسَبْ عَلَى الْوَرَثَةِ بِالْكِلَابِ.
[ (وَ) لَوْ وَصَّى بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلَمْ يُوصِ بِالْكِلَابِ](لَا تَدْخُلُ كِلَابٌ فِي وَصِيَّةٍ بِثُلُثِ مَالِهِ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ، (فَ) يَدْفَعُ إلَى الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثُلُثَ الْمَالِ، وَلَمْ تُحْتَسَبْ الْكِلَابُ عَلَى الْوَرَثَةِ، بَلْ (تَخْتَصُّ بِهَا) ؛ أَيْ: الْكِلَابِ (وَرَثَةُ) الْمُوصِي (وَتُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ) ؛ أَيْ: الْوَرَثَةِ بِالْعَدَدِ (فَإِنْ تَشَاحُّوا فِي بَعْضِهَا) بِأَنْ طَلَبَهُ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ (أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ) قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمْ عَلَى غَيْرِهِ.
تَنْبِيهٌ: وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ أُوصِي لَهُ بِثَلَاثَةٍ مِنْ الْكِلَابِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا وَاحِدٌ مِنْهَا، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الزَّائِدِ عَنْ الثُّلُثِ لَهُمْ.
(وَ) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ (بِمُبْهَمٍ كَثَوْبٍ) لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ شَبِيهٌ بِالْوَارِثِ مِنْ جِهَةِ انْتِقَالِ شَيْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ إلَيْهِ مَجَّانًا، وَالْجِهَاتُ لَا تَمْنَعُ الْإِرْثَ؛ فَلَا تَمْنَعُ الْوَصِيَّةَ (وَيُعْطَى) الْمُوصَى لَهُ (مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ) ؛ أَيْ: اسْمُ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، سَوَاءٌ كَانَ مَنْسُوجًا مِنْ حَرِيرٍ أَوْ كَتَّانٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ وَنَحْوِهِ، مَصْبُوغًا أَوْ لَا، صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَالْوَصِيَّةُ تَصِحُّ بِالْمَعْدُومِ فَهَذَا أَوْلَى.
(فَإِنْ اخْتَلَفَ) اسْمُ مُوصَى بِهِ (بِالْعُرْفِ وَالْحَقِيقَةِ) اللُّغَوِيَّةِ (غُلِّبَ الْعُرْفُ كَالْيَمِينِ) اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " التَّبْصِرَةِ " وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ " وَقَطَعَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " لِأَنَّ الظَّاهِرَ إرَادَتُهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ خُوطِبَ قَوْمٌ بِشَيْءٍ لَهُمْ فِيهِ عُرْفٌ، وَحَمَلُوهُ عَلَى عُرْفِهِمْ لَمْ يُعَدُّوا مُخَالِفِينَ
(خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى ") فِي قَوْلِهِ؛ فَإِنْ اخْتَلَفَ بِالْعُرْفِ وَالْحَقِيقَةِ؛ قُدِّمَتْ. انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ أَرْجَحُ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِعُرْفِهِ، وَلِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ (فَشَاةٌ وَغَنَمٌ) هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، وَالْهَاءُ لِلْوَاحِدَةِ (وَبَعِيرٌ وَإِبِلٌ وَثَوْرٌ وَفَرَسٌ وَبَقَرٌ وَخَيْلٌ وَقِنٌّ وَرَقِيقٌ لُغَةً لِذَكَرٍ وَأُنْثَى صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ) فَيُعْطَى مُوصَى لَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ [مَا] يَقَعُ الِاسْمُ عَلَيْهِ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَخُنْثَى صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ؛ لَصَلَاحِيَّةِ اللَّفْظِ لَهُ (وَعُرْفًا فَالشَّاةُ هِيَ الْأُنْثَى الْكَبِيرَةُ مِنْ ضَأْنٍ وَمَاعِزٍ) غُلِّبَ الْعُرْفُ كَالْأَيْمَانِ (وَالثَّوْرُ وَالْبَعِيرُ) فِي الْعُرْفِ (الذَّكَرُ الْكَبِيرُ) مِنْ الْبَقَرِ أَوْ الْإِبِلِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى غُلِّبَ الْعُرْفُ كَالْأَيْمَانِ (وَالدَّابَّةُ لُغَةً مَا دَبَّ، وَعُرْفًا اسْمٌ لِذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنْ خَيْلٍ وَبِغَالٍ وَحَمِيرٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُتَعَارَفُ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالْقَائِلُونَ بِالْحَقِيقَةِ لَمْ يَقُولُوا هَاهُنَا بِالْأَعَمِّ، كَأَنَّهُمْ لَحَظُوا غَلَبَةَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْأَجْنَاسِ الثَّلَاثَةِ بِحَيْثُ صَارَتْ الْحَقِيقَةُ مَهْجُورَةً.
(فَإِنْ) قَرَنَ الْمُوصِي بِذِكْرِ الدَّابَّةِ فِي الْوَصِيَّةِ مَا يَصْرِفُهُ إلَى أَحَدِ الْأَجْنَاسِ الثَّلَاثَةِ، كَأَنْ (قَالَ) : أَعْطُوا لَهُ (دَابَّةً يُقَاتِلُ عَلَيْهَا أَوْ يُسْهِمُ لَهَا؛ انْصَرَفَ لِخَيْلٍ) ؛ لِاخْتِصَاصِهَا بِذَلِكَ، (وَ) إنْ قَالَ أَعْطُوا لَهُ (دَابَّةً يَنْتَفِعُ بِظَهْرِهَا وَنَسْلِهَا خَرَجَ ذَكَرٌ وَبَغْلٌ) لِانْتِفَاءِ النَّسْلِ فِيهِمَا (وَحِصَانٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (وَجَمَلٌ وَحِمَارٌ وَعَبْدٌ لِذَكَرٍ) فَقَطْ. قَالَ تَعَالَى:{وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32] وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايِرَةَ، وَلِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْعَبْدِ، فَلَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ فَلَيْسَ لَهُ شِرَاءُ أَمَةٍ (وَحِجْرٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ الْأُنْثَى مِنْ الْخَيْلِ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَبِالْهَاءِ لَحْنٌ (وَأَتَانُ) الْحِمَارَةِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالْأَتَانَةُ قَلِيلَةٌ (وَنَاقَةٌ وَبَكْرَةٌ وَقَلُوصٌ وَبَقَرَةٌ لِأُنْثَى) مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ
(وَكَبْشٌ لِكَبِيرِ ذَكَرِ ضَأْنٍ وَتَيْسٌ لِكَبِيرِ ذَكَرِ مَعْزٍ) فَلَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ عَشْرَةً أَوْ عَشْرًا مِنْ غَنَمِي؛ فَلِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُلْحَظُ فِي التَّذْكِيرِ مَعْنَى الْجَمْعِ، وَفِي التَّأْنِيثِ مَعْنَى الْجَمَاعَةِ، وَأَيْضًا اسْمُ الْجِنْسِ يَصِحُّ تَذْكِيرُهُ وَتَأْنِيثُهُ.
(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ وَتُعْطِيهِ الْوَرَثَةُ مَا شَاءُوا مِنْهُمْ) ؛ أَيْ: مِنْ عَبِيدِهِ نَصًّا، لِتَنَاوُلِ اسْمِ الْعَبْدِ لِلْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَالصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ وَالْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ (فَإِنْ مَاتُوا) ؛ أَيْ: عَبِيدُ الْمُوصِي (إلَّا وَاحِدًا تَعَيَّنَتْ) الْوَصِيَّةُ (فِيهِ) لِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِ الْبَاقِي (وَإِنْ قُتِلُوا) كُلُّهُمْ بَعْدَ مَوْتِ مُوصٍ؛ (فَ) لِمُوصَى (لَهُ قِيمَةُ أَحَدِهِمْ) تَخْتَارُ الْوَرَثَةُ إعْطَاءَهُ لَهُ (عَلَى قَاتِلٍ) لَهُ كَمَا يَلْزَمُ الْقَاتِلَ قِيمَتُهُ (وَالْخِيَرَةُ لِلْوَرَثَةِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوصَى بِهِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) ؛ أَيْ الْمُوصِي (عَبْدٌ) حَالَ الْوَصِيَّةِ (وَلَمْ يَمْلِكْهُ) ؛ أَيْ: يَمْلِكُ عَبْدًا (قَبْلَ مَوْتِهِ؛ لَمْ تَصِحَّ) الْوَصِيَّةُ كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِمَا فِي كِيسِهِ، وَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَتَبْطُلُ إنْ مَاتُوا كُلُّهُمْ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا تَلْزَمُ بِالْمَوْتِ، وَلَا رَقِيقَ لَهُ حِينَئِذٍ.
(وَإِنْ مَلَكَ) مَنْ لَيْسَ لَهُ عَبِيدٌ حِينَ الْوَصِيَّةِ (وَاحِدًا) بَعْدَهَا تَعَيَّنَ (أَوْ كَانَ) لَهُ حِينَ الْوَصِيَّةِ عَبْدٌ وَاحِدٌ (تَعَيَّنَ) كَوْنُهُ لِمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَصِيَّةِ مَحِلٌّ غَيْرُهُ؛ وَكَذَا حُكْمُ شَاةٍ مِنْ غَنَمِهِ وَثَوْبٍ مِنْ ثِيَابِهِ وَنَحْوِهِ.
(وَإِنْ قَالَ) مُوصٍ (أَعْطُوهُ عَبْدًا مِنْ مَالِي أَوْ) أَعْطُوهُ (مِائَةً مِنْ أَحَدِ كِيسَيَّ وَ) الْحَالُ أَنْ (لَا عَبْدَ لَهُ) فِي الْأَوْلَى (أَوْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمَا) ؛ أَيْ: فِي الْكِيسَيْنِ شَيْءٌ فِي الثَّانِيَةِ (اشْتَرَى لَهُ ذَلِكَ) الْمُوصَى بِهِ، وَأُعْطِيَ الْمِائَةَ مِنْ التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ فِي مِلْكِهِ، وَقَدْ قَصَدَ أَنْ يَصِلَ لَهُ مِنْ مَالِهِ ذَلِكَ الْمُوصَى بِهِ، وَقَدْ أَمْكَنَ ذَلِكَ بِشِرَائِهِ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ إعْطَاءِ الْمِائَةِ مِنْهُ تَنْفِيذًا لِلْوَصِيَّةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَصَّى لَهُ بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ وَلَا عَبْدَ لَهُ؛ فَتَبْطُلُ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْقَدْرَ الْفَائِتَ فِي صُورَةِ الْمِائَةِ صِفَةُ مَحَلِّ الْوَصِيَّةِ لَا أَصْلَ الْمَحَلِّ، فَإِنَّ كِيسًا يُؤْخَذُ مِنْهُ مِائَةٌ مَوْجُودٌ مِلْكًا، فَأَمْكَنَ تَعَلُّقُ الْوَصِيَّةِ بِهِ، وَالْفَائِتُ فِي صُورَةِ الْعَبْدِ أَصْلُ الْمَحَلِّ، وَهُوَ عَدَمُ الْعَبِيدِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَالتَّعَلُّقُ مُتَعَذِّرٌ. انْتَهَى.
(وَ) إنْ وَصَّى (بِقَوْسٍ وَلَهُ أَقْوَاسٌ) قَوْسٌ (لِرَمْيٍ) نُشَّابٌ - وَهُوَ الْفَارِسِيُّ - أَوْ قَوْسُ نَبْلٍ - وَهُوَ الْعَرَبِيُّ - أَوْ قَوْسٌ بِمَجْرَى - وَهُوَ الْقَوْسُ الَّذِي يُوضَعُ السَّهْمُ الصَّغِيرُ فِي مَجْرَاهُ - فَيَخْرُجُ السَّهْمُ مِنْ الْمَجْرَى، وَيُقَالُ لَهُ قَوْسُ حَسِبَانِ - وَهِيَ السِّهَامُ الصَّغِيرَةُ - قَالَهُ الْحَارِثِيُّ (وَ) قَوْسٌ لِرَمْيِ (بُنْدُقٍ) وَهُوَ قَوْسُ جُلَاهِقَ - بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْهَاءِ - وَهِيَ اسْمٌ لِلْبُنْدُقِ، وَأَصْلُهُ بِالْفَارِسِيَّةِ جُلَاهَهْ وَهِيَ كُبَّةُ غَزْلٍ وَالْكَبِيرُ جُلُّهَا (وَ) قَوْسِ (نَدْفٍ) يُنْدَفُ بِهِ نَحْوُ الْقُطْنِ (فَلَهُ) ؛ أَيْ: الْمُوصَى لَهُ بِقَوْسٍ مُطْلَقٍ (قَوْسُ النَّشَّابِ) بِغَيْرِ وَتَرٍ (لِأَنَّهَا أَظْهَرُهَا) ؛ أَيْ: أَسْبَقُ إلَى الْفَمِ، فَلَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْمُتَعَارَفِ يُعَيِّنُهُ الْوَارِثُ (إلَّا مَعَ صَرْفِ قَرِينَةٍ إلَى غَيْرِهَا) كَأَنْ يَكُونَ نَدَّافًا لَا عَادَةَ لَهُ بِالرَّمْيِ، أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ يَرْمِيَ الطُّيُورَ بِالْبُنْدُقِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْمُوصِي أَنَّهُ قَصَدَ نَفْعَهُ بِمَا جَرَتْ عَادَتُهُ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا قَوْسٌ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْقِسِيِّ؛ تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ فِيهِ؛ إذْ لَا مَحَلَّ لَهَا غَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَقْوَاسٌ مِنْ النَّوْعِ الَّذِي اسْتَحَقَّ الْوَصِيُّ قَوْسًا مِنْهَا؛ أَعْطَاهُ الْوَرَثَةُ مَا شَاءُوا مِنْهَا؛ كَالْوَصِيَّةِ بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ (وَلَا يَدْخُلُ) فِي الْوَصِيَّةِ بِقَوْسٍ (وَتَرُهَا) لِأَنَّ الِاسْمَ يَقَعُ عَلَيْهَا دُونَهُ.
(وَ) مَنْ وَصَّى (بِكَلْبٍ أَوْ طَبْلٍ) وَلَهُ مِنْهَا مَا هُوَ مُحَرَّمٌ كَالْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ وَطَبْلِ اللَّهْوِ وَثَمَّ - بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ - (مُبَاحٌ) مِنْ الْكِلَابِ كَاَلَّذِي يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ وَمِنْ الطُّبُولِ (كَطَبْلِ حَرْبٍ) قَالَ الْحَارِثِيُّ وَطَبْلُ صَيْدٍ وَحَجِيجٍ لِنُزُولٍ وَارْتِحَالٍ (انْصَرَفَ) اللَّفْظُ (إلَيْهِ) لِأَنَّ وُجُودَ الْمُحَرَّمِ كَعَدَمِهِ شَرْعًا، فَلَا يَشْمَلُهُ اللَّفْظُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (وَإِلَّا) يَكُنْ عِنْدَهُ كَلْبٌ مُبَاحٌ وَلَا طَبْلٌ مُبَاحٌ (بَطَلَتْ) الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمُحَرَّمِ مَعْصِيَةٌ وَلِعَدَمِ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ فِيهِ، فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ طَبْلٌ يَصْلُحُ لِلْحَرْبِ وَلِلَّهْوِ مَعًا؛ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ؛ لِقِيَامِ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ فِيهِ.
وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْبُوقِ، لِمَنْفَعَتِهِ فِي الْحَرْبِ، قَالَهُ الْقَاضِي.
وَإِنْ كَانَ لِلْمُوصِي طُبُولٌ تَصْلُحُ لِلْحَرْبِ، وَوَصَّى بِأَحَدِهَا وَأَطْلَقَ. فَلِلْمُوصَى لَهُ أَحَدُهَا بِاخْتِيَارِ الْوَرَثَةِ.
وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمُحَرَّمٍ (كَطَبْلِ لَهْوٍ وَطُنْبُورٍ وَمِزْمَارٍ) وَعُودِ لَهْوٍ وَكَذَا آلَاتُ اللَّهْوِ كُلُّهَا كَرَبَابٍ وَقَانُونٍ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَوْتَارٌ؛ لِأَنَّهَا مُهَيَّئَةٌ لِفِعْلِ الْمَعْصِيَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ بِأَوْتَارِهَا.
(وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (الصِّحَّةُ) ؛ أَيْ: صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنْ آلَاتِ اللَّهْوِ الْمُحَرَّمَةِ إنْ كَانَتْ مِنْ جَوْهَرٍ نَفِيسٍ يُنْتَفَعُ بِكَسْرِهِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، نَظَرًا إلَى الِانْتِفَاعِ بِجَوْهَرِهِمَا، أَوْ كَانَتْ مُكَفَّتَةً بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ (قِيَاسًا عَلَى أَوَانِي نَقْدٍ) لِأَنَّهَا تُكْسَرُ وَتُبَاعُ، فَيُنْتَفَعُ بِثَمَنِهَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى جِهَةِ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ، وَقِيَاسٌ مُسْتَحْسَنٌ.
(وَ) لَوْ وَصَّى إنْسَانٌ (بِدَفْنِ كُتُبِ الْعِلْمِ لَمْ تُدْفَنْ) لِأَنَّ الْعِلْمَ مَطْلُوبٌ نَشْرُهُ، وَدَفْنُهُ مُنَافٍ لِذَلِكَ (وَلَا يَدْخُلُ فِيهَا) ؛ أَيْ: كُتُبِ الْعِلْمِ (إنْ وَصَّى بِهَا لِشَخْصٍ: كُتُبُ الْكَلَامِ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ إمَّا مِنْ عِنْدِهِ أَوْ حِكَايَةً عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَمْ يُخَالِفْهُ.
لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى بِكُتُبِهِ مِنْ الْعِلْمِ لِآخَرَ، وَكَانَ فِيهَا كُتُبُ الْكَلَامِ؛ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْوَصِيَّةِ (لِأَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْكَلَامَ (لَيْسَ مِنْ الْعِلْمِ) انْتَهَى. وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: الْكَلَامُ رَدِيءٌ لَا يَدْعُو إلَى خَيْرٍ لَا يُفْلِحُ صَاحِبُ كَلَامٍ، تَجَنَّبُوا أَصْحَابَ الْجِدَالِ وَالْكَلَامِ، وَعَلَيْكَ بِالسُّنَنِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْكَلَامَ. وَعَنْهُ: لَا يُفْلِحُ صَاحِبُ كَلَامٍ أَبَدًا وَلَا تَرَى أَحَدًا نَظَرَ فِي الْكَلَامِ إلَّا وَفِي قَلْبِهِ دَغَلٌ، وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا حَكَى الْبَغَوِيّ: لَوْ كَانَ الْكَلَامُ عِلْمًا لَتَكَلَّمَ فِيهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ كَمَا تَكَلَّمُوا فِي الْأَحْكَامِ وَالشَّرَائِعِ، وَلَكِنَّهُ بَاطِلٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ
الْفِقْهِ وَالْآثَارِ مِنْ جَمِيعِ الْأَمْصَارِ أَنَّ أَهْلَ الْكَلَامِ لَا يُعَدُّونَ فِي طَبَقَاتِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا الْعُلَمَاءُ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ.
(وَمَنْ وَصَّى بِإِحْرَاقِ ثُلُثِ مَالِهِ صَحَّ وَصُرِفَ فِي تَجْمِيرِ الْكَعْبَةِ) ؛ أَيْ: تَبْخِيرِهَا (وَتَنْوِيرِ الْمَسَاجِدِ) وَشِرَاءِ بَارُودٍ لِجِهَادِ كُفَّارٍ.
(وَ) لَوْ وَصَّى بِثُلُثِ مَالِهِ (فِي التُّرَابِ يُصْرَفُ فِي تَكْفِينِ الْمَوْتَى) .
(وَ) لَوْ وَصَّى بِثُلُثِهِ (فِي الْمَاءِ، يُصْرَفُ فِي عَمَلِ سُفُنٍ لِلْجِهَادِ) مُحَافَظَةً عَلَى تَصْحِيحِ كَلَامِ الْمُكَلِّفِ مَهْمَا أَمْكَنَ (وَيَتَّجِهُ) وَلَوْ وَصَّى بِثُلُثِهِ (فِي الْهَوَاءِ فَ) يُصْرَفُ (فِي نَحْوِ سِهَامٍ) كَنُشَّابٍ (تُرْمَى فِي الْجِهَادِ) فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ يَتَوَجَّهُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ باذهنج لِمَسْجِدٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُصَلُّونَ قَالَ) تِلْمِيذُهُ (فِي " الْمُبْدِعِ " وَفِيهِ شَيْءٌ) انْتَهَى.
(وَتُنَفَّذُ وَصِيَّةُ) مُوصٍ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مِنْ مَالِهِ كَرُبُعٍ وَخُمُسٍ (فِيمَا عَلِمَ) الْمُوصِي (مِنْ مَالِهِ وَمَا لَمْ يَعْلَمْ) مِنْهُ؛ لِعُمُومِ لَفْظِهِ، فَإِنَّ الْمَالَ يَعُمُّ مَعْلُومُهُ وَمَجْهُولُهُ، وَقِيَاسًا عَلَى نَذْرِ الصَّدَقَةِ بِالثُّلُثِ.
(فَإِنْ وَصَّى بِثُلُثِهِ) لِنَحْوِ زَيْدٍ أَوْ مَسْجِدٍ (فَاسْتَحْدَثَ مَالًا) بَعْدَ الْوَصِيَّةِ (وَلَوْ بِنَصْبِ أُحْبُولَةٍ قَبْلَ مَوْتِهِ فَيَقَعُ فِيهَا صَيْدٌ بَعْدَهُ دَخَلَ ثُلُثُهُ) ؛ أَيْ: ثُلُثُ الْمَالِ الْمُسْتَحْدَثِ (فِي الْوَصِيَّةِ) قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَمَنْ وَصَّى بِثُلُثِ مَالِهِ؛ تَتَنَاوَلُ الْمُتَجَدِّدَ وَالْمَوْجُودَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَلِأَنَّهُ تَرِثُهُ وَرَثَتُهُ (وَيُقْضَى مِنْهُ دَيْنُهُ) أَشْبَهَ مَا لَوْ مَلَكَهُ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ.
(وَإِنْ قُتِلَ) مَنْ أَوْصَى بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ، أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً (فَأُخِذَتْ دِيَتُهُ فَمِيرَاثٌ) ؛ أَيْ: فَدِيَتُهُ مِيرَاثٌ عَنْهُ، فَتَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ التَّرِكَةِ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ قَضَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الدِّيَةَ مِيرَاثٌ، فَعَلَى هَذَا (تَدْخُلُ) الدِّيَةُ (فِي وَصِيَّةٍ، وَيُقْضَى مِنْهَا دَيْنُهُ) لِأَنَّهَا بَدَلُ نَفْسِهِ وَنَفْسُهُ لَهُ؛ فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا، وَلِأَنَّ دِيَةَ أَطْرَافِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ لَهُ، فَكَذَلِكَ دِيَةُ نَفْسِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِنَّمَا يَزُولُ