الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لِأَنَّ لَهُمْ عِبَادَةً صَحِيحَةً وَأَهْلِيَّةً تَامَّةً، وَأَمَّا وَصِيَّتَهُمْ فِي الْمَالِ إنْ مَاتُوا عَلَى الرِّقِّ؛ فَلَا وَصِيَّةَ لَهُمْ؛ لِانْتِفَاءِ مِلْكِهِمْ. وَمَنْ عَتَقَ مِنْهُمْ، ثُمَّ مَاتَ، وَلَمْ يُغَيِّرْ وَصِيَّتَهُ صَحَّتْ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ مَعَ عَدَمِ الْمَالِ كَالْفَقِيرِ إذَا وَصَّى وَلَا مَالَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَغْنَى صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ (أَوْ) كَانَ (سَفِيهًا) وَوَصَّى (بِمَالٍ) فَتَصِحُّ؛ لِتَمَحُّضِهَا نَفْعًا لَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ كَعِبَادَاتِهِ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا حُجِرَ عَلَيْهِ لِحِفْظِ مَالِهِ وَلَيْسَ فِي الْوَصِيَّةِ إضَاعَةٌ لَهُ لِأَنَّهُ إنْ عَاشَ كَانَ مَالُهُ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ كَانَ ثَوَابُهُ لَهُ، وَهُوَ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَ (لَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ (عَلَى وَلَدِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَوَصِيُّهُ أَوْلَى، وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ فَتَصِحُّ وَصِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِحَظِّ الْغُرَمَاءِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ فِي ثُلُثِهِ بَعْدَ وَفَاءِ دُيُونِهِ (أَوْ) كَانَ (أَخْرَسَ) فَتَصِحُّ وَصِيَّتُهُ (بِإِشَارَةٍ تُفْهَمُ) ؛ لِأَنَّ تَعْبِيرَهُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ عُرْفًا، فَهِيَ كَاللَّفْظِ مِنْ قَادِرٍ عَلَيْهِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى صِحَّتِهَا مِنْهُ بِالْكِتَابَةِ.
وَ (لَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إنْ كَانَ الْمُوصِي (مُعْتَقَلًا لِسَانُهُ) بِإِشَارَةٍ - وَلَوْ فُهِمَتْ - (إلَّا إنْ أَيِسَ مِنْ نُطْقِهِ) أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْ نُطْقِهِ كَقَادِرٍ عَلَى الْكَلَامِ؛ فَلَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ؛ لِمَا فِي " مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ " عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ أَنَّ امْرَأَةً قِيلَ لَهَا فِي مَرَضِهَا أَوْصِي بِكَذَا، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا؛ فَلَمْ يُجِزْهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
(وَلَا) تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ (سَكْرَانَ) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ عَاقِلٍ أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ وَطَلَاقُهُ إنَّمَا وَقَعَ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ (أَوْ) كَانَ (مُبَرْسَمًا) لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ، وَكَذَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ يُفِيقُ أَحْيَانًا، وَوَصَّى فِي إفَاقَتِهِ؛ صَحَّتْ.
وَلَا تَصِحُّ مِنْ طِفْلٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ الْوَصِيَّةَ وَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ.
[فَائِدَةٌ الضَّعِيفُ فِي عَقْلِهِ إنْ مَنَعَ ضَعْفُهُ ذَلِكَ رُشْدَهُ فِي مَالِهِ]
ِ؛ فَكَسَفِيهٍ تَصِحُّ
وَصِيَّتُهُ فِي مَالِهِ، لَا عَلَى وَلَدِهِ وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ رُشْدَهُ؛ فَهُوَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ.
(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (بِخَطٍّ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ خَطُّ مُوصٍ بِإِقْرَارِ وَارِثٍ) أَنَّهُ خَطُّهُ (أَوْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّهُ خَطُّهُ) وَيُعْمَلُ بِهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْوَارِثَ إذَا وَجَدَ فِي دَفْتَرِ مُوَرِّثِهِ [إنَّ] لِي عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا؛ جَازَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ، وَكَذَا لَوْ وَجَدَ فِي دَفْتَرِهِ: إنِّي أَدَّيْت إلَى فُلَانٍ مَا عَلَيَّ؛ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ إنْ وَثِقَ بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ وَأَمَانَتِهِ.
وَقَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ بِالْخَطِّ الْمَعْرُوفِ وَكَذَا الْإِقْرَارُ إذَا وُجِدَ فِي دَفْتَرِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ انْتَهَى.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَاعْتَمَدَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَالَهُ الْخِرَقِيِّ وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الرِّعَايَتَيْنِ وَ " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِمْ انْتَهَى؛ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:«مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» .
وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْكِتَابَةِ، فَدَلَّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِهَا، وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا:«بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ وَغَيْرِهِمْ مُلْزِمًا لِلْعَمَلِ بِتِلْكَ الْكِتَابَةِ» وَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُنْبِئُ عَنْ الْمَقْصُودِ، فَهِيَ كَاللَّفْظِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَقَوْلُ أَحْمَدَ إنْ كَانَ عُرِفَ خَطُّهُ، وَكَانَ مَشْهُورٌ الْخَطُّ يَنْفُذُ مَا فِيهَا. فَإِنَّهُ أَنَاطَ الْحُكْمَ بِالْمَعْرِفَةِ وَالشُّهْرَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ لِمُعَايَنَةِ الْفِعْلِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، خِلَافًا لِلْقَاضِي حَيْثُ اعْتَبَرَ مُعَايَنَةَ الْبَيِّنَةِ.
وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَقْصُودَ حُصُولُ الْعِلْمِ بِنِسْبَةِ الْخَطِّ إلَيْهِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ بِحَيْثُ يَسْتَقِرُّ فِي النَّفْسِ اسْتِقْرَارًا لَا تَرَدُّدَ مَعَهُ، فَوَجَبَ الِاكْتِفَاءُ بِهِ انْتَهَى.
وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُعْلَمْ رُجُوعُهُ عَنْ الْوَصِيَّةِ فَتَبْطُلُ؛ لِأَنَّهَا جَائِزَةٌ كَمَا يَأْتِي، فَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا، وَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ رُجُوعُهُ عَنْهَا عُمِلَ بِهَا (وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ أَوْ تَغَيَّرَ حَالُ مُوصٍ) مِثْلَ أَنْ يُوصِيَ فِي مَرَضٍ، فَيَبْرَأَ مِنْهُ، ثُمَّ يَمُوتَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ أَوْ يُقْتَلَ (لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ) - أَيْ: الْمُوصِي عَلَى وَصِيَّتِهِ - وَ (لَا) تَصِحُّ (إنْ
خَتَمَهَا) مُوصٍ (وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا) مَخْتُومَةً، وَلَمْ يَعْلَمْ الشَّاهِدُ مَا فِيهَا (وَلَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهَا) - أَيْ: الْوَصِيَّةَ - (بِخَطِّهِ) - أَيْ: الْمُوصِي - فَلَا يُعْمَلُ بِهَا؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا تَجُوزُ لَهُ الشَّهَادَةُ بِمَا فِيهَا بِمُجَرَّدِ هَذَا الْقَوْلِ، لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمَا فِيهَا، لَكِنْ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ خَطُّهُ مِنْ خَارِجٍ عُمِلَ بِهِ، لَا بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهَا كَكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، وَعَكْسُ الْوَصِيَّةِ الْحُكْمُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي الْحُكْمُ بِرُؤْيَةِ خَطِّ الشَّاهِدِ احْتِيَاطًا لِلْحُكْمِ، وَلَوْ رَأَى الْحَاكِمُ حُكْمَهُ بِخَطِّهِ تَحْتَ خَتْمِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ، أَوْ رَأَى الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ بِخَطِّهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ؛ لَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ إنْفَاذُ الْحُكْمِ بِمَا وَجَدَهُ بِخَطِّهِ تَحْتَ خَتْمِهِ وَلَا لِلشَّاهِدِ الشَّهَادَةُ بِمَا رَأَى خَطَّهُ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ احْتِيَاطًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَالْوَصِيَّةِ أَنَّهَا سُومِحَ فِيهَا بِصِحَّتِهَا مَعَ الْغَرَرِ وَالْخَطَرِ، وَبِالْمَعْدُومِ وَالْمَجْهُولِ؛ فَجَازَتْ الْمُسَامَحَةُ فِيهَا بِالْعَمَلِ بِالْخَطِّ كَالرِّوَايَةِ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ وَالشَّهَادَةِ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ فِي صَدْرِ وَصِيَّتِهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلَانٌ) ابْنُ فُلَانٍ (أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ؛ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأُوصِي مَنْ تَرَكْت مِنْ أَهْلِي أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَيُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ. وَأُوصِيهِمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ:{يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132] . لِمَا ثَبَتَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: هَكَذَا كَانُوا يُوصُونَ. أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَفِي أَوَّلِهِ: كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صُدُورِ وَصَايَاهُمْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أَوْصَى.
(وَتَجِبُ) الْوَصِيَّةُ (عَلَى مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ) كَدَيْنٍ بِلَا بَيِّنَةٍ أَوْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ (بِلَا
بَيِّنَةٍ) أَوْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ (فَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يُوصِيَ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ) لِأَنَّ أَدَاءَ الْأَمَانَاتِ وَالْوَاجِبَاتِ وَاجِبٌ.
(وَتُسَنُّ) الْوَصِيَّةُ (لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} [البقرة: 180] . نَسَخَ الْوُجُوبَ وَهُوَ الْمَنْعُ مِنْ التَّرْكِ، بَقِيَ الرُّجْحَانُ، وَهُوَ الِاسْتِحْبَابُ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:{يَا ابْنَ آدَمَ جَعَلْتُ لَك نَصِيبًا مِنْ مَالِك حِينَ أَخَذْتَ بِكَظْمِكَ لِأُطَهِّرَك وَأُزَكِّيَك} .
(وَهُوَ) أَيْ: الْخَيْرُ (الْمَالُ الْكَثِيرُ عُرْفًا) فَلَا يَتَقَدَّرُ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي تَقْدِيرِهِ (بِخُمُسِهِ) - أَيْ: مَالِهِ - مُتَعَلِّقٌ بِتُسَنُّ. رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ رضي الله عنهما قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَصَّيْت بِمَا رَضِيَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ لِنَفْسِهِ يَعْنِي فِي قَوْله تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41](لِقَرِيبٍ فَقِيرٍ) لَا يَرِثُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، فَخَرَجَ مِنْهُ الْوَارِثُونَ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:«لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» .
وَبَقِيَ سَائِرُ الْأَقَارِبِ عَلَى الْوَصِيَّةِ لَهُمْ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ الِاسْتِحْبَابُ، وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ أَفْضَلُ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهُ قَرِيبٌ فَقِيرٌ وَتَرَكَ خَيْرًا (فَ) الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُوصِيَ (لِمِسْكِينٍ وَعَالِمٍ) فَقِيرٍ (وَدَيْنِ) فَقِيرٍ وَابْنِ سَبِيلٍ وَغَازٍ (وَتُكْرَهُ) وَصِيَّةٌ (لِفَقِيرٍ) - أَيْ: مِنْهُ - إنْ كَانَ (لَهُ وَرَثَةٌ) مَحَاوِيجُ؛ لِقَوْلِهِ عليه السلام: «إنْ تَتْرُكْ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً» . وَلِأَنَّ إعْطَاءَ الْقَرِيبِ الْمُحْتَاجِ خَيْرٌ مِنْ إعْطَاءِ الْغَنِيِّ، فَمَتَى لَمْ يَبْلُغْ الْمِيرَاثُ غِنَاهُمْ كَانَ تَرْكُهُ لَهُمْ كَعَطِيَّتِهِمْ إيَّاهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِهِمْ، فَعَلَى هَذَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِاخْتِلَافِ الْوَرَثَةِ فِي كَثْرَتِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ وَغِنَاهُمْ وَفَقْرِهِمْ (إلَّا مَعَ غِنَاهُمْ) - أَيْ: الْوَرَثَةِ - (فَتُبَاحُ) الْوَصِيَّةُ. قَالَ فِي " التَّبْصِرَةِ " رَوَاهُ ابْنُ مَنْصُورٍ. وَقَالَهُ
فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ وَ " الْفَائِقِ " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَ " الْهِدَايَةِ " وَ " الْمُذَهَّبِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْخُلَاصَةِ " وَصَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ".
(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (مِمَّنْ لَا وَارِثَ لَهُ بِنَحْوِ رَحِمٍ) كَفَرْضٍ أَوْ عَصَبَةٍ (بِجَمِيعِ مَالِهِ) .
رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّ مَنْعَ مُجَاوَزَةِ الثُّلُثِ ثَبَتَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، فَحَيْثُ لَا وَارِثَ لَهُ يَنْتَفِي الْمَنْعُ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ.
(فَلَوْ) مَاتَ وَ (وَرِثَهُ زَوْجٌ أَوْ زَوْجَةٌ) لَا غَيْرُ وَكَانَ قَدْ أَوْصَى بِجَمِيعِ مَالِهِ (وَرَدَّهَا) أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ (بِالْكُلِّ) - أَيْ: كُلِّ الْمَالِ - (بَطَلَتْ) الْوَصِيَّةُ (فِي قَدْرِ فَرْضِهِ) - أَيْ: الرَّادِّ - (مِنْ ثُلُثَيْهِ) - أَيْ: الْمَالِ - فَإِنْ كَانَ الرَّادُّ زَوْجًا بَطَلَتْ فِي الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ لَهُ نِصْفَ الثُّلُثَيْنِ، وَإِنْ كَانَ زَوْجَةً بَطَلَتْ فِي السُّدُسِ؛ لِأَنَّ لَهَا رُبْعَ الثُّلُثَيْنِ، (فَيَأْخُذُ وَصِيٌّ) - أَيْ: مُوصَى لَهُ - (الثُّلُثَ) لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةٍ، (ثُمَّ) يَأْخُذُ (ذُو الْفَرْضِ) وَهُوَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي الْمِثَالِ (فَرْضَهُ مِنْ ثُلُثَيْهِ) الْبَاقِيَيْنِ بَعْدَ أَخْذِ الْمُوصِي لَهُ، فَيَأْخُذُ رُبْعَ الثُّلُثَيْنِ وَهُوَ سُدُسٌ إنْ كَانَ الرَّادُّ زَوْجَةً، وَنِصْفَهُمَا وَهُوَ الثُّلُثُ إنْ كَانَ الرَّادُّ زَوْجًا (ثُمَّ تَتِمُّ الْوَصِيَّةُ مِنْهُمَا) - أَيْ: الثُّلُثَيْنِ -؛ أَيْ: مِنْ الْبَاقِي مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمَا، فَلَا يَأْخُذَانِ مِنْ الْمَالِ أَكْثَرَ مِنْ فَرْضَيْهِمَا، وَلِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى فَرْضِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لَيْسَ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْمُوصَى لَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِمُوصٍ وَارِثٌ أَصْلًا.
(وَلَوْ وَصَّى أَحَدُهُمَا) - أَيْ: أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ - (لِلْآخَرِ) بِكُلِّ مَالِهِ، وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرَهُ (فَلَهُ) - أَيْ: الْمُوصَى لَهُ - (كُلُّهُ) - أَيْ: كُلُّ الْمَالِ - فَيَأْخُذُهُ جَمِيعَهُ (إرْثًا وَوَصِيَّةً) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمَا.
(وَتَحْرُمُ) الْوَصِيَّةُ (وَلَوْ) كَانَتْ (لِصَحِيحٍ) - أَيْ: مِنْهُ - إذْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ صِحَّةِ الْمُوصِي أَوْ مَرَضِهِ (مِمَّنْ يَرِثُهُ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
نَصَّ عَلَيْهِ (غَيْرَ زَوْجٍ أَوْ) غَيْرَ (زَوْجَةٍ، وَيَتَّجِهُ) كَوْنُ الزَّوْجَيْنِ (أَجْنَبِيَّيْنِ) إذْ
لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَارِثًا لَصَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّ لَهُ وَارِثًا بِغَيْرِ الزَّوْجِيَّةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(بِزَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ لِأَجْنَبِيٍّ، وَلِوَارِثٍ بِشَيْءٍ) مُطْلَقًا، سَوَاءٌ وُجِدَتْ الْوَصِيَّةُ فِي صِحَّةِ الْمُوصِي أَوْ مَرَضِهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لِسَعْدٍ حِينَ قَالَ: أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إنَّك إنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ.
(وَتَصِحُّ) هَذِهِ الْوَصِيَّةُ الْمُحَرَّمَةُ (وَيَقِفُ نُفُوذُ) هَا (عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ» . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ» . رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ.
وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْإِجَازَةِ؛ وَلَوْ خَلَا عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ فَمَعْنَاهُ لَا وَصِيَّةَ نَافِذَةٌ أَوْ لَازِمَةٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مُخَصِّصَانِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعُمُومِ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا رَضُوا بِإِسْقَاطِهِ سَقَطَ.
(وَلَوْ وَصَّى) مَنْ لَهُ وَرَثَةٌ (لِكُلِّ وَارِثٍ) مِنْهُمْ (بِمُعَيَّنٍ) مِنْ مَالِهِ (بِقَدْرِ إرْثِهِ) صَحَّ، أَجَازَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ كَرَجُلٍ خَلَفَ ابْنًا وَبِنْتًا وَخَلَفَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ وَأَمَةً قِيمَتُهَا خَمْسُونَ، فَوَصَّى لِلِابْنِ بِالْعَبْدِ وَلِلْبِنْتِ بِالْأَمَةِ فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَارِثِ فِي الْقَدْرِ لَا فِي الْعَيْنِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَاوَضَ الْمَرِيضُ بَعْضَ وَرَثَتِهِ أَوْ أَجْنَبِيًّا جَمِيعَ مَالِهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ