الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إنَّمَا أَرَدْت أَنِّي اسْتَوْفَيْت النَّجْمَ الْآخِرَ دُونَ مَا قَبْلَهُ، وَادَّعَى الْعَبْدُ إقْرَارَهُ بِاسْتِيفَاءِ الْكُلِّ؛ فَقَوْلُ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.
(وَيَثْبُتُ الْأَدَاءُ) لِكِتَابَةٍ (وَيَعْتِقُ) بِهِ الْمُكَاتَبُ (بِشَاهِدٍ) ؛ أَيْ: بِرَجُلٍ وَاحِدٍ (مَعَ امْرَأَتَيْنِ أَوْ) بِرَجُلٍ وَاحِدٍ مَعَ (يَمِينِ) الْعَبْدِ لِأَنَّ النِّزَاعَ بَيْنَهُمَا فِي أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَالْمَالُ، يُقْبَلُ فِيهِ الشَّاهِدُ مَعَ الْيَمِينِ، وَالرَّجُلُ مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ.
(تَتِمَّةٌ) : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ شَاهِدٌ، وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، فَإِنْ قَالَ: لِي شَاهِدٌ غَائِبٌ أَنْظِرْ ثَلَاثًا، فَإِنْ جَاءَ؛ وَإِلَّا حَلَفَ السَّيِّدُ، ثُمَّ مَتَى جَاءَ شَاهِدُهُ، وَأَدَّى الشَّهَادَةَ، ثَبَتَتْ حُرِّيَّتُهُ، وَإِنْ جُرِّحَ شَاهِدُهُ، فَقَالَ: لِي شَاهِدٌ آخَرُ؛ أَنْظِرْ ثَلَاثًا.
[فَصْلٌ الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ]
(فَصْلٌ: وَ) الْكِتَابَةُ (الْفَاسِدَةُ كَ) مَا لَوْ كَاتَبَهُ (عَلَى خَمْرٍ أَوْ) كَاتَبَهُ عَلَى (خِنْزِيرٍ أَوْ) كَاتَبَهُ عَلَى شَيْءٍ (مَجْهُولٍ) كَثَوْبٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ نَحْوِهِمَا (يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الصِّفَةِ فِي أَنَّهُ) ؛ أَيْ: الْعَبْدِ (إذَا أَدَّى) مَا سُمِّيَ فِيهَا (عَتَقَ) سَوَاءٌ كَانَ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ صِفَةُ تَعْلِيقٍ؛ كَقَوْلِهِ: إنْ أَدَّيْتَ إلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْكِتَابَةِ؛ فَهُوَ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ وَكَالْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ، وَإِذَا عَتَقَ بِالْأَدَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ قِيمَةُ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى سَيِّدِهِ بِمَا أَعْطَاهُ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِالصِّفَةِ، وَمَا أَخَذَهُ السَّيِّدُ مِنْهُ؛ فَهُوَ مَنْ كَسْبِ عَبْدِهِ.
وَ (لَا) يَعْتِقُ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ (إنْ أُبْرِئَ) الْمُكَاتَبُ مِمَّا عَلَيْهِ؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ (وَيَتْبَعُ وَلَدٌ) فِي كِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ؛ أَشْبَهَ الصَّحِيحَةَ وَ (لَا) يَتْبَعُ (كَسْبٌ فِيهَا) ؛ أَيْ: الْفَاسِدَةِ فَمَا بِيَدِهِ حِينَ عَتَقَ لِسَيِّدِهِ كَمَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ، فَوُجِدَتْ وَبِيَدِهِ مَالٌ (وَلَا يَجِبُ) عَلَى السَّيِّدِ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ (الْإِيتَاءُ) أَيْ: أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الْمُكَاتَبِ رُبْعَ مَالِ الْكِتَابَةِ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ هُنَا بِالصِّفَةِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ.
(وَلِكُلٍّ) مِنْ سَيِّدٍ وَرَقِيقٍ (فَسْخُهَا) ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُ حُكْمُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ ثَمَّةَ صِفَةً كَقَوْلِهِ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ لَمْ تَكُنْ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ، وَتَابِعَةٌ لَهَا، وَالْمُعَاوَضَةُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، فَإِذَا بَطَلَتْ الْمُعَاوَضَةُ؛ بَطَلَتْ الصِّفَةُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ، وَيَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ فِي الْفَاسِدَةِ التَّصَرُّفَ فِي كَسْبِهِ، وَأَخْذِ الزَّكَوَاتِ وَالصَّدَقَاتِ كَالصَّحِيحَةِ، وَإِذَا كَاتَبَ عَدَدًا كِتَابَةً فَاسِدَةً، فَأَدَّى إلَيْهِ أَحَدُهُمْ؛ عَتَقَ كَالصَّحِيحَةِ.
(وَتَنْفَسِخُ) الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ (بِمَوْتِ سَيِّدٍ وَجُنُونِهِ وَحَجْرٍ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ) لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، فَلَا يَئُولَ إلَى اللُّزُومِ، وَأَيْضًا فَالْمُغَلَّبُ فِيهَا حُكْمُ الصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ، وَهِيَ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ.
(وَإِنْ) كَاتَبَ السَّيِّدُ رَقِيقَهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً وَ (وَقَعَتْ) الْكِتَابَةُ (غَيْرَ مُنَجَّمَةٍ بِ) عِوَضٍ (مُبَاحٍ مَعْلُومٍ) كَوُقُوعِهَا عَلَى عِوَضٍ مُحَرَّمٍ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، أَوْ حَالَّةً، أَوْ عَلَى عِوَضٍ مَجْهُولٍ (فَقَالَ الْأَكْثَرُ) مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّهَا (بَاطِلَةٌ مِنْ أَصْلِهَا) لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَاتَبَهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً، فَأَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ؛ عَتَقَ مَا لَمْ تَكُنْ الْكِتَابَةُ مُحَرَّمَةً، فَحَكَمَ فِي الْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ إلَّا فِي الْمُحَرَّمَةِ، فَلَا يَقَعُ الْعِتْقُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ بِأَدَاءِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْعَقِدُ بِعِوَضٍ مُحَرَّمٍ، بَلْ هُوَ عِنْدَهُ بَاطِلٌ، وَأَمَّا فِي الْحَالَّةِ؛ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ عَقَدُوا الْكِتَابَةَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَقْدُهَا حَالَّةً، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى تَرْكِهِ، وَلِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ عِوَضِهَا فِي الْحَالِ، فَكَانَ مِنْ شَرْطِهَا التَّأْجِيلُ كَالسَّلَمِ، وَأَمَّا فِي الْعِوَضِ الْمَجْهُولِ؛ فَلِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَتْ الْبَيْعَ، وَفِي التَّنْجِيمِ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نَجْمٍ حِكْمَتَانِ: إحْدَاهُمَا تَرْجِعُ إلَى الْمُكَاتَبِ، وَهُوَ التَّخْفِيفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ إذَا كَانَ مُفَرَّقًا أَسْهَلُ، وَلِهَذَا تُقَسَّطْ الدُّيُونُ عَلَى الْمُعْسِرِينَ عَادَةً تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ. وَالْأُخْرَى لِلسَّيِّدِ، وَهِيَ أَنَّ مُدَّةَ الْكِتَابَةِ تَطُولُ غَالِبًا، فَلَوْ كَانَتْ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ لَمْ يَظْهَرْ عَجْزُهُ إلَّا
فِي آخِرِ الْمُدَّةِ، فَإِذَا عَجَزَ عَادَ إلَى الرِّقِّ، وَفَاتَتْ مَنَافِعُهُ فِي مُدَّةِ الْكِتَابَةِ كُلِّهَا عَلَى السَّيِّدِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ حَصَلَ لَهُ، وَإِذَا كَانَتْ مُنَجَّمَةً نُجُومًا، فَعَجَزَ عَنْ النَّجْمِ الْأَوَّلِ فَمُدَّتُهُ يَسِيرَةٌ، وَإِنَّ عَجَزَ عَمَّا بَعْدَهُ فَقَدْ حَصَلَ لِلسَّيِّدِ نَفْعٌ بِمَا أَخَذَ مِنْ النُّجُومِ قَبْلَ عَجْزِهِ (وَكَانَ الْأَوْلَى) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (تَغْلِيبُ حُكْمِ الصِّفَةِ أَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ)، وَلِأَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالُوا: إنَّ الْكِتَابَةَ الْفَاسِدَةَ تَعْلِيقٌ بِصِفَةٍ، فَلَا يُؤَثِّرُ فَسَادُهَا وَلَا تَحْرِيمُهَا، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ أَعْطَيْتنِي خَمْرًا، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَأَعْطَاهُ؛ عَتَقَ؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ (قَالَهُ) زَيْنُ الدِّينِ (بْنُ رَجَبٍ) فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِعَةِ وَالْأَرْبَعِينَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
(وَإِنْ كَاتَبَ ذِمِّيٌّ قِنَّهُ) وَأَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا، أَوْ لَمْ يُسْلِمَا (وَتَرَافَعَا إلَيْنَا، فَإِنْ كَانَتْ) الْكِتَابَةُ (صَحِيحَةً؛ أُقِرَّ الْعَقْدُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 48](أَوْ) كَانَتْ الْكِتَابَةُ (فَاسِدَةً) مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ خَمْرًا وَنَحْوَهُ، وَقَدْ تُقَابِضَاهُ؛ أُقِرَّ الْعَقْدُ أَيْضًا، وَحَصَلَ الْعِتْقُ، سَوَاءٌ تَرَافَعَا إلَيْنَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِلُزُومِهِ بِالتَّقَابُضِ، وَإِنْ تَقَابَضَاهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ؛ فَهِيَ كِتَابَةٌ فَاسِدَةٌ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُهَا، وَإِنْ تَرَافَعَا (قَبْلَ تَقَابُضٍ) لِلْخَمْرِ وَنَحْوِهِ (أَبْطَلْنَاهُ) ؛ أَيْ: الْعَقْدَ كَسَائِرِ عُقُودِهِمْ الْفَاسِدَةِ، إذَا تَرَافَعُوا إلَيْنَا قَبْلَ التَّقَابُضِ.
(تَتِمَّةٌ) : وَتَصِحُّ كِتَابَةُ الْحَرْبِيِّ لِرَقِيقِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ، كَكِتَابَةِ الذِّمِّيِّ وَسَائِرِ عُقُودِهِ، فَإِنْ دَخَلَا مُسْتَأْمَنَيْنِ إلَيْنَا لَمْ يَتَعَرَّضْ الْحَاكِمُ لَهُمَا؛ إلَّا أَنْ يَتَرَافَعَا إلَيْهِ، إنْ تَرَافَعَا إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ صَحِيحَةً أَلْزَمَهُمَا حُكْمَهَا، وَإِنْ دَخَلَا دَارَ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ قَهَرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ؛ بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ دَارُ قَهْرٍ وَإِبَاحَةٍ، فَمَنْ قَهَرَ صَاحِبَهُ - وَلَوْ حُرًّا - قَهْرَ حُرًّا مَلَكَهُ. وَإِنْ دَخَلَا دَارَ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ قَهْرٍ، ثُمَّ قَهَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لَمْ تَبْطُلْ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْقَهْرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.