الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الواحد (1)، وفي تسمية هذا الاستبعاد وجهًا نظر، وقد رده الرافعي بيوم الشك إذا ثبت الهلال في أثنائه؛ فإنه يجب إمساك باقيه دون أوله (2)، لكن قال السبكي: للإمام أن يقول: إنما يُبعّض الحكم في يوم الشك ظاهراً، وأما في مسألتنا: فهو متبعض ظاهرًا وباطنًا بالنسبة إلى حكم البلدتين، فيكون كما لو أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو بلغ الصبي وهو مفطر؛ فإنه لا يلزمهم الإمساك على الأصح.
فصلٌ [في النية]
1257 -
قول "المنهاج"[ص 179]: (النية شرط للصوم) صريح في أنها ليست ركنًا داخلاً في الماهية، وقال الغزالي:(ركن الصوم: النية والإمساك)(3)، قال الرافعي: تقدم الخلاف في أن النية ركن في الصلاة أم شرط، ولم يوردوا الخلاف هنا، واللائق بمن اختار الشرطية هناك أن يقولوا بمثله هنا، ومنهم الغزالي، وحينئذ .. فيتمحض نفس الصوم؛ أي: الإمساك ركنا (4)، وأسقط هذا الكلام في "الروضة"، وقال: لا يصح الصوم إلا بالنية (5)، وكذا عبر "التنبيه" و"الحاوي"(6)، وعبارة "المحرر":(لا بد منها)(7)، وهذا التعبير محتمل للاشتراط والركنية، والحق: أنها ركن كما في الصلاة، مع أن الغزالي إنما قال هناك: هي بالشروط أشبه، ولم يجزم بأنها شرط (8).
1258 -
قول "التنبيه"[ص 65]: (ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصوم الواجب إلا بنية من الليل) أحسن من قول "المنهاج" - والعبارة له - و"الحاوي": (ويشترط لفرضه التبييت)(9) لأن عبارتهما قد تخرج الصبي المميز؛ فإنه لا فرض عليه، والذي في "شرح المهذب" تبعاً للروياني وغيره: أنه كالبالغ في ذلك، قال الروياني: ليس [على أصلنا](10) صوم نفل يشترط فيه التبييت إلا هذا (11).
(1) الروضة (2/ 349)، وانظر "نهاية المطلب"(4/ 18، 19)، و"الوسيط"(2/ 517).
(2)
انظر "فتح العزيز"(3/ 181).
(3)
انظر "الوسيط"(2/ 518)، و"الوجيز"(1/ 236).
(4)
انظر "فتح العزيز"(3/ 183).
(5)
الروضة (2/ 350).
(6)
التنبيه (ص 65)، الحاوي (ص 225).
(7)
المحرر (ص 109).
(8)
انظر "الوسيط"(2/ 86)، و"الوجيز"(1/ 162).
(9)
الحاوي (ص 225)، المنهاج (ص 179).
(10)
ما بين معقوفين سقط من النسخ، واستدركناه من "بحر المذهب".
(11)
المجموع (6/ 294)، وانظر "بحر المذهب"(4/ 327).
1259 -
قول "المنهاج" عطفًا على الصحيح [ص 179]: (وأنه لا يضر الأكل والجماع بعدها)، عبر في "الروضة" بالمذهب (1)، وفي "شرح المهذب": إنه الصواب المنصوص، وبه قطع جميع الأصحاب، وعن أبي إسحاق المروزي بطلانها، ووجوب تجديدها، وهو غلط بالاتفاق، وقال الإصطخري: هو خلاف الإجماع، وأنكر ابن الصباغ وغيره نسبته إليه، وقال الإمام وغيره: إنه رجع عنه عام حج، وأَشْهَدَ على نفسه (2).
قال الرافعي: فإن لم ينقل هذا الوجه إلا عنه، وثبت أحد هذين .. فلا خلاف في المسألة (3).
قال السبكي: ولك أن تقول: إذا لم يكن في المسألة إجماع سابق، وثبت خلاف أبي إسحاق، شم رجوعه يشخرج على الخلاف في الاتفاق بعد الاختلاف إن لم نجعله إجماعاً .. فالخلاف مستمر.
1260 -
قول "التنبيه" - والعبارة له - و"المنهاج" في النفل: (وفيه قول آخر: أنه يصح بنية بعد الزوال)(4) لهذا القول شرط، وهو ألَاّ تتصل النية بالغروب، بل يفصل بينهما زمن وإن قل، قاله البندنيجي وغيره، لكن عبارة "الروضة" من زوائده توافق ما تقدم؛ حيث قال: تصح في جميع ساعات النهار (5).
1261 -
قول "المنهاج"[ص 179]: (والصحيح: اشتراط حصول شرط الصوم من أول النهار) قيل: كان ينبغي التعبير بالمذهب؛ فإنا إن قلنا: إنه صائم من أول النهار .. اشترط قطعاً، وإلا .. فوجهان، أصحهما: الاشتراط أيضًا، وقطع به بعضهم (6).
1262 -
قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ويجب التعيين في الفرض)(7) يخرج النفل، وصرح به "التنبيه" فقال [ص 66]:(ويصح النفل بنية مطلقة)، قال في "شرح المهذب": وينبغي اشتراط التعيين في الصوم المرتب؛ كعرفة، وعاشوراء، وأيام البيض، وستة شوال كرواتب الصلاة (8).
(1) الروضة (2/ 352).
(2)
المجموع (6/ 295)، وانظر "نهاية المطلب"(4/ 8).
(3)
انظر "فتح العزيز"(3/ 185).
(4)
التنبيه (ص 66)، المنهاج (ص 179).
(5)
الروضة (2/ 352).
(6)
انظر "السراج على نكت المنهاج"(2/ 176).
(7)
انظر "التنبيه"(ص 66)، و"الحاوي"(ص 225)، و"المنهاج"(ص 179).
(8)
المجموع (6/ 300).
وألحق في "المهمات" بذلك ما له سبب؛ كصوم الاستسقاء إذا لم يأمر به الإمام، وهو قياس اشتراطه في الصلاة.
1263 -
قول "المنهاج"[ص 179]: (وفي الفرضية الخلاف المذكور في الصلاة) كذا في "الروضة" وأصلها (1)، وظاهره: تصحيح الاشتراط، وعليه مشى "الحاوي"(2)، لكن صحح في "شرح المهذب": عدم الاشتراط، وحكاه عن تصحيح الأكثرين، وفرق بينهما بأن صوم البالغ رمضان لا يكون إلا فرضاً بخلاف صلاته الظهر؛ فإن المعادة نفل (3).
ورده السبكي باشتراط نية الفرض في المعادة على الأصح، وإن علل في الصلاة بتميزها عن ظهر الصبي .. فالصوم كذلك.
وظاهر "التنبيه": عدم اعتبار نية الفرضية؛ فإنه لم يذكره، وظاهر كلامهم: أنه لو تسحر للصوم، أو شرب لدفع العطش نهاراً، أو امتنع من الأكل مخافة الفجر .. لم يكن ذلك نية، وبه صرح صاحب "العدة"، وقال أبو العباس الجرجاني: إنه نية، قال الرافعي: وهو الحق إن خطر بباله الصوم بالصفات التي يشترط التعرض لها؛ لأنه إذا تسحر ليصوم يوم كذا .. فقد قصده (4).
1264 -
قول "المنهاج"[ص 179]: (ولو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غدٍ عن رمضان إن كان منه، فكان منه .. لم يقع عنه) ليس قوله: (إن كان منه) قيداً، فلا فرق بين أن يقول: إن كان منه أم لا بعد كونه غير معتقد أنه من رمضان؛ فإن غير المعتقد لا يتأتى منه الجزم بالنية، فهو متردد وإن لم يأت بصيغة التردد، وخالف في الأولى المزني (5)، وفي الثانية وجه، حكاه صاحب "التقريب"، ونقل شيخنا الإمام البلقيني عن نص الشافعي رضي الله عنه في اختلاف العراقيين أنه قال: وإذا أصبح يوم الشك من شهر رمضان، وقد بيّت الصوم من الليل على أنه من رمضان .. فهذه نية كاملة له تؤدي عنه ذلك اليوم إن كان من رمضان، وإن لم يكن من رمضان .. أفطره، ثم قال الربيع: قال الشافعي في موضع آخر: لا يجزئه؛ لأنه صام على الشك (6).
1265 -
قوله: (إلا إذا اعتقد كونه منه بقول من يثق به؛ من عبد أو امرأة أو صبيان رشداء)(7) فيه أمور:
(1) الروضة (2/ 350).
(2)
الحاوي (ص 225).
(3)
المجموع (6/ 299).
(4)
انظر "فتح العزيز"(3/ 184).
(5)
انظر "مختصر المزني"(ص 65).
(6)
انظر "الأم"(7/ 145).
(7)
انظر "المنهاج"(ص 179).
أحدها: أن ظاهره تصوير المسألة مع اعتقاد كونه منه؛ بأن ينوي صوم غد عن رمضان إن كان منه، وصورها في "الروضة" وأصلها: بأن ينوي صومه عن رمضان، ولم يذكرا في التصوير قوله:(إن كان منه) وجزما فيها بالصحة، ثم قال: فإن قال في نيته، والحالة هذه: أصوم عن رمضان، فإن لم يكن عن رمضان فهو تطوع .. فظاهر النص: أنه لا يصح صومه إذا بأن رمضان؛ للتردد فيه، وفيه وجه أنه يصح؛ لاستناده إلى أصل، ورأى الإمام طرد هذا الخلاف فيما إذا جزم (1)، ورجح السبكي: الصحة في هذه الحالة، ولو مع قوله: فإن لم يكن عن رمضان فهو تطوع، وقال في "المهمات": إنه المتجه، وعزاه لـ"المحرر"(2).
ثانيها: استشكل السبكي وغيره ما ذكروه هنا من صحة الصوم اعتماداً على قول عبدٍ أو امرأةٍ أو صبيانٍ رشداء، مع تفسيرهم يوم الشك باليوم الذي يتحدث برؤيته فيه من لا يعتمد قوله من عبيد وصبيان ونساء وفسقة؛ فإن مقتضاه: تحريمُ صومه، فيحتاج إلى الجمع بين الكلامين، والذي عندي في الجمع بينهما: أن كلامهم هنا فيما إذا تبين كونه من رمضان، وهناك فيما إذا لم يتبين شيء، فليس الاعتماد على هؤلاء في الصوم، بل في النية فقط، فإذ نوى اعتماداً على قولهم، ثم تبين ليلاً كون غد من رمضان .. لا يحتاج إلى تجديد نية أخرى، ألا تراهم لم يذكروا هذا فيما يثبت به الشهر، وإنما ذكروه فيما يعتمد عليه في النية، وقد أشار السبكي إلى هذا الجواب في آخر كلامه احتمالاً، فقال أولاً: ويمكن الجمع بأن المراد هنا: إذا حصل الظن بقولهم، بخلافه هناك، قال: لكن الرافعي في "الشرح" قيد ذلك هناك بظن صدقهم، وقال: إنه المشهور، ولا يمكن أن يقال: يحرم ويصح؛ فإنه ليس له جهتان (3)، ثم قال السبكي: والذي خطر لي فيه أمران:
أحدهما: الفرق بين الاعتقاد والظن، فالحاصل هناك ظن وهنا اعتقاد، كما عبر به "المصنف" في الموضعين، تبعاً للرافعي، وليس هذا بمَرضي؛ فإن جماعة عبروا هنا بالظن، وأيضا يبعد حصول اعتقاد جازم بقول عبد أو امرأة.
والثاني: أن قول الرافعي: (وظن صدقهم) لا يلزم منه ظن كونه من رمضان؛ فإن استصحاب شعبان يفيد ظن كونه منه، وإخبار المخبر يعارضه، فإن لم يظن صدقه لِريبَةٍ .. استصحبنا شعبان، وإن ظننا صدقه، ولم نزد على ظننا استصحاب شعبان .. فهو الشك، ولا يلزم من ظن الصدق ظن الحكم المترتب عليه، وإن زاد على ظن الاستصحاب .. زال الشك، وجاز صومه، وأجزأ، وهو المذكور هنا، بل يجب على من صدقه.
(1) فتح العزيز (3/ 188)، الروضة (2/ 353)، وانظر "نهاية المطلب"(2/ 118).
(2)
المحرر (ص 109).
(3)
انظر "فتح العزيز"(3/ 188).
ثم قال السبكي: وقد يقال: الكلام هنا في تصحيح النية
…
فذكر نحو ما قدمته أولاً واعتمدته، وقال شيخنا ابن النقيب: إن وقفنا مع ظاهر التصوير بالنسبة إلى الوصف هنا بالرشد بخلافه هناك .. اتجه الفرق (1).
ثالثها: ظاهر تعبيره بالصبيان: أنه لا بد من جمع بينهم، وكذا عبر "الحاوي" بالصبية (2)، وهو أحد جموع الصبي، وفي موضعين من "شرح المهذب": أن الصبي الواحد يكفي (3)، وقال السبكي: إذا حصل الثقة بالصبي الواحد .. كان الحكم كذلك، وبه صرح المحاملي والجرجاني، قال: فصيغة الجمع ليست للاشتراط، وقال في "المهمات": والفتوى على المنع؛ ففي "البحر" ما حاصله: أن الجمهور عليه (4).
رابعها: لم يصف "الحاوي" الصبية بالرشد، وزاده ناظمه ابن الوردي عليه (5)، والمراد به: الاختبار بالصدق، قال في "المهمات": ولا يبعد اجتناب النواهي خصوصًا الكبائر، ويدل عليه تعبير بعضهم بالموثوق به. قلت: والمقصود بالرشد هنا غير المقصود به في قوله: (شرط العاقد: الرشد)(6).
خامسها: قوله: (رشداء) قيد في الصبيان، ويحتمل عوده إلى البواقى.
1266 -
قول "التنبيه"[ص 66]: (ومن نوى الخروج من الصوم .. بطل صومه، وقيل: لا يبطل) الأصح: الثاني، وظاهر كلامه: البطلان على الأول في الحال، وهو وجه حكاه الماوردي، وحكى معه وجهًا آخر: حتى يمضي عليه من الزمان قدر الأكل والجماع (7)، وذكر في "شرح المهذب" أن الأول هو المشهور، وأن الثاني غريب ضعيف (8).
1267 -
قوله: (وإن اشتبهت الشهور على أسير .. تحرى وصام)(9) ذكر الأسير مثال، فالمحبوس في مطمورة، ومن هو بطرف بلاد الإسلام، أو بموضع لا يعدون فيه الشهور كذلك؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 179]:(ولو اشتبه .. صام شهراً بالاجتهاد) وكذا أطلق "الحاوي" الاجتهاد (10).
(1) انظر "السراج على نكت المنهاج"(2/ 179، 181).
(2)
الحاوي (ص 225).
(3)
المجموع (6/ 284، 301).
(4)
بحر المذهب (4/ 282).
(5)
انظر "البهجة الوردية "(ص 52).
(6)
انظر "المنهاج"(ص 210).
(7)
انظر "الحاوي الكبير"(3/ 405).
(8)
المجموع (6/ 302).
(9)
انظر "التنبيه"(ص 65).
(10)
الحاوي (ص 226).