الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بابُ زكاة الفطر
1173 -
قول "المنهاج"[ص 172]: (تجب بأول ليلة العيد في الأظهر) مثل قول "الحاوي"[ص 223]: (تجب بغروب ليلة الفطر) وعبارة "التَّنبيه"[ص 60]: (إذا أدرك آخر جزء من رمضان وغربت الشَّمس)، وقال النسائي في "نكته": لم أفهم لاعتبار مجموع اللفظين معنى وإن تعرض في "الكفاية" له (1).
وقال في "المهمات": إنَّه المعروف؛ أي: إدراك الوقتين، قال: كذا جزم به أبو على الطبري في "الإفصاح" والماوردي والقاضي أبو الطَّيِّب وابن الرفعة في "الكفاية"، ونقلوه عن نص الشَّافعي، وجزم به صاحب "التَّنبيه"، فحكى عبارته (2).
قال النووي في "نكته": هذان شرطان للوجوب، وهو أن يدرك جزءًا من شهر رمضان، وجزءاً من أول شوال.
قال في "المهمات"، وذكر في "التتمة" مثله، فقال: فمن أدرك جزءًا من الزمان قبل الغروب، وجزءاً بعد الغروب .. لزمته الفطرة، وحكى في "المهمات" عن ابن عبدان: اعتبار آخر جزء من رمضان، وعن الإمام والغزالي: اعتبار أول جزء من شوال، قال: ويظهر أثرها فيما إذا قال لعبده: أنت حر مع أول جزء من ليلة العيد، أو مع آخر جزء من رمضان، أو قاله لزوجته. انتهى (3).
1174 -
قول "المنهاج"[ص 172]: (فيُخرج عمن مات بعد الغروب دون من وُلِدَ) فيه أمران:
أحدهما: في معنى موت المؤذى عنه بعد الغروب: زوال الملك عن العبد، وطلاق الزوجة بائناً وهي غير حامل، واستغناء القريب، وفي معنى ولادة القريب بعد الغروب: تجدد ملك عبد، ونكاح امرأة.
ثانيهما: محل الجزم: أن يكون موته بعد التمكن من الإخراج عنه، فلو مات بعد الغروب وقبل التمكن .. ففي "شرح المهذب" وجه بسقوط زكاته، لكنَّه صحح خلافه، بخلاف تلف المال المؤدى في الفطرة قبل التمكن من إخراجه؛ فإن الأصح في "شرح المهذب": السقوط؛ كزكاة المال (4).
(1) نكت النبيه على أحكام التَّنبيه (ق 53).
(2)
انظر "الأم"(2/ 65)، و "الحاوي الكبير"(3/ 361، 362).
(3)
انظر "نهاية المطلب"(3/ 382)، "الوسيط"(2/ 447).
(4)
المجموع (6/ 105).
1175 -
قول "التَّنبيه"[ص 60]: (والأفضل: أن تُخْرَجَ قبل صلاة العيد) مثل قول "الحاوي"[ص 223]: (وقبل الصَّلاة أولى)، وهو أحسن من قول "المنهاج" [ص 172]:(ويسن ألا تؤخر عن صلاته) إذ ليس فيه تقديمها على الصَّلاة، بل هو صادق بإخراجها مع الصَّلاة، وقال السبكي: لو قيل بوجوب إخراجها قبل الصَّلاة .. لم يبعد. انتهى.
وقد يوهم كلامهم تسوية ليلة العيد ويومه، وليس كذلك، بل يومه أولى، وهنا بحثان:
أحدهما: الظاهر: أن المراد بإخراجها قبل الصَّلاة: تعجيلها، حتَّى لو آخر الصَّلاة إلى قريب الزَّوال، وأخرج قُبيْلها .. فاتته الفضيلة.
ثانيهما: يمكن أن يقال باستحباب تأخيرها لانتظار قريبٍ أو جابى ما لم يخرج الوقت، على قياس زكاة المال.
1176 -
قولهم - وهو في "المنهاج" في (باب من تلزمه الزكاة) -: (ويجوز إخراجها في جميع شهر رمضان)(1) استُثنِيَ منه: المحجور عليه، فلا يخرجها الولي من ماله إلى ليلة العيد، فلو عجلها الولي من مال نفسه .. جاز.
1177 -
قول "المنهاج"[ص 172]: (ولا فطرة على كافر)، وقول "التَّنبيه" [ص 60]:(تجب على كل حر مسلم) فيه أمران:
أحدهما: أن المراد: لا مطالبة في الدُّنيا، وأمَّا العقوبة في الآخرة: فعلى الخلاف في تكليفه بالفروع، قاله النووي (2)، وقال السبكي: يحتمل أن هذا التكليف الخاص لم يشملهم؛ لقوله في الحديث: "من المسلمين"(3).
ثانيهما: هذا في الكافر الأصلي، أما المرتد: ففي "المهذب" وغيره أنَّها على أقوال ملكه (4)، وحكاه في "شرح المهذب" عن الأصحاب، ويرد على "التَّنبيه": وجوبها على الكافر لممونه المسلم بناءً على أن الوجوب يلاقي المؤدى عنه أولاً ثم يتحمله المؤدي، وهو الأصح، وهذا وارد على "التَّنبيه" في موضعين:
أحدهما: اشتراطه الإسلام فيمن تجب عليه.
ثانيهما: قوله: (ومن وجبت عليه فطرته .. وجبت عليه فطرة كل من تلزمه نفقته إذا كانوا
(1) انظر "التنبيه"(ص 60، 61)، و "الحاوي"(ص 223)، و "المنهاج"(ص 176).
(2)
انظر "المجموع"(6/ 85).
(3)
أخرجه البُخاريّ (1432)، (1433)، ومسلم (984) من حديث سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:(فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج النَّاس إلى الصَّلاة).
(4)
المهذب (1/ 140)، المجموع (5/ 292).
مسلمين) (1)، فإن مفهومه: أن من لا تجب عليه فطرة نفسه .. لا تجب عليه فطرة ممونه المسلم، وهذا مفهوم من اشتراط "الحاوي" الإسلام في المؤدى عنه دون المؤدي (2)، وصرح به "المنهاج" في قوله [ص 172]:(إلَّا في عبده وقريبه المسلم في الأصح) وفيه أمران:
أحدهما: صواب العبارة: أن يقول: (المسلمَيْن) - بالتثنية -، أو يعطف القريب بـ (أو).
ثانيهما: يرد على الحصر: زوجته التي أسلمت وغربت الشَّمس، وهو متخلّف، وأوجبنا نفقة مدة التخلف، كما هو الأصح .. فإن الأصح: أنَّه يجب عليه فطرتها سواء أسلم أو أصر.
ويرد على "التَّنبيه" أيضاً في اشتراطه الحرية: المبعض؛ فإنه يلزمه بقسط حريته، وقد صرح به "المنهاج" و "الحاوي"(3)، فإن كان بينهما مهايأةٌ .. فالأصح: لزوم جميعها لمن غربت الشّمس في نوبته بناء على دخول المؤن النادرة في المهايأة، وهو الأصح، وقد ذكره "الحاوي"(4).
1178 -
قول "المنهاج"[ص 172]: (وفي المكاتب وجه) أي: تلزمه فطرة نفسه وزوجته وعبده في كسبه، وعلى الأصح فهل تلزم سيده؟ المذهب: لا، وفي القديم: تلزمه، وهذا في المكاتب كتابة صحيحة، أما المكاتب كتابة فاسدة .. ففطرته على سيده، كما جزم به الرافعي في (الكتابة)(5).
1179 -
قول "التَّنبيه"[ص 60]: (فضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته ما يؤدي في الفطرة) فيه أمران:
أحدهما: المراد: كونه فضل عن قوته وقوت ممونه ليلة العيد ويومه، وقد صرح به "المنهاج" و "الحاوي"(6)، وكلامهم يقتضي عدم وجوبها عليه بقدرته على كسبها، وبه صرح الرافعي في الكلام على الاستطاعة في الحج (7).
ثانيهما: يشترط أيضاً: كونه فاضلاً عن مسكن وخادم يحتاج إليه في الأصح، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي"(8)، ويعتبر كونهما لائقين به، فلو كانا نفيسين يمكن إبدالهما بلائق به،
(1) انظر "التَّنبيه"(ص 60).
(2)
الحاوي (ص 223).
(3)
الحاوي (ص 223)، المنهاج (ص 172).
(4)
الحاوي (ص 223).
(5)
انظر "فتح العزيز"(13/ 480).
(6)
الحاوي (ص 223)، المنهاج (ص 172).
(7)
انظر "فتح العزيز"(3/ 287).
(8)
الحاوي (ص 223)، المنهاج (ص 172).
ويخرج التفاوت .. لزمه ذلك، كما ذكره الرافعي في (الحج)، قال: لكن في لزوم بيعهما إذا كانا مألوفين وجهان في الكفارة، أصحهما: لا يجب، ولا بد من جريانهما هنا (1).
قال النووي: الفرق ظاهر؛ فإن للكفارة بدلًا (2)، وكذا فرق في "الشَّرح الصَّغير".
ويشترط أيضاً كونه فاضلاً عن دَست ثوب يليق به، وقد ذكره "الحاوي"(3)، وفي "تصحيح" شيخنا الإسنوي: أنَّه في "المنهاج" أيضاً (4)، وليس كذلك.
وعن دين إن كان عليه، كما نقل الإمام الاتفاق عليه، ومشى عليه "الحاوي"(5)، وحكاه النووي في "نكته" عن الأصحاب، لكن الأصح في "الشَّرح الصَّغير": أنَّه لا يشترط ذلك، وهو مقتضى كلامه في "الكبير".
ويعتبر أيضاً كونه فاضلاً عن كسوة من تلزمه نفقتهم.
1180 -
قول "التَّنبيه"[ص 60]: (ومن وجبت عليه فطرته .. وجبت عليه فطرة كل من تلزمه نفقته إذا كانوا مسلمين ووجد ما يؤدي عنهم) فيه أمور:
أحدها: يستثنى منه مسائل:
الأولى: زوجة الأب ومستولدته في الأصح، وقد ذكرهما "الحاوي"(6)، واقتصر "المنهاج" على زوجة الأب (7)، وصحح السبكي تبعًا للغزالي: وجوب فطرتهما على الابن (8)، وعلى الأوَّل .. فقال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": القياس: أنَّه لا تجب على الحرة فطرة نفسها، ولا على السيد فطرة المستولدة، قال: ولم أر تعرضاً لذلك.
الثَّانية: عبد بيت المال تجب نفقته لا محالة، ولا تجب فطرته في الأصح.
الثَّالثة: الموقوف على جهة أو معين على الأصح أيضاً، وهما واردان على "المنهاج" و "الحاوي".
ثانيها: مفهومه ومفهوم "المنهاج" و "الحاوي": أن من لا تجب نفقته .. لا تجب فطرته، ويستثنى منه مسائل:
الأولى: الموصى بمنفعته إذا قلنا: أن النفقة على مالك المنفعة .. ففي "الشَّرح الصَّغير" تبعاً
(1) انظر "فتح العزيز"(3/ 286).
(2)
انظر "الروضة"(3/ 6).
(3)
الحاوي (ص 223).
(4)
تذكرة النبيه (3/ 16).
(5)
الحاوي (ص 223)، وانظر "نهاية المطلب"(3/ 398).
(6)
الحاوي (ص 223).
(7)
المنهاج (ص 172)
(8)
انظر "الوسيط"(2/ 499)، و "الوجيز"(1/ 233).
للبغوي وغيره: أن الفطرة على مالك الرقبة (1)، لكن رجح النووي: أنَّها على الخلاف في (النفقة)(2).
الثانية: المكاتب كتابة فاسدة تجب فطرته على سيده، كما تقدم عن الرافعي (3)، ولا تجب نفقته، كما حكاه الرافعي عن الإمام والغزالي، وأقرهما عليه (4).
الثَّالثة: لو كان له طفل يملك قوت يومه وليلته فقط .. فلا نفقة له، وفي وجه: إن فطرته على الأب، لكن الأصح في "الشَّرح الصَّغير": المنع؛ كالنفقة.
ثالثها: يرد عليه: وجوبها على الكافر لممونه المسلم، كما تقدم، وفات "المنهاج" أن يقول:(إذا وجد ما يؤدي عنه)، لكنَّه استغنى عنه باشتراطه اليسار فيما تقدم، وأفهم قول "التَّنبيه" [ص 60]:(ووجد ما يؤدي عنهم) أنَّه لا تجب عليه فطرة العبد الذِّي لا مال له غيره، والأصح: أنَّه يجب عليه بيع جزء منه لفطرته إن لم يحتج لخدمته، وقد ذكره "الحاوي"(5).
1181 -
قول "التَّنبيه"[ص 60]: (وإن زوج أمته بعبد أو حر معسر، أو تزوجت موسرة بحر معسر .. ففيه قولان، أحدهما: تجب على السيد فطرة الأمة، وعلى الحرة فطرة نفسها، والثَّاني: لا تجب، وقيل: تجب على السيد ولا تجب على الحرة، وهو ظاهر المنصوص) صحح الرافعي: طريقة القولين، وصحح منهما: الوجوب عليهما (6)، وعليه مشى في "المحرر" و "الحاوي"(7)، وصحح النووي: طريقة القطع بالوجوب على سيد الأمة دون الحرة (8)، وعليه مشى "المنهاج"(9)، ولو عبر بـ (المذهب) .. لكان أولى من تعبيره بالأصح.
1182 -
قول "المنهاج"[ص 172]: (ولو انقطع خبر عبد .. فالمذهب: وجوب إخراج فطرته في الحال) خرج بمنقطع الخبر: غائب لم ينقطع خبره، والمذهب: وجوب فطرته أيضاً، فلا معنى لهذا التّقييد؛ ولهذا أطلق "الحاوي" في قوله [ص 223]:(وعبد أبَقَ أو فُقِد) ومحل ذلك في منقطع الخبر: ما لم تنته غيبته إلى مدة يحكم فيها بموته، فإن كان كذلك .. لم تجب فطرته، صرح به الرافعي في (الفرائض)(10).
(1) انظر "التهذيب"(3/ 127).
(2)
انظر "المجموع"(6/ 96).
(3)
انظر "فتح العزيز"(13/ 480).
(4)
انظر "فتح العزيز"(13/ 479)، و "نهاية المطلب"(19/ 360)، و "الوجيز"(2/ 282).
(5)
الحاوي (ص 224).
(6)
انظر "فتح العزيز"(3/ 150).
(7)
المحرر (ص 102)، الحاوي (ص 224).
(8)
انظر "المجموع"(6/ 102).
(9)
المنهاج (ص 172).
(10)
انظر "فتح العزيز"(6/ 526).
فإن قلت: الأصح في جنس الفطرة: اعتبار بلد العبد، فإذا لم يعرف موضعه، كيف يخرج من جنس بلده؟
قلت: لعل هذه الصورة مستثناة من القاعدة، أو يخرج من قوت آخر بلد عُلم وصوله إليها، أو تُدفَع فطرته للقاضي ليخرجها؛ لأنَّ له نقل الزكاة.
1183 -
قول "المنهاج"[ص 172]: (وفي قولٍ: لا شيء) كان الأحسن: أن يقول: (وقيل: قولان، ثانيهما: لا شيء)، وطريقة القولين هي التي في "المحرر"(1)، وصحح في "شرح المهذب": طريقة القطع (2)، وهي ظاهر عبارة "المنهاج".
1184 -
قوله: (وقيل: إذا عاد) مقابل لقوله: (في الحال)(3)، وهو منصوص في "الإملاء"، فلا يحسن التعبير عنه بقيل.
1185 -
قول "التَّنبيه"[ص 60]: (فإن فضل بعض ما يؤدي .. فقد قيل: يلزمه، وقيل: لا يلزمه) الأصح: اللزوم، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي"(4).
1186 -
قول "التَّنبيه" - والعبارة له - و "الحاوي": (فإن وجد ما يؤدي عن البعض .. بدأ بمن يبدأ بنفقته)(5) يقتضي أنَّه يبدأ بعد نفسِهِ بزوجته، ثم ولده الصَّغير، ثم أمه، ثم أبيه، ثم ولده الكبير، فهذا ترتيبهم في النفقة، لكن في "المنهاج" وأصله: تقديم الأب هنا على الأم (6)، وكأنه ذهول عما قدراه في النفقة، ويدل لذلك أن عبارة "الروضة" وأصلها هنا: والمذهب من الخلاف الذي ذكرناه والذي أخرناه إلى (كتاب النفقات): أنَّه يقدم نفسه، ثم زوجته، ثم ولده الصَّغير، ثم الأب، ثم الأم، ثم الولد الكبير. انتهى (7).
وقد علم أن المذكور في (النفقات) تقديم الأم على الأب، ويوافق ذلك تصريح الشافعي هنا بتقديم الأم على الأب، لكن فرق في "شرح المهذب" بين النفقة والفطرة بمراعاة الحاجة في النفقة، والشرف في الفطرة، والأب أشرف من الأم وهي أحوج منه (8).
وفيه نظر؛ لتقديمهم هنا الولد الصَّغير على الأبوين، وهما أشرف منه، فدل على اعتبارهم
(1) المحرر (ص 102).
(2)
المجموع (6/ 102).
(3)
انظر "المنهاج"(ص 172).
(4)
الحاوي (ص 224)، المنهاج (ص 173).
(5)
التنبيه (60)، الحاوي (ص 224).
(6)
المنهاج (ص 173)، وانظر "المحرر"(ص 102).
(7)
الروضة (2/ 301)، وانظر "فتح العزيز"(3/ 161).
(8)
المجموع (6/ 99).
الحاجة في البابين، لكن قال السبكي: لم أر أحداً صحح تقديم الأم هنا، مع أنَّه يوافق الحديث في البداءة بالأم.
قلت: تقدم عن الشافعي التصريح بذلك، وأورد في "الكفاية" على قول "التَّنبيه" [ص 60]:(فإن وجد ما يؤدي عن البعض) أن ظاهره: أنَّه مع وجدان فطرة نفسه، ولا يلائم قوله:(وقيل: يقدم فطرة الزوجة على فطرة نفسه)(1) لاقتضائه أن الموجود صاع واحد؛ ولأن الشرط عنده في فطرة الغير: وجوب فطرة نفسه، وإذا وجب إخراج الصاع الواحد للزوجة .. فلا وجوب عليه لنفسه، وأجاب: بأن المراد: من صلح لوجوبه في حق نفسه في الجملة.
1187 -
قول "الحاوي"[ص 224]: (ثم يتخير بغير توزيع) أي: إذا استوى جماعة في درجة؛ كزوجات وأولاد .. بدأ بمن شاء، ولا يوزع الصاع بينهم، كذا صحَّحه النووي (2)، ولم يصحح الرافعي شيئًا، بل أشعر كلامه بترجيح التوزيع؛ فإنَّه قال: ويتأيد وجه التقسيط بالنفقة؛ فإنَّها توزع في مثل هذه الحالة، قال: ولم يتعرضوا للإقراع هنا، وله مجال في نظائره (3).
وفي "المهمات" عن منصور التميمي صاحب "الرَّبيع" أنَّه قال في (كتاب المسافر) بعد حكايته عن الشَّافعي تقديم من شاء: قال منصور: بل يقرع بينهم، فيبدأ بمن خرجت قرعته.
1188 -
قول "التَّنبيه"[ص 61]: (وأمَّا الأقط: فقد قيل: يجوز، وقيل: فيه قولان) فيه أمور:
أحدها: الأصح: طريقة القولين، وأصحهما: الإجزاء، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي"(4)، وقال في "الروضة": ينبغي أن يقطع بجوازه؛ لصحة الحديث فيه من غير معارض (5).
ثانيها: محل الخلاف: ألَاّ يكون مملحاً بملح يفسد جوهره، فإن كان كذلك .. لم يجز قطعاً، وهذا وارد على "المنهاج" و "الحاوي" أيضاً، لكنَّه مفهوم من قول "التَّنبيه" [ص 61]:(ولا يؤخذ في الفطرة حب معيب) و "المنهاج"[ص 173]: (الواجب: الحب السليم)، فإذا اشترطت السلامة في الحب .. ففي غيره أولى، وهذا عيب.
ثالثها: قد يفهم من اقتصاره هو و "المنهاج" على الأقط: عدم إجزاء الجبن الذي لم ينزع زبده واللبن، والمذهب: إجزاؤهما، وقد ذكرهما "الحاوي"، لكنَّه لم يقيد الجبن بكونه غير منزوع
(1) انظر "التَّنبيه"(ص 60).
(2)
انظر "المجموع"(6/ 99).
(3)
انظر "فتح العزيز"(3/ 161).
(4)
الحاوي (ص 224)، المنهاج (ص 173).
(5)
الروضة (2/ 302).
الزبد (1)، والخلاف جار فيمن قوته الأقط وفيمن قوته اللبن، كما في الرافعي عن البغوي (2)، لكن في "شرح المهذب" تخصيص الخلاف بمن قوته الأقط (3)، أي: فمن قوته اللبن .. له إخراجه قطعاً، تفريعاً على إجزاء الأقط، وصحح في " تصحيح التَّنبيه" في (الظهار): أنَّه لا يجزئ اللبن (4).
1189 -
قول "التَّنبيه"[ص 61]: (وتجب الفطرة فيما يقتاته من هذه الأجناس، وقيل: من غالب قوت البلد) الثَّاني هو الأصح، وعليه مشى "الحاوي" و "المنهاج"(5)، لكنَّه لم يذكر الغلبة؛ فقوله بعد ذلك:(ولو كان في بلد أقوات لا غالب فيها .. تخيّر، والأفضل أشرفها)(6)، إنَّما كان يحسن لو بَيّن أولاً أن الإخراج من الغالب، وفي "الوسيط": المعتبر غالب قوت البلد وقت وجوب الفطرة لا في جميع السنة (7)، وفي "الوجيز": غالب قوت البلد يوم الفطر (8)، قال الرافعي: وهذا التّقييد لم أظفر به في كلام غيره (9)، قال في "شرح المهذب": وهو غريب كما قال، والصَّواب: أن المراد: قوت السنة، كما سنوضحه، ثم أوضحه؛ بأن حكى عن السرخسي فيما إذا اختلف القوت باختلاف الأوقات: أنَّه إن أخرج من الأعلى .. أجزأه، أو من الأدنى .. فأصح القولين: الإجزاء؛ أيضاً (10)، قال في "المهمات": وحاصله تصحيح اعتبار الغلبة في وقت من أوقات السنة، قال: وتقييد "الوسيط" ذكره في "الذخائر"، وهو القياس. انتهى.
وقال السبكي فيما لو حصل جدب في بلد اقتضى اقتيات أهلها جميع سنتهم الشعير، وغالب قوتهم في غير تلك السنة القمح: إن الفقه ما يقتضيه أصل الغزالي، وأنَّه ينظر إلى الغالب وقت الوجوب؛ أي: فيخرج القمح في هذه الصورة، ومقتضى اعتبار قوت السنة: إخراج الشعير، والله أعلم.
وإذا فرعنا على اعتبار قوته، فكان يليق به الشعير، فأكل القمح تنعماً، أو بالعكس .. فالأصح: وجوب ما يليق به، وعبارة "التَّنبيه" و "المنهاج" قد تفهم خلافه.
(1) الحاوي (ص 224).
(2)
انظر "التهذيب"(3/ 128)، و "فتح العزيز"(3/ 163).
(3)
المجموع (6/ 109).
(4)
تصحيح التَّنبيه (2/ 88).
(5)
الحاوي (ص 224)، المنهاج (ص 173).
(6)
انظر "المنهاج"(ص 173).
(7)
الوسيط (2/ 509).
(8)
الوجيز (1/ 235).
(9)
انظر "فتح العزيز"(3/ 169).
(10)
المجموع (6/ 113، 114).
1190 -
قول "التَّنبيه"[ص 61]: (فإن عدل عن القوت الواجب إلى قوت أعلى منه .. جاز) الاعتبار في كونه أعلى بزيادة الاقتيات في الأصح، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي"(1).
1191 -
قوله: (إن عدل إلى ما دونه .. ففيه قولان)(2) مستشكل؛ فإن المقطوع به في الرافعي وغيره: أنَّه لا يجزئ ما دونه (3)، وقال النووي في "التصحيح": مراده: أنَّه هل يتخير بين الأقوات، ولا يتعين قوته، ولا قوت البلد؟ قال: ولكن عبارته بعيدة عن المراد. انتهى (4).
ويؤيد هذا التأويل أن "التنبيه" لم يذكر وجه التخيير بين الأقوات أولاً، فنبه عليه آخراً، و "المنهاج" لما ذكره في الأوَّل .. جزم هنا بعدم إجزاء الأدنى (5)، وقال في "الكفاية": كذا روى القولين ابن الصباغ وغيره، وحكاهما البندنيجي كذلك، والواجب قوت البلد، وقال: حاصل القول الآخر: التخيير، قال في "الكفاية": وقد نقول بالإجزاء ولا تخيير، كما لو أخرج رديء النقد عن الجيد على رأي، ويؤيده صحة ظُهر من تلزمه الجمعة على قول. انتهى.
وفي "الحاوي" في (باب الكفارة بالطعام) تفريعاً على وجوب الإخراج من قوت نفسه: أنَّه لو أخرج ما دونه .. ففي إجزائه وجهان، أصحهما: لا يجزئ، ثم جعل حكم الفطرة كالكفارة (6)، وهذا صريح في حكاية الخلاف الذي في "التنبيه"، إلَّا أنَّه حكى الخلاف وجهين، وهو في "التَّنبيه" قولان، وجعله مفرعًا على أن المعتبر قوت نفسه، وفي "التَّنبيه" أطلق.
1192 -
قول "المنهاج"[ص 173] و "الحاوي"[ص 224]: (إن الشعير خير من التمر) تبعاً فيه "المحرر" و "الشَّرح الصَّغير"، وحكاه في "الكبير" عن ترجيح البغوي (7)، وصححه في "شرح المهذب" أيضاً (8)، وقدم الشَّيخ أبو محمَّد التمر على الشعير، وقطع به الروياني في "البحر"(9).
1193 -
قول "الحاوي"[ص 224]: (من غالب طعام بلد المؤدَّى عنه) أعم وأحسن من قول "المنهاج"[ص 173]: (ولو كان عبده ببلد آخر .. فالأصح: أن الاعتبار بقوت بلد العبد).
1194 -
قول "التَّنبيه"[ص 173]: (ولا حب معيب) يقول "المنهاج"[ص 173]: (الواجب الحب السليم)، واستثنى القاضي الحسين: ما إذا لم يكن له سواه، وهو يقتاته، حكاه عنه في
(1) الحاوي (ص 224)، المنهاج (ص 173).
(2)
انظر "التَّنبيه"(ص 61).
(3)
انظر "فتح العزيز"(3/ 166).
(4)
تصحيح التَّنبيه (1/ 207).
(5)
المنهاج (ص 173).
(6)
انظر "الحاوي الكبير"(10/ 517).
(7)
المحرر (ص 103)، وفتح العزيز (3/ 166)، وانظر "التهذيب"(3/ 128).
(8)
المجموع (6/ 113).
(9)
بحر المذهب (4/ 246).
"الكفاية"، وأقره، ثم قال: وعلى هذا ينبغي أن يخرج من المسوّس قدراً يتحقق أنَّه يملأ الصاع من اللب بقشره لو أخرجه.
1195 -
قول "المنهاج"[ص 173]: (ولو أخرج من ماله فطرة ولده الصَّغير الغني .. جاز) الجد كالأب، والمجنون كالصغير، أما الوصي والقيم: فلا يجوز ذلك لهما إلَّا بإذن القاضي، كما قاله البغوي وغيره (1).
1196 -
قوله: (بخلاف الكبير)(2) قيده في "شرح المهذب" بالرشيد؛ لأنَّه لا ولاية له عليه، فلا بد من إذنه (3).
1197 -
قول "التَّنبيه"[ص 61]: (وإن كان عبدٌ بين نَفْسَيْن مختلفي القوت .. فقد قيل: يخرج كل واحد منهما نصف صاع من قوته، وقيل: يخرجان من أدنى القوتين، وقيل: يخرجان من قوت البلد الذي فيه العبد) الأصح: الثالث، وعليه يدل قول "الحاوي" [ص 224]:(بلد المؤدَّى عنه) لكن صحح في "المنهاج" و "التصحيح" و "أصل الروضة" الأوَّل (4)، قال شيخنا الإسنوي في "تصحيحه": وهو غير مستقيم؛ فإن المصحح في كتبه كلها أن العبرة ببلد المؤدَّى عنه.
نعم؛ إذا اعتبرنا بلد المؤدي .. ففيه خلاف، والراجح: ما قال، وقد ذكره هو في "شرح المهذب" والرافعي في "الشرحين" على الصواب، ولكن حصل له في "الروضة" ذهول عن تفريع ذكره الرافعي في آخر كلامه، ثم أخذ من "الروضة" إلى "التصحيح" وإلى "المنهاج" من زياداته. انتهى (5).
وذكر السبكي نحوه، قال: بل أقول: ولو فرعنا على أن المعتبر قوت الشخص في نفسه، وكان السيدان مختلفي القوت .. فالاعتبار بقوت العبد، وبه صرح صاحب "المرشد"، وقال: فإن كان قوت العبد مختلفاً كقوتهما .. أخرج كل واحد نصف صاع مما يقتاته، وهذه صورة حسنة يمكن تصحيح كلام المصنف بالحمل عليها، وفيها نظر؛ لأنَّه إذا اختلف قوته، ولم يكن غالب .. تخيّر، ومقتضاه: أن يتخير السيدان من غير تبعيض. انتهى.
1198 -
قول "الحاوي"[ص 224]: (وللزوجة فطرتها دون إذنه) أي: يجوز لها ذلك ولو كان موسرًا، بناءً على أنَّها وجبت عليها ثم تحملها الزوج، وكذا كل من فطرته على غيره، لو تكلف
(1) انظر "التهذيب"(3/ 130).
(2)
انظر "المنهاج"(ص 173).
(3)
المجموع (6/ 115).
(4)
المنهاج (ص 173)، تصحيح التَّنبيه (1/ 208)، الروضة (2/ 304).
(5)
تذكرة النبيه (3/ 19)، وانظر "فتح العزيز"(3/ 166، 167)، و "المجموع"(6/ 114، 115).
تحصيلها باستقراض ونحوه وإخراجها .. جاز، بناءً على ما ذكرناه، قال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": ويخرج من هذا أن الزوجة مستقلة بإخراج فطرة نفسها، وهي التي تنوي حينئذ، وقضية هذا أن الزوج يحتاج في إخراج فطرتها إلى إذنها، ولم نر من قال به، وهو قوي، ولا سيما فيما إذا كان الزوج كافراً أصلياً أو مرتداً، وكان بعد الدخول؛ فإن النفقة تجب لها في مدة العدة على المذهب، فإذا وجبت زكاة الفطر تبعاً للنفقة .. فإنه يقوي استقلالها؛ لأنها من أهل النية، وكذلك إذا كان القريب مسلمًا حيث تجب نفقته على الكافر. انتهى.