الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نَقْلَ مُثَنَّى: مَنْ سَدَّ لَهُ الْمَاءَ لِجَاهِهِ أَفَأَسْقِي مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ تَرْكِي لَهُ يَرُدُّهُ عَلَى مَنْ سَدَّهُ عَنْهُ فَأَجَازَهُ بِقَدْرِ حَاجَتِي.
تَتِمَّةٌ: وَإِذَا حَصَلَ نَصِيبُ إنْسَانٍ فِي سَاقِيَتِهِ فَلَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِهَا مَا شَاءَ مِنْ الْأَرْضِ، سَوَاءٌ كَانَ لَهَا رَسْمٌ شُرِبَ مِنْ هَذَا النَّهْرِ أَوْ لَا، وَلَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ يَسْقِي بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ قَدْ انْفَرَدَ بِاسْتِحْقَاقِهِ، فَكَانَ أَنْ يَسْقِيَ مِنْهُ مَا شَاءَ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِهِ مِنْ أَصْلِهِ.
[بَابُ الْجَعَالَةِ]
الْجَعَالَةُ: - بِتَثْلِيثِ الْجِيمِ - كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ مَالِكٍ، يُقَالُ جَعَلْتُ لَهُ جُعْلًا أَوْجَبْتُ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْجُعْلُ وَالْجَعَالَةُ وَالْجَعِيلَة: مَا يُعْطَاهُ الْإِنْسَانُ عَلَى أَمْرٍ يَفْعَلُهُ، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْله تَعَالَى {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} [يوسف: 72] وَكَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ كَالْوَسْقِ، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ. وَحَدِيثُ اللَّدِيغِ شَاهِدٌ بِذَلِكَ، مَعَ أَنَّ الْحِكْمَةَ تَقْتَضِيهِ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يُوجَدُ مَنْ يَتَبَرَّعُ بِالْعَمَلِ، فَاقْتَضَتْ جَوَازَ ذَلِكَ. وَشَرْعًا (جُعْلٌ) - أَيْ: تَسْمِيَتُهُ - (مَالٌ مَعْلُومٌ كَأُجْرَةٍ) بِالرُّؤْيَةِ وَالْوَصْفِ، و (لَا) يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا إنْ كَانَ (مِنْ مَالِ مُحَارِبٍ) - أَيْ: حَرْبِيٍّ - فَيَصِحُّ مَجْهُولًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ. (وَيَتَّجِهُ) صِحَّةُ الْجَعَالَةِ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ؛ كَقَوْلِ شَخْصٍ لِآخَرَ: (بِعْ ثَوْبِي بِكَذَا) دِرْهَمٍ (فَمَا زَادَ) عَمَّا عَيْنَته لَكَ مِنْ الثَّمَنِ فَهُوَ (لَكَ) ، وَهَذَا؟
الِاتِّجَاهُ مَبْنِيٌّ عَلَى احْتِمَالِ مَرْجُوحٍ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجُوزَ الْجَعَالَةُ مَعَ جَهَالَةِ الْعِوَضِ إذَا كَانَتْ الْجَهَالَةُ لَا تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ؛ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي الْآبِقَ فَلَهُ نِصْفُهُ، وَمَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ ثُلُثُهَا. فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إذَا قَالَ الْأَمِيرُ فِي الْغَزْوِ: مَنْ جَاءَ بِعَشْرَةِ رُءُوسٍ فَلَهُ رَأْسٌ جَازَ، وَقَالُوا: إذَا جَعَلَ جُعْلًا لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى قَلْعَةٍ أَوْ طَرِيقٍ سَهْلٍ، وَكَانَ الْجُعْلُ مِنْ مَال الْكُفَّارِ؛ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا كَجَارِيَةٍ يُعَيِّنُهَا الْعَامِلُ؛ فَيَخْرُجُ هَا هُنَا مِثْلُهُ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْجَهَالَةُ تَمْنَعُ مِنْ التَّسْلِيمِ؛ لَمْ تَصِحَّ الْجَعَالَةُ وَجْهًا وَاحِدًا، (لِمَنْ يَعْمَلُ) مُتَعَلِّقٌ بِجُعْلٍ لَهُ - أَيْ: الْجَاعِلُ - (عَمَلًا مُبَاحًا) لَا مُحَرَّمًا كَمِزْمَارٍ وَغِنَاءٍ.
(وَيَتَّجِهُ لَا) تَصِحُّ الْجَعَالَةُ لِمَنْ يَعْمَلُ عَمَلًا (عَبَثًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ (كَسَاعٍ يَقْطَعُ أَيَّامًا فِي يَوْمٍ) وَاحِدٍ، وَمِثْلُهُ فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ تَكْلِيفٌ فَوْقَ الطَّاقَةِ (كَرَفْعٍ ثَقِيلٍ) مِنْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَمَشْيٍ عَلَى حَبْلٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَرَةٌ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الشَّارِعُ؛ فَلَا تَنْعَقِدُ الْجَعَالَةُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِاشْتِرَاطِ الْإِبَاحَةِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ إمَّا أَنْ يَخْشَى فَاعِلُهَا الضَّرَرَ فِي بَدَنِهِ أَوْ لَا، فَإِنْ خَشِيَ الضَّرَرَ فَحَرَامٌ، وَإِلَّا فَمَكْرُوهٌ، وَعَلَى كُلٍّ يَكُونُ غَيْرَ مُبَاحٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَوْ) كَانَ الْعَمَلُ (مَجْهُولًا) إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا؛ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ لَمْ يَصِفْهَا، وَرَدِّ لُقَطَةٍ لَمْ يُعَيِّنْ مَوْضِعَهَا؛ لِأَنَّ الْجَعَالَةَ جَائِزَةٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخٌ، فَلَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَلْزَمَهُ مَجْهُولٌ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ (مَعَ شَخْصٍ) جَائِزِ التَّصَرُّفِ، أَوْ لِمَنْ يَعْمَلُ لَهُ (مُدَّةً، وَلَوْ) كَانَتْ الْمُدَّةُ (مَجْهُولَةً) ؛ كَمَنْ حَرَسَ زَرْعِي فَلَهُ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ":
وَيَصِحُّ الْجُعْلُ عَلَى مُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ، وَعَلَى مَجْهُولٍ إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِيهَا مَجْهُولًا؛ وَالْمُدَّةُ مَجْهُولَةً؛ كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ؛ وَلِأَنَّ الْجَائِرَةَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُهَا، فَلَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَلْزَمَهُ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا؛ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى كَوْنِ الْعَمَلِ مَجْهُولًا، وَكَذَلِكَ الْمُدَّةُ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَعْلَمُ مَوْضِعَ الضَّالَّةِ وَالْآبِقِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى جَهَالَةِ الْعِوَضِ؛ وَلِأَنَّ الْعَمَلَ لَا يَصِيرُ لَازِمًا؛ فَلَمْ يُشْتَرَطْ كَوْنُهُ مَعْلُومًا، وَالْعِوَضُ يَصِيرُ لَازِمًا بِإِتْمَامِ الْعَمَلِ، فَاشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِهِ انْتَهَى.
وَلَوْ جَعَلَهُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ (كَ) أَنْ يَقُولَ: (مَنْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ) فَلَهُ كَذَا، أَوْ مَنْ رَدَّ عَبْدِي الْآبِقَ، أَوْ إنْ (أَقْرَضَنِي زَيْدٌ بِجَاهِهِ أَلْفًا) فَلَهُ كَذَا؛ لِأَنَّ الْجَعَالَةَ فِي مُقَابَلَةِ مَا بَذَلَهُ مِنْ جَاهِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقٍ لَهُ بِالْقَرْضِ، (أَوْ أَذِنَ بِهَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا فَلَهُ كَذَا، وَمَنْ فَعَلَهُ مِنْ مَدِينِي) - أَيْ: مِمَّنْ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ - (فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ كَذَا) ؛ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ مَعَ كَوْنِهِ تَعْلِيقًا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، لَا تَعْلِيقًا مَحْضًا.
(فَمَنْ بَلَغَهُ) الْجُعْلُ (قَبْلَ فِعْلِهِ) الْعَمَلَ الْمَجْعُولَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعِوَضُ؛ (اسْتَحَقَّهُ) - أَيْ: الْجُعْلَ (بِهِ) أَيْ: الْعَمَلِ بَعْدُ -؛ لِاسْتِقْرَارِهِ بِتَمَامِ الْعَمَلِ كَالرِّبْحِ فِي الْمُضَارَبَةِ، فَإِنْ تَلِفَ فَلَهُ مِثْلُ مِثْلَيْ، وَقِيمَةُ غَيْرِهِ، وَلَا يَحْبِسُ الْعَامِلُ الْعَيْنَ حَتَّى يَأْخُذَهُ (وَ) مَنْ بَلَغَهُ الْجُعْلُ (فِي أَثْنَائِهِ) - أَيْ: الْعَمَلِ - فَلَهُ مِنْ الْجُعْلِ (حِصَّةُ تَمَامِهِ) ؛ أَيْ: فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْ الْجُعْلِ بِقِسْطِ مَا بَقِيَ مِنْ الْعَمَلِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ الْجُعْلَ وَقَعَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عَنْهُ عِوَضًا؛ لِبَذْلِهِ مَنَافِعَهُ مُتَبَرِّعًا بِهَا، وَمَحِلُّ ذَلِكَ (إنْ أَتَمَّهُ) - أَيْ: الْعَمَلَ - (بِنِيَّةِ الْجُعْلِ، وَ) لِهَذَا لَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْجُعْلُ إلَّا (بَعْدَهُ) - أَيْ: بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ - (لَمْ يَسْتَحِقَّهُ) - أَيْ: الْجُعْلَ - وَلَا شَيْئًا مِنْهُ لِمَا سَبَقَ، (وَحَرُمَ) عَلَيْهِ (أَخْذُهُ) - أَيْ: الْجُعْلِ - لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، إلَّا إنْ تَبَرَّعَ لَهُ رَبُّهُ بِهِ بَعْدَ إعْلَامِهِ بِالْحَالِ.
(وَفِي كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ) فِي الْمُنْتَظِمِ: يَجِبُ عَلَى الْوُلَاةِ إيصَالُ قَصَصِ أَهْلِ
الْحَوَائِجِ، (فَإِقَامَةُ مَنْ يَأْخُذُ الْجُعْلَ عَلَى إيصَالِ الْقَصَصِ لِلْوُلَاةِ حَرَامٌ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ، وَلَعَلَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حُرِّمَ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَ) إنْ قَالَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ لِزَيْدٍ مِثْلًا: (إنْ رَدَدْتُ لُقَطَتِي فَلَكَ ذَلِكَ) فَيَسْتَحِقُّهُ إنْ رَدَّهَا هُوَ، وَ (لَمْ يَسْتَحِقَّهُ مَنْ رَدَّهَا دُونَهُ) - أَيْ: دُونَ زَيْدٍ - الْمَقُولِ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَبَّهَا لَمْ يُجَاعِلْهُ عَلَى رَدِّهِ، وَإِنْ كَانَتْ بِيَدِ إنْسَانٍ فَجَعَلَ لَهُ مَالِكُهَا جُعْلًا لِيَرُدَّهَا؛ لَمْ يَبُحْ لَهُ أَخْذُهُ. ذَكَرَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ".
(وَالْجَمَاعَةُ) إنْ فَعَلْت الْمُجَاعَلَ عَلَيْهِ (تَقْتَسِمُهُ) - أَيْ: الْجُعْلَ -؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْعَمَلِ الَّذِي بِهِ اُسْتُحِقَّ الْجُعْلُ، فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ:(مَنْ نَقَبَ السُّورَ فَلَهُ دِينَارٌ، فَنَقَبُوهُ) ؛ أَيْ: نَقَبَهُ ثَلَاثَةٌ (نَقْبًا وَاحِدًا اسْتَحَقُّوا دِينَارًا) وَاحِدًا بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْعَمَلِ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ الْعِوَضُ، فَاشْتَرَكُوا فِي الْعِوَضِ كَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ.
(وَ) إنْ نَقَبَ (كُلُّ وَاحِدٍ نَقْبًا فَكُلُّ وَاحِدٍ دِينَارًا) كَمَا لَوْ قَالَ: (مَنْ دَخَلَ هَذَا النَّقْبَ فَلَهُ دِينَارٌ، فَدَخَلَهُ جَمَاعَةٌ؛ اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ (دِينَارًا) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّاخِلِينَ دَخَلَ دُخُولًا كَامِلًا كَدُخُولِ الْمُنْفَرِدِ، فَاسْتَحَقَّ الْعِوَضَ كَامِلًا.
وَ (لَوْ) فَاوَتَ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ الْعَامِلِينَ، (فَجَعَلَ لِإِنْسَانٍ فِي رَدِّ آبِقٍ) عَلَى رَدِّهِ (دِينَارًا، أَوْ) جَعَلَ (لِآخَرَ دِينَارَيْنِ، أَوْ) جَعَلَ (لِآخَرَ ثَلَاثَةَ) دَنَانِيرَ؛ فَإِنْ رَدَّهُ وَاحِدٌ اسْتَحَقَّ جُعْلَهُ، وَإِنْ (رَدَّهُ) ؛ أَيْ: رَدَّ الْآبِقَ الثَّلَاثَةُ (فَلِكُلِّ) وَاحِدٍ مِنْهُمْ (ثُلُثُ مَا جُعِلَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ ثُلُثَ الْعَمَلِ، فَاسْتَحَقَّ ثُلُثَ الْمُسَمَّى، وَإِنْ رَدَّهُ اثْنَانِ مِنْهُمْ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ جُعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ نِصْفَ الْعَمَلِ، فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الْمُسَمَّى، (وَ) إنْ جَعَلَ (لِوَاحِدٍ) عِوَضًا (مَعْلُومًا) كَدِينَارٍ مَثَلًا، وَجَعَلَ لِآخَرَ عِوَضًا (مَجْهُولًا) فَرَدَّاهُ مَعًا؛ (فَلِرَبِّ الْمَعْلُومِ نِصْفُهُ؛ وَلِلْآخَرِ أَجْرُ عَمَلِهِ. وَإِنْ)
جَعَلَ رَبُّ الْعَبْدِ الْآبِقِ مَثَلًا لِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ كَزَيْدٍ شَيْئًا، (فَرَدَّهُ مِنْ جُوعِلَ)
وَهُوَ زَيْدٌ فِي الْمِثَالِ - هُوَ (وَآخَرَانِ مَعَهُ، وَقَالَا) - أَيْ: الْآخَرَانِ -: رَدَدْنَاهُ مُعَاوَنَةً لِزَيْدٍ؛ (اسْتَحَقَّ) زَيْدٌ (كُلَّ الْجُعْلِ) ، وَلَا شَيْءَ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا تَبَرَّعَا بِعَمَلِهِمَا.
(وَإِنْ قَالَا) رَدَدْنَاهُ (لِنَأْخُذَ الْعِوَضَ مِنْهُ) لِأَنْفُسِنَا؛ (فَلَا شَيْءَ لَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُمَا عَمِلَا مِنْ غَيْرِ جُعْلٍ، (وَلَهُ ثُلُثُ الْجُعْلِ) ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ ثُلُثَ الْعَمَلِ، فَاسْتَحَقَّ ثُلُثَ الْجُعْلِ، قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
(وَلَوْ نَادَى غَيْرُ صَاحِبِ الضَّالَّةِ)، فَقَالَ:(مَنْ رَدَّهَا فَلَهُ دِينَارٌ) فَرَدَّهَا إنْسَانٌ (فَالدِّينَارُ عَلَى الْمُنَادِي؛ لِأَنَّهُ كَانَ ضَمِنَ الْعِوَضَ) فَالْتَزَمَ بِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى رَبِّهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، (لَا إنْ قَالَ) الْمُنَادِي غَيْرَ رَبِّ الضَّالَّةِ فِي النِّدَاءِ:(قَالَ فُلَانٌ مَنْ رَدَّهَا) - أَيْ: ضَالَّتِي - فَلَهُ دِينَارٌ، وَلَمْ يَكُنْ رَبُّهَا قَالَ ذَلِكَ فَرَدَّهَا إنْسَانٌ لَمْ يَضْمَنْ الْمُنَادِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ الْعِوَضَ، وَالرَّادُّ مُقَصِّرٌ بِعَدَمِ الِاحْتِيَاطِ.
(وَيَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ) فِي الْجَعَالَةِ؛ كَأَنْ يَقُولَ: مَنْ خَاطَ هَذَا الثَّوْبَ فِي يَوْمٍ فَلَهُ كَذَا، فَإِنَّ أَتَى بِهِ فِيهَا اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهِ فِيهَا؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ.
(وَلَوْ قَالَ مَنْ دَاوَى لِي هَذَا) الْجَرِيحَ (حَتَّى يَبْرَأَ) مِنْ جُرْحِهِ، أَوْ دَاوَى هَذَا الْمَرِيضَ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ مَرَضِهِ، أَوْ دَاوَى هَذَا الْأَرْمَدَ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ رَمَدِهِ فَلَهُ كَذَا؛ (لَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ فِيهَا (مُطْلَقًا) - أَيْ: لَا إجَارَةً وَلَا جَعَالَةً - صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَغَيْرِهِ.
(وَ) إنْ قَالَ رَبُّ آبِقٍ (مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا، وَهُوَ) - أَيْ: الْمُسَمَّى أَكْثَرُ مِنْ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَرَدَّهُ إنْسَانٌ؛ اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ بِعَمَلِ مَا جُوعِلَ عَلَيْهِ؛ كَرَدِّ اللُّقَطَةِ وَبِنَاءِ الْحَائِطِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَى الْجَاعِلِ بِالْعَمَلِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى (أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ أَوْ) أَقَلَّ مِنْ (اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا) فِضَّةً (اللَّذَيْنِ قَدَّرَهُمَا الشَّارِعُ لِمَنْ رَدَّ آبِقًا) - أَيْ: الرَّادِّ (فَلَهُ) بِرَدِّ الْآبِقِ (الْجُعْلُ فَقَطْ عَمَلًا بِالشَّرْطِ) ، قَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا الْمُسَمَّى.
قَالَ فِي " التَّنْقِيحِ "
وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ رَدَّهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ غَيْرَهُ، (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ - أَيْ: الْمُسَمَّى - أَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا؛ فَلَهُ فِي الْعَبْدِ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ انْتَهَى.
(وَيَسْتَحِقُّ مَنْ) سُمِّيَ لَهُ جُعْلٌ عَلَى رَدِّ آبِقٍ وَ (رَدَّهُ مِنْ دُونِ مَسَافَةٍ مُعَيَّنَةِ الْقِسْطَ) مِنْ الْجُعْلِ الْمُسَمَّى، فَإِنْ كَانَ الْمَحَلُّ الَّذِي رَدَّهُ مِنْهُ نِصْفَ الْمَسَافَةِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْمُسَمَّى، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَبِحِسَابِهِ، وَإِنْ رَدَّهُ مِنْ مَوْضِعٍ (أَبْعَدَ) مِنْ الْبَلْدَةِ الْمُسَمَّاةِ فَلَهُ (الْمُسَمَّى فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِلزَّائِدِ عَلَى الْمَسَافَةِ عِوَضًا، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ فِي مُقَابَلَتِهِ شَيْئًا، وَإِنْ رَدَّهُ مِنْ غَيْرِ الْبَلَدِ الْمُسَمَّى، وَمِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّ رَبَّهُ لَمْ يَجْعَلْ عَلَى رَدِّهِ مِنْ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي عَيَّنَهُ عِوَضًا؛ فَالرَّادُّ مِنْ غَيْرِهِ مُتَبَرِّعٌ بِعَمَلِهِ.
كَمَا لَوْ جَعَلَ رَبُّ آبِقَيْنِ فِي رَدِّ أَحَدِ عَبْدَيْهِ كَسَالِمٍ شَيْئًا مُعَيَّنًا فَرَدَّ الْعَبْدَ الْآخَرَ؛ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ الْمُعَيَّنَ.
قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَخَالَفَهُمْ شَارِحُهُ، فَقَالَ: قُلْتُ: بَلْ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ، وَكَذَا الَّتِي قَبْلَهَا، كَذَا قَالَ.
(وَ) يَسْتَحِقُّ (مَنْ رَدَّ أَحَدَ آبِقَيْنِ) جُوعِلَ عَلَى رَدِّهِمَا (نِصْفَهُ) - أَيْ: نِصْفَ الْجُعْلِ - عَنْ رَدِّهِمَا؛ لِأَنَّهُ رَدَّ نِصْفَهُمَا، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ اسْتَوَتْ قِيمَتُهُمَا أَمْ اخْتَلَفَتْ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: مَنْ خَاطَ لِي هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ فَلَهُ كَذَا، فَخَاطَ أَحَدُهُمَا فَلَهُ بِقَدْرِهِ مِنْ الْجُعْلِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى فِعْلِ الشَّيْئَيْنِ مَعًا؛ كَمَا لَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّهُمَا كِلَيْهِمَا فَلَهُ كَذَا.
(وَبَعْدَ شُرُوعِ عَامِلٍ) فِي الْعَمَلِ (إنْ فَسَخَ جَاعِلٌ فَعَلَيْهِ) لِعَامِلٍ (أُجْرَةُ) مِثْلُ (عَمَلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَكَانَ لَهُ أُجْرَةُ عَمَلِهِ، وَمَا عَمِلَهُ بَعْدَ الْفَسْخِ لَا أُجْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ.
وَإِنْ زَادَ الْجَاعِلُ أَوْ نَقَصَ مِنْ الْجُعْلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ؛ جَازَ وَعَمِلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ فَجَازَ فِيهِ ذَلِكَ؛ كَالْمُضَارَبَةِ.
(وَإِنْ فَسَخَ عَامِلٌ) قَبْلَ تَمَامِ عَمَلِهِ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) ؛ لِإِسْقَاطِ حَقِّ نَفْسِهِ حَيْثُ لَمْ يُوَفِّ مَا شَرَطَهُ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلَ الْجَعَالَةِ) - أَيْ: التَّسْمِيَةِ - بِأَنْ أَنْكَرَهُ أَحَدُهُمَا؛ فَالْقَوْلُ (قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ) مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا (فِي قَدْرِهِ) - أَيْ: الْجُعْلِ - (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ (الْمَسَافَةِ) بِأَنْ قَالَ الْجَاعِلُ: جَعَلْتُ ذَلِكَ لِمَنْ رَدَّهُ مِنْ عَشَرَةِ أَمْيَالٍ، فَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ مِنْ سِتَّةِ أَمْيَالٍ، أَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنِ الْعَبْدِ الَّذِي جُعِلَ فِيهِ الْجُعْلُ فِي رَدِّهِ، فَقَالَ: رَدَدْت الْعَبْدَ الَّذِي جَعَلْتَ إلَيَّ الْجُعْلَ فِيهِ، فَأَنْكَرَ الْجَاعِلُ، وَقَالَ: بَلْ شَرَطْته فِي الْعَبْدِ الَّذِي لَمْ تَرُدَّهُ؛ فَالْقَوْلُ (قَوْلُ جَاعِلٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ الْعَامِلُ زِيَادَةً عَمَّا يَعْتَرِفُ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ.
(وَإِنْ عَمِلَ) شَخْصٌ (وَلَوْ الْمُعَدُّ لِأَخْذِ أُجْرَةٍ) عَلَى عَمَلِهِ كَالْمَلَّاحِ وَالْمُكَارَى وَالْحَجَّامِ وَالْقَصَّارِ، وَالْخَيَّاطِ وَالدَّلَّالِ وَالنَّقَّادِ، وَالْكَيَّالِ وَالْوَزَّانِ وَشَبَهِهِمْ مِمَّنْ يَرْصُدُ نَفْسَهُ لِلتَّكَسُّبِ بِالْعَمَلِ، وَأَذِنَ لَهُ الْمَعْمُولُ لَهُ فِي الْعَمَلِ؛ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؛ لِدَلَالَةِ الْعُرْفِ عَلَى ذَلِكَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَدًّا لِأَخْذِ الْأُجْرَةِ، وَعَمِلَ (لِغَيْرِهِ عَمَلًا بِلَا إذْنٍ أَوْ بِلَا جُعْلٍ) مِمَّنْ عَمِلَ لَهُ؛ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَنْفَعَتَهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ فَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ، وَلِئَلَّا يَلْزَمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِهِ (إلَّا فِي تَخْلِيصِ مَالِ غَيْرِهِ وَلَوْ) كَانَ مَالُ غَيْرِهِ (قِنًّا مِنْ بَحْرِ) أَوْ فَمِ سَبُعٍ (أَوْ فَلَاةٍ) يُظَنُّ هَلَاكُهُ فِي تَرْكِهِ؛ فَلَهُ (أَجْرُ مِثْلِهِ) ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ رَبُّهُ؛ لِأَنَّهُ يَخْشَى هَلَاكَهُ وَتَلَفَهُ عَلَى مَالِكِهِ، بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ.
وَكَذَا لَوْ انْكَسَرَتْ السَّفِينَةُ فَخَلَّصَ قَوْمٌ الْأَمْوَالَ مِنْ الْبَحْرِ فَتَجِبُ لَهُمْ الْأُجْرَةُ عَلَى الْمُلَّاكِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَثًّا وَتَرْغِيبًا فِي إنْقَاذِ الْأَمْوَالِ مِنْ الْمَهْلَكَةِ؛ فَإِنَّ الْغَوَّاصَ إذَا عَلِمَ أَنَّ لَهُ الْأُجْرَةَ غَرَّرَ بِنَفْسِهِ، وَبَادَرَ إلَى التَّخْلِيصِ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ، وَإِلَّا فِي (رَدِّ آبِقٍ مِنْ قِنٍّ وَمُدَبَّرٍ وَأُمِّ وَلَدٍ إنْ لَمْ يَكُنْ) الرَّادُّ (الْإِمَامَ) ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ الرَّادَّ (أَوْ نَائِبَهُ) ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِانْتِصَابِهِ لِلْمَصَالِحِ، وَلَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْأَكْلُ
مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ الرَّادُّ غَيْرَهُمَا؛ فَلَهُ (مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ) دِينَارًا وَاثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا هَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ " وَشَرْحِ الْحَارِثِيِّ وَغَيْرِهِمَا: وَسَوَاءٌ كَانَ الرَّادُّ زَوْجًا أَوْ ذَا رَحِمٍ فِي عِيَالِ الْمَالِكِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ.
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ مُرْسَلًا:«أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ فِي رَدِّ الْآبِقِ إذَا جَاءَ بِهِ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ دِينَارًا» .
وَالْمَعْنَى فِيهِ الْحَثُّ عَلَى حِفْظِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَصِيَانَةِ الْعَبْدِ عَمَّا يُخَافُ مِنْ لِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَالسَّعْيِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالْمَتَاعِ، (سَوَاءٌ رَدَّهُ مِنْ دَاخِلِ الْمِصْرِ أَوْ خَارِجِهِ) ، قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ أَوْ بَعُدَتْ، (مَا لَمْ يَمُتْ سَيِّدُ مُدَبَّرٍ) خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ (وَأُمِّ وَلَدٍ قَبْلَ وُصُولٍ) إلَيْهِ (فَيُعْتَقَا؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ: لِرَادِّهِمَا فِي نَظِيرِ الرَّدِّ - لِأَنَّ الْعَمَلَ لَمْ يَتِمَّ؛ إذْ الْعَتِيقُ لَا يُسَمَّى آبِقًا، (أَوْ يَهْرُبُ) الْآبِقُ مِنْ وَاجِدِهِ قَبْلَ وُصُولِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا.
(وَيَأْخُذُ) رَادُّ الْآبِقِ مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ تَرِكَتِهِ (مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ أَوْ) مَا أَنْفَقَ (عَلَى دَابَّةٍ) يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا (فِي قُوتٍ) وَعَلَفٍ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَمِثْلُهُ كِسْوَةٌ وَأُجْرَةُ حَمْلٍ اُحْتِيجَ إلَيْهِمَا، لَا دُهْنٌ وَحَلْوَى، (وَلَوْ هَرَبَ) أَوْ لَمْ يَسْتَحِقَّ جُعْلًا لِرَدِّهِ مِنْ غَيْرِ بَلَدٍ سَمَّاهُ، (أَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ) الْمُنْفِقُ (مَالِكًا) فِي الْإِنْفَاقِ (مَعَ قُدْرَةٍ) عَلَى اسْتِئْذَانِهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا؛ لِحُرْمَةِ النَّفْسِ؛ وَحَثًّا عَلَى صَوْنِ ذَلِكَ عَلَى رَبِّهِ، بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ.
(وَلَا) يَجُوزُ لِوَاجِدِ آبِقٍ أَنْ (يَسْتَخْدِمَهُ بَدَلَ نَفَقَتِهِ) عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ الْمَرْهُونِ وَأَوْلَى.
(وَيُؤْخَذُ جُعْلٌ وَنَفَقَةٌ مِنْ تَرِكَةِ) سَيِّدِ (مَيِّتٍ) ؛ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ، (مَا لَمْ) يَنْوِ أَنْ (يَتَبَرَّعَ) بِالْعَمَلِ وَالنَّفَقَةِ، فَإِنْ نَوَى التَّبَرُّعَ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ، وَكَذَا لَوْ نَوَى بِالْعَمَلِ التَّبَرُّعَ لَا أُجْرَةَ لَهُ، وَمُقْتَضَاهُ لَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الرُّجُوعِ، بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ.
(وَيَجُوزُ ذَبْحُ) حَيَوَانٍ (مَأْكُولٍ) إذَا (خِيفَ مَوْتُهُ) صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (يَجِبُ) عَلَيْهِ ذَبْحُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ؛ اسْتِنْقَاذًا لَهُ مِنْ التَّلَفِ، وَحِفْظًا لِمَالِيَّتِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَكَذَا بَيْعُ مَا) - أَيْ: مَتَاعٍ أَوْ حَيَوَانٍ - (اسْتَنْقَذَهُ) مِنْ مَهْلَكَةٍ (خَوْفَ تَلَفِهِ) .
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَإِنْ وَجَدَ فَرَسًا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أُنَاسٍ مِنْ الْعَرَبِ - أَيْ: قُطَّاعِ الطَّرِيقِ - فَأَخَذَ الْفَرَسَ مِنْهُمْ، ثُمَّ إنَّ الْفَرَسَ مَرِضَ بِحَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ؛ جَازَ لِلْأَخْذِ بَيْعُهُ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَبِيعَهُ لِصَاحِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا، وَيَحْفَظُ الثَّمَنَ لِرَبِّهِ انْتَهَى.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) يَجُوزُ بَيْعُ (نَحْوِ وَدِيعَةٍ) كَلُقَطَةٍ (وَرَهْنٍ) خِيفَ تَلَفُهُ، وَيَحْفَظُ ثَمَنُهُ لِرَبِّهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَلَا يَضْمَنُ مَا نَقَصَهُ) حَيَوَانٌ مَأْكُولٌ (بِذَبْحٍ؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ الْعَمَلُ فِي مَالِ الْغَيْرِ إنْقَاذًا لَهُ مِنْ التَّلَفِ) الْمُشْرِفِ عَلَيْهِ؛ (جَازَ) بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُتَصَرِّفِ إنْ حَصَلَ بِهِ نَقْصٌ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ.
(فَلَوْ وَقَعَ حَرِيقٌ بِدَارٍ، فَهَدَمَهَا غَيْرُ رَبِّهَا بِلَا إذْنٍ عَلَى النَّارِ خَوْفَ سَرَيَانٍ أَوْ هَدَمَ قَرِيبًا مِنْهَا خَوْفَ تَعَدِّيهَا)