الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فِي الِانْتِفَاعِ دُونَ الْإِذْنِ فِي الْحِفْظِ، وَمُؤْنَتُهُ كَمُودَعٍ. انْتَهَى.
وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ هُنَا مَشَى عَلَى الْمَرْجُوحِ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِجَارَةِ، فَتَنَبَّهْ لَهُ.
(وَيَضْمَنُ مَنْ) - أَيْ: وَدِيعٌ - (أَحْرَزَهَا) - أَيْ: الْوَدِيعَةَ - بِأَنْ لَمْ يُمَكِّنْ مَالِكَهَا مِنْ أَخْذِهَا (بَعْدَ طَلَبٍ) ، فَإِنْ أَخَّرَ الرَّدَّ بَعْدَ طَلَبِهَا (بِلَا عُذْرٍ) فِي تَأْخِيرِهِ؛ ضَمِنَ إنْ تَلِفَتْ، أَوْ نَقَصَتْ كَالْغَاصِبِ، وَإِنْ طَلَبَهَا فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا إلَيْهِ بَعْدَهَا، أَوْ لِمُخَالَفَةٍ فِي طَرِيقِهَا أَوْ لِلْعَجْزِ عَنْهَا وَعَنْ حَمْلِهَا؛ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِتَرْكِ تَسْلِيمِهَا، وَلَمْ يَضْمَنْهَا، لِعَدَمِ عُدْوَانٍ، وَمِثْلُهُ مَنْ (أَخَّرَ مَالًا أَمَرَ) ؛ أَيْ: أَمَرَهُ مَالِكُهُ (بِدَفْعِهِ) إلَى وَكِيلِهِ (بَعْدَ إمْكَانٍ) مِنْ دَفْعِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى تَلِفَ؛ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ - (وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْ) الْوَكِيلُ ذَلِكَ - لِأَنَّهُ أَمْسَكَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى ") فَإِنَّهُ قَالَ: وَمَنْ أَخَّرَ رَدَّهَا أَوْ مَالًا أُمِرَ بِدَفْعِهِ بَعْدَ طَلَبٍ بِلَا عُذْرٍ؛ ضَمِنَ. وَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْمَذْهَبُ. صَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَمَشَى عَلَيْهِ فِي " الْإِقْنَاعِ ".
(وَيُمْهَلُ) مَنْ طُولِبَ بِوَدِيعَةٍ أَوْ بِمَالٍ أُمِرَ بِدَفْعِهِ إلَى مُسْتَحَقِّهِ (لِنَحْوِ أَكْلٍ) كَكَوْنِهِ فِي حَمَّامٍ إلَى قَضَاءِ غَرَضِهِ (كَهَضْمِ) طَعَامٍ (وَنَوْمٍ) إلَى أَنْ يَسْتَيْقِظَ (وَمَطَرٍ وَطُهْرٍ بِقَدْرِهِ، فَلَا تُضَمَّنُ) الْوَدِيعَةُ (بِتَلَفِ زَمَنِهِ) - أَيْ: الْعُذْرِ - لِعَدَمِ عُدْوَانِهِ.
[وَتَثْبُتُ وَدِيعَةٌ حُكْمًا بِإِقْرَارِ وَارِثٍ]
(وَتَثْبُتُ وَدِيعَةٌ حُكْمًا بِإِقْرَارِ) وَدِيعٍ؛ بِأَنْ أَقَرَّ أَنَّهَا لِفُلَانٍ أَوْ إقْرَارِ (وَارِثٍ) لِلْوَدِيعِ بَعْدَهُ، أَوْ وُجُودِ (نَحْوِ بَيِّنَةٍ) كَأَمَارَةٍ ظَاهِرَةٍ، بِأَنْ وُجِدَ إنَاءٌ ذَهَبٌ أَوْ جَوْهَرٌ عِنْدَ فَقِيرٍ، وَادَّعَاهُ غَنِيٌّ مَعْرُوفٌ بِاقْتِنَاءِ ذَلِكَ؛ لِدَلَالَةِ الْقَرِينَةِ عَلَى صِدْقِ دَعْوَاهُ، وَتُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ بِعَيْنِهَا وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ
سِوَاهَا فَهُمَا سَوَاءٌ إنْ وَفَّتْ بِهِمَا، وَإِلَّا تَحَاصَّا؛ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ وَجَبَا فِي ذِمَّتِهِ، فَتَسَاوَيَا كَالدَّيْنَيْنِ، وَسَوَاءٌ وُجِدَ فِي تَرِكَتِهِ مِنْ جِنْسِ الْوَدِيعَةِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، وَقِيلَ: لَا يُعْمَلُ (بِخَطِّ مُوَرِّثٍ خَلَا عَنْهُمَا) - أَيْ: عَنْ الْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ، (خِلَافًا لَهُمَا) - أَيْ:" لِلْمُنْتَهَى " وَ " الْإِقْنَاعِ "(وَإِنْ لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ بَاطِنًا مَعَ تَحَقُّقِهِ) أَنَّهُ خَطُّ مُوَرِّثِهِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ " وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقُ كَأَنْ وُجِدَ مَكْتُوبًا عَلَى وِعَاءٍ (هَذَا وَدِيعَةٌ أَوْ) هَذَا (لِفُلَانٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْوِعَاءَ كَانَتْ فِيهِ وَدِيعَةٌ قَبْلَ هَذِهِ، أَوْ كَانَ وَدِيعَةً لِلْمَيِّتِ عِنْدَ غَيْرِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَعِبَارَةُ " الْمُنْتَهَى " وَيُعْمَلُ بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ عَلَى كِيسٍ وَنَحْوِهِ هَذَا وَدِيعَةٌ أَوْ لِفُلَانٍ، وَعِبَارَةُ " الْإِقْنَاعِ " وَإِنْ وَجَدَ خَطَّ مُوَرِّثِهِ لِفُلَانٍ عِنْدِي وَدِيعَةٌ أَوْ عَلَى كِيسٍ وَنَحْوِهِ هَذَا لِفُلَانٍ، عُمِلَ بِهِ وُجُوبًا.
وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": وَإِنْ وُجِدَ خَطُّ مُوَرِّثِهِ لِفُلَانٍ عِنْدِي وَدِيعَةٌ أَوْ عَلَى كِيسٍ هَذَا لِفُلَانٍ عُمِلَ بِهِ وُجُوبًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيُعْمَلُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ فِي الْوَصِيَّةِ وَنَصَرَهُ غَيْرُهُ، وَقَالَ: قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَكْرُوسٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ. انْتَهَى.
هَكَذَا وَجَدْتُهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا وَيَعْمَلُ وَارِثٌ وُجُوبًا (بِخَطِّ مُوَرِّثٍ) وَجَدَهُ مَكْتُوبًا عَلَى كِيسٍ أَوْ صُنْدُوقٍ أَوْ كِتَابٍ ثَبَتَ أَنَّهُ خَطُّهُ بِهِمَا - أَيْ: بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارِ مُوَرِّثٍ بِذَلِكَ - كَقَوْلِهِ (هَذَا وَدِيعَةٌ) عِنْدِي أَوْ هَذَا (لِفُلَانٍ) نَصًّا،
وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ مَا قَالَاهُ؛ إذْ ثُبُوتُ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ لَا يَسْتَرِيبُ بِهِ عَاقِلٌ، وَكِلْتَا الْعِبَارَتَيْنِ لَا تَخْلُوَانِ عَنْ تَحْرِيفٍ مِنْ النُّسَّاخِ أَوْ سَهْوٍ مِنْ الْمُصَنِّفِ، (وَ) إنْ وَجَدَ وَارِثٌ خَطَّ مُوَرِّثِهِ (بِدَيْنٍ عَلَيْهِ) عَلَى مُوَرِّثِهِ لِمُعَيَّنٍ؛ عُمِلَ بِهِ وُجُوبًا، وَدُفِعَ الدَّيْنُ إلَى مَنْ هُوَ مَكْتُوبٌ بِاسْمِهِ كَالْوَدِيعَةِ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي " إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ " وَقَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَارِثِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْكِتَابَةُ بِالدُّيُونِ عَلَيْهِ كَالْكِتَابَةِ الْوَدِيعَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ السَّامِرِيُّ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " انْتَهَى.
أَوْ وَجَدَ خَطَّ مُوَرِّثِهِ بِدَيْنٍ (لِفُلَانٍ) هَكَذَا فِي النُّسَخِ صَوَابُهُ لَهُ عَلَى فُلَانٍ لِيُوَافِقَ مَا فِي الْمُتُونِ،
فَيَعْمَلُ الْوَارِثُ بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ (يَحْلِفَ) عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ ذَلِكَ.
(وَيَتَّجِهُ) جَوَازُ الْحَلِفِ (مَعَ) وُجُودِ (شَاهِدٍ) بِالدَّيْنِ، فَيَحْلِفُ (اعْتِمَادًا عَلَى خَطِّ مُوَرِّثِهِ الصَّدُوقِ) الْأَمِينِ الَّذِي يُعْلَمُ مِنْهُ ذَلِكَ، وَيُعْتَقَدُ أَنَّهُ لَا يَكْتُبُ إلَّا حَقًّا، وَيَسْتَحِقُّ الدَّيْنَ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَيَطِيبُ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ فُلَانٍ، قَطَعَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَشَرْحِ الْحَارِثِيِّ وَ " إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ " فَيَجُوزُ الْحَلِفُ عَلَى مَا لَا تَجُوزُ بِهِ الشَّهَادَةُ؛ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ أَبِيهِ وَغَيْرِهِمَا إذَا رَآهَا بِخَطِّهِ، [ (وَإِلَّا) يَعْلَمْ صِدْقَ مُوَرِّثِهِ (فَلَا) يَجُوزُ لَهُ الْحَلِفُ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ شَاهِدٍ فَقَطْ] ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. .
(وَإِنْ ادَّعَاهَا) - أَيْ: الْوَدِيعَةَ - (اثْنَانِ، فَأَقَرَّ) الْوَدِيعُ (لِأَحَدِهِمَا) ؛ فَهِيَ (لَهُ) - أَيْ: لِلْمَقَرِّ لَهُ - (بِيَمِينِهِ) بِلَا نِزَاعٍ؛ لِأَنَّ الْيَدَ كَانَتْ لِلْوَدِيعِ، وَقَدْ نَقَلَهَا إلَى الْمُدَّعِي، فَصَارَتْ الْيَدُ لَهُ، وَمَنْ كَانَتْ الْيَدُ لَهُ قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَمِنْ أَفْرَادِ ذَلِكَ لَوْ قَالَ الْوَدِيعُ: أَوْدَعَنِيهَا الْمَيِّتُ، أَوْ قَالَ: هِيَ لِفُلَانٍ، وَقَالَ وَرَثَتُهُ: بَلْ هِيَ لَهُ. أَفْتَى الشَّيْخُ التَّقِيُّ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَدِيعِ مَعَ يَمِينِهِ.
(وَيَحْلِفُ) الْوَدِيعُ أَيْضًا لِلْمُدَّعِي (الْآخِرِ) الَّذِي أَنْكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لَدَعْوَاهُ، وَتَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ "، فَإِنْ حَلَفَ بَرِيءَ وَإِلَّا يَحْلِفُ لَزِمَهُ - أَيْ: الْوَدِيعَ - بَدَلُهَا؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَى الْمُدَّعِي، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْأَوَّلِ، فَتُسَلَّمُ لِلْأَوَّلِ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِلثَّانِي نَصًّا، وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا (لَهُمَا) مَعًا فَهِيَ (لَهُمَا) - أَيْ: بَيْنَهُمَا - كَمَا لَوْ كَانَتْ بِأَيْدِيهِمَا وَتَدَاعَيَاهَا، (وَيَحْلِفُ لِكُلِّ) وَاحِدٍ (مِنْهُمَا) يَمِينًا عَلَى نِصْفِهَا، (فَإِنْ نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينَيْنِ؛ (لَزِمَهُ لِكُلِّ) وَاحِدٍ مِنْهُمَا (نِصْفُ بَدَلِ) نِصْفِهَا، (وَإِنْ نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ (لِأَحَدِهِمَا) فَقَطْ؛ (لَزِمَهُ لَهُ) - أَيْ: لِمَنْ نَكَلَ
عَنْ الْيَمِينِ لَهُ عِوَضُ (نِصْفِهِ، وَ) يَلْزَمُ أَنْ (يَحْلِفَ كُلُّ) وَاحِدٍ مِنْهُمَا (لِصَاحِبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لَدَعْوَاهُ.
(وَإِنْ قَالَ) الْوَدِيعُ جَوَابًا لِدَعْوَاهُمَا: (لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا) مِنْكُمَا (وَصَدَّقَاهُ) عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهَا (أَوْ سَكَتَا) عَنْ تَصْدِيقِهِ أَوْ تَكْذِيبِهِ؛ (فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ) ؛ إذْ لَا اخْتِلَافَ، (وَاقْتَرَعَا) فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ سُلِّمَتْ إلَيْهِ بِيَمِينِهِ، (وَإِنْ كَذَّبَاهُ) بِأَنْ قَالَا: بَلْ تَعْرِفُ أَيُّنَا صَاحِبُهَا، أَوْ كَذَّبَهُ (أَحَدُهُمَا حَلَفَ) لَهُمَا (يَمِينًا وَاحِدَةً أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَكَذَا إنْ كَذَّبَهُ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ، (وَاقْتَرَعَا) فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ أَنَّهَا لَهُ؛ لِاحْتِمَالِ عَدَمِهِ، وَأَخَذَهَا بِمُقْتَضَى الْقُرْعَةِ، (فَإِنْ نَكَّلَ) الْوَدِيعُ عَنْ الْيَمِينِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ صَاحِبَهَا (حُكِمَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَأُلْزِمَ) بِتَعْيِينِ صَاحِبِهَا، فَإِنْ أَبَى تَعْيِينُهُ؛ أُلْزِمَ (بِبَدَلِهَا أَيْضًا) مِثْلِ الْمِثْلِيَّةِ وَقِيمَةِ الْمُتَقَوِّمَةِ، فَتُؤْخَذُ الْقِيمَةُ وَالْعَيْنُ أَوْ الْمِثْلُ وَالْعَيْنُ، وَإِذَا أَخَذَاهُمَا (اقْتَرَعَا عَلَيْهِمَا) .
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: أَعْلَمُ الْمُسْتَحِقَّ، وَلَا أَحْلِفُ، (فَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالْعَيْنِ لِأَخْذِ الْقِيمَةِ رُدَّتْ إلَيْهِ) الْعَيْنُ لِلْبَيِّنَةِ، وَتَقَدُّمِهَا عَلَى الْقُرْعَةِ، وَرُدَّتْ (الْقِيمَةُ لِلْمُودِعِ، وَلَا شَيْءَ لِلْقَارِعِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ عَلَيْهِ شَيْئًا، بَلْ الْمُفَوِّتُ الْبَيِّنَةُ، (وَيَأْتِي فِي) بَابِ (الدَّعَاوَى) بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا.
(وَإِنْ أَوْدِعَاهُ)[- أَيْ:] اثْنَانِ - (مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا يَنْقَسِمُ) إجْبَارًا بِأَنْ لَمْ يَنْقُصْ بِتَفَرُّقِهِ، (فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ) مِنْ الْوَدِيعِ (لِغِيبَةِ شَرِيكِهِ أَوْ) حُضُورِهِ وَ (امْتِنَاعِهِ) ؛ (سَلَّمَ) النَّصِيبَ (إلَيْهِ) - أَيْ: إلَى الطَّالِبِ - وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ أُمْكِنَ تَمْيِيزُ نَصِيبِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ بِغَيْرِ غَبَنٍ وَلَا ضَرَرٍ، فَإِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ؛ لَزِمَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَ مُتَمَيِّزًا. هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَ " الْمُذَهَّبِ " ومَسْبُوكِ الذَّهَبِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْخُلَاصَةِ " وَ " التَّلْخِيصِ " وَ " الْبُلْغَةِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمْ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَوْ كَانَ عَلَى الْوَدِيعِ دَيْنٌ بِقَدْرِ الْوَدِيعَةِ كَأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَعْطَاهُ الْوَدِيعُ أَلْفًا، ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْوَدِيعُ: الَّذِي دَفَعْت
إلَيْك وَفَاءً عَنْ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةُ تَلِفَتْ، فَقَالَ الْمَالِكُ: بَلْ هُوَ الْوَدِيعَةُ وَالدَّيْنُ بِحَالِهِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَدِيعِ.
(وَلِمُودِعٍ وَمُضَارِبٍ وَمُسْتَأْجَرٍ وَمُرْتَهِنٍ) قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْت: وَمِثْلُهُمْ الْعَدْلُ بِيَدِهِ الرَّهْنُ وَالْأَجِيرُ عَلَى حِفْظِ عَيْنٍ وَالْوَكِيلُ فِيهِ وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْمُجَاعِلُ عَلَى عَمَلِهَا (إنَّ غُصِبَتْ الْعَيْنُ) - أَيْ: الْوَدِيعَةُ - أَوْ مَالُ الْمُضَارَبَةِ أَوْ الرَّهْنِ أَوْ الْمُسْتَأْجَرَةِ (الْمُطَالَبَةِ بِهَا) مِنْ غَاصِبِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ حِفْظِهَا الْمَأْمُورِ بِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ ذَكَرَ الْمُطَالَبَةَ بِالْعَيْنِ إذَا غُصِبَتْ، وَلَا يَلْزَمُهُ (مَعَ حُضُورِ مَالِكِهَا) . قَالَهُ الْمُوَفَّقُ، وَإِلَّا يَكُنْ مَالِكُ الْعَيْنِ حَاضِرًا (لَزِمَهُ) أَنْ يُطَالِبَ بِهَا (مَعَ خَوْفِ ضَيَاعٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا، وَذَلِكَ مِنْهُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
غَرِيبَةٌ: لَوْ أَوْدَعَ كِيسًا مَخْتُومًا مِنْ عَشْرِ سِنِينَ ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ، وَادَّعَى أَنَّهُ فُضَّ خَتْمُهُ، وَأَنَّهُ خَالٍ صُدِّقَ الْمُودِعُ فَلَوْ فَتَحَ فَوَجَدَ فِيهِ دَرَاهِمَ مِنْ ضَرْبِ خَمْسِ سِنِينَ فَكَذَلِكَ. قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ".
(وَلَا يَضْمَنُ مُودَعٌ أُكْرِهَ) عَلَى دَفْعِ الْوَدِيعَةِ وَلَوْ لَمْ يَنَلْهُ عَذَابٌ، بَلْ أُكْرِهَ (بِتَهْدِيدٍ عَلَى دَفْعِهَا لِغَيْرِ رَبِّهَا) قَالَهُ الْأَصْحَابُ. ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ، وَذَكَرَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَوْ أَسْلَمَ لِوَدِيعَةٍ كُرْهًا لَمْ يَضْمَنْ، وَقَالَ: وَإِنْ صَادَرَهُ سُلْطَانٌ لَمْ يَضْمَنْ. قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ " وَابْنُ عَقِيلٍ فِي " الْفُصُولِ " وَالْمُوَفَّقِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرُهُمْ.
(وَإِنْ طَلَبَ يَمِينَهُ) أَيْ: الْوَدِيعِ - أَنْ لَا وَدِيعَةَ لِفُلَانٍ عِنْدَهُ، (وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا) مِنْ الْحَلِفِ بِأَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ يَمِينَهُ مُتَغَلِّبًا عَلَيْهِ بِسُلْطَتِهِ أَوْ تَلَصُّصٍ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْخَلَاصُ مِنْهُ إلَّا بِالْحَلِفِ؛ (حَلَفَ وَتَأَوَّلَ) ، فَيَنْوِي لَا وَدِيعَةَ عِنْدِي لِفُلَانٍ فِي مَوْضِعِ كَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّذِي لَيْسَتْ بِهَا وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يَحْنَثْ لِتَأَوُّلِهِ، (فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ حَتَّى أَخَذَهُ مِنْهُ ضَمِنَهَا خِلَافًا
لِأَبِي الْخَطَّابِ) ؛ لِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ الْحَلِفِ، كَمَا لَوْ سَلَّمَهَا إلَى غَيْرِ رَبِّهَا ظَانًّا أَنَّهُ هُوَ، فَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ، وَقِيلَ:(لَا يَأْثَمُ إنْ حَلَفَ) الْوَدِيعُ (مُكْرَهًا) أَنَّهُ لَا وَدِيعَةَ لِفُلَانٍ عِنْدَهُ، (وَلَمْ يَتَأَوَّلْ مَعَ ضَرَرِ تَغْرِيمٍ كَثِيرًا، وَلَا يُكَفِّرُ) عَنْ يَمِينِهِ، (خِلَافًا لَهُمَا) - أَيْ:" لِلْمُنْتَهَى " وَ " الْإِقْنَاعِ "(فِيهِمَا) - أَيْ: فِي عَدَمِ الْإِثْمِ وَعَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ - كَذَا قَالَ، وَعِبَارَةُ " الْمُنْتَهَى " وَيَأْثَمُ إنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ، وَهُوَ دُونَ إثْمِ إقْرَارِهِ بِهَا، وَيُكَفِّرُ، وَعِبَارَةُ " الْإِقْنَاعِ " وَإِنْ حَلَفَ وَلَمْ يَتَأَوَّلْ؛ أَثِمَ، وَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَإِنْ حَلَفَ، وَلَمْ يَتَأَوَّلْ أَثِمَ، وَقَالَ: الصَّوَابُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ مَعَ إمْكَانِ التَّأْوِيلِ وَقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَعِلْمِهِ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ، ثُمَّ وَجَدْته فِي " الْفُرُوعِ " فِي بَابِ جَامِعِ الْأَيْمَانِ قَالَ: وَيُكَفِّرُ عَلَى الْأَصَحِّ انْتَهَى.
وَكَوْنُهُ يَأْثَمُ إذَا لَمْ يَتَأَوَّلْ لِحَلِفِهِ كَاذِبًا، لَكِنَّ إثْمَ حَلِفِهِ دُونَ إثْمِ إقْرَارِهِ بِهَا؛ لِأَنَّ حِفْظَ مَالِ الْغَيْرِ عَنْ الضَّيَاعِ آكَدُ مِنْ بِرِّ الْيَمِينِ.
(وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ) أَنَّهُ لَا وَدِيعَةَ عِنْدَهُ لِفُلَانٍ، فَأَجَابَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَفِيهِ بَحْثٌ. وَحَاصِلُهُ (إنْ كَانَ ضَرَرُ التَّغْرِيمِ كَثِيرًا) يُوَازِي الضَّرَرَ فِي صُوَرِ الْإِكْرَاهِ؛ (فَهُوَ إكْرَاهٌ لَا يَقَعُ وَلَا يُوقِعُ) عَلَى الْمَذْهَبِ. انْتَهَى.
(وَلَمْ يَقُولُوا) - أَيْ: الْأَصْحَابُ - (وَتَأَوَّلَ) ؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ لَا يَلْزَمُهُ تَأْوِيلٌ؛ لِعَدَمِ انْعِقَادِ يَمِينِهِ،