الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تنبيهٌ [في اشتراط تمام الملك]
اقتصر "المنهاج" على اشتراطه الإسلام والحرية (1)، وزاد "التنبيه": تمام الملك، وقال بعد ذلك:(وما لم يتم ملكه عليه؛ كالدين الذي على المكاتب .. لا تجب الزكاة فيه)(2)، وقال النشائي: إذا تأملت ما أورده في "الكفاية" .. لم تجد لما أورده مثالاً مشاركاً مثله، وقد قال في أثناء كلامه: المتفق عليه ما مثل به الشيخ فقط. انتهى (3).
وقد ذكره "المنهاج" بعد ذلك في قوله [ص 174]: (أو غير لازم كمال الكتابة)، وتعبير "التنبيه" بالدين الذي على المكاتب أعم من تعبير "المنهاج" بمال الكتابة، وضم "الحاوي" إلى الإسلام والحرية شرطين:
أحدهما: كونه معينًا، فلا زكاة في الموقوف على جهة عامة، وتجب في الموقوف على معين.
ثانيهما: كونه متيقن الوجود، فلا زكاة في مال الحمل (4).
وفي "الكفاية": إن "التنبيه" أخرجه بقوله: (تام الملك)، بل صرح "التنبيه" في (الوقف) بأنه لا يملك بقوله:(وإن وقف على من لا يملك الغلة؛ كالعبد والحمل)(5)، ويمكن أن يحترز عنه "المنهاج" بقوله [ص 174]:(وتجب في مال صبي).
1202 -
قول "التنبيه"[ص 55]: (وفي المال المغصوب والضال والدين الذي على مماطل قولان، أصحهما: أنه تجب فيه الزكاة) قال صاحب "المذاكرة": لعل المراد بالمماطل: الممتنع من إيفاء الدين ولم تكن عليه بينة ولا القاضي يعلم به. انتهى.
فيكون المراد بالممطول به: المجحود، ويوافقه أن "المنهاج" ذكره بدله (6)، لكن عبارة "الروضة": إذا تعذر الاستيفاء لإعسار من عليه، أو جحوده ولا بينة، أو مطله، أو غيبته .. فهو كالمغصوب تجب الزكاة على المذهب. انتهى (7).
فجعل المطل غير الجحود، وهو الظاهر المتعين، ويكون مرادهما: الدين المتعذر الاستيفاء،
(1) المنهاج (ص 174).
(2)
التنبيه (ص 55).
(3)
انظر "نكت النبيه على أحكام التنبيه"(ق 48).
(4)
الحاوي (ص 214).
(5)
التنبيه (ص 136).
(6)
المنهاج (ص 174).
(7)
الروضة (2/ 194).
فذكر "التنبيه" نوعاً منه، و"المنهاج" نوعا آخر، كل ذلك على سبيل المثال، وفي "نكت" النشائي: إن كلام "التنبيه" ظاهر في أن القولين في المماطل هما القولان في المغصوب، وليس كذلك؛ فإن العراقيين وغيرهم نسبوا الوجوب في المغصوب للجديد، وكذا في "شرح المهذب"، والمنع للقديم، وأما الدين .. فالقديم: منع الزكاة فيه مطلقاً.
نعم؛ إذا قلنا بالجديد .. جاء في الدين على المماطل القولان. انتهى (1).
وأسقط "المنهاج" مما في "المحرر" المسروق؛ كأنه رآه داخلًا في الضال، وفي معناه: ما إذا وقع في بحر، قال في "المنهاج" [ص 174]:(ولا يجب دفعها حتى يعود)، وصرح به "الحاوي" أيضًا (2).
1203 -
قول "المنهاج"[ص 174]: (وتجب في الحال عن غائب إن قدر عليه) أي: إذا كان المال مستقراً في بلد، فإن كان سائراً .. قال في "العدة": لا يخرج زكاته حتى يصل إليه، فإذا وصل .. زكى الماضي بلا خلاف، قال في "شرح المهذب": وهو الصواب، وما وجدته بخلافه .. فَنَزِّله عليه. انتهى (3).
وفي "الروضة" وأصلها في الكلام على تأخير الزكاة: إن المال الغائب لا نُوجب إخراج زكاته من موضع آخر (4)، وهو مخالف للمذكور هنا، وهما وجهان حكاهما القاضي والروياني (5)، قال في "المهمات": والقياس: عدم اللزوم إلا أن يمضي زمان يمكنه المضي إليه فيه.
1204 -
قول "المنهاج"[ص 174] و"الحاوي"[ص 219]: (إنه لا زكاة في الدين إن كان ماشية) عللوه: بأن السوم شرط، وما في الذمة لا يوصف به، واستشكله الرافعي: بأن المسلِم في اللحم يذكر أنه من راعية أو معلوفة، فكما يثبتُ في الذمة لحمُ راعية .. فلتثبت الراعية نفسُها (6).
وضعفه القونوي بأن المدعى امتناع اتصافه بالسوم المحقق، وثبوتها في الذمة سائمةً أمر تقديري.
ويرد على اقتصارهما على الماشية: المعشّر في الذمة .. فلا زكاة فيه أيضًا؛ لأن شرطها الزهو في ملكه، ولم يوجد.
(1) نكت النبيه على أحكام التنبيه (ق 48)، وانظر "المجموع"(5/ 306).
(2)
الحاوي (ص 219).
(3)
المجموع (6/ 17).
(4)
الروضة (2/ 225).
(5)
انظر "بحر المذهب"(4/ 94).
(6)
انظر "فتح العزيز"(2/ 542).
1205 -
قول "المنهاج"[ص 174]: (أو غير لازم كمال الكتابة) لو عبر بـ (الدين الذي على المكاتب) كما في "التنبيه"(1) .. لكان أعم، وقد تقدم، واقتصر "الحاوي" على اعتبار لزوم الدين، ولم يذكر مثالًا (2)، وألحق ابن الرفعة بمال الكتابة في الجزم بالمنع الثمن في الذمة في مدة خيار المجلس لهما أو للمشتري وحده، بسبب إجازة البائع إذا قلنا: الملك فيه للبائع؛ لأنه دين، ويقدر المشتري على إسقاطه، والبائع عاجز عن التصرف التام، قال: ويجوز أن يجب؛ لأنه يؤول إلى اللزوم.
1206 -
قول "المنهاج"[ص 174]: (إنه تجب الزكاة في الدين إذا كان عرضاً في الجديد) وهو مفهوم من قول "التنبيه"[ص 55]: (كالدين الذي على المكاتب) ومن قول "الحاوي"[ص 218]: (ولا في دين الحيوان) وكذا في بقية كتب الرافعي والنووي، تبعاً للبغوي (3)، وسوى في "التتمة" بين العروض والماشية، فقال: إذا كان غير النقد من الثياب والطعام والنعم .. فلا خلاف أنه لا زكاة فيه؛ فإن الثياب تجب فيها الزكاة للتجارة، وما في الذمة لا يتصور فيه التجارة.
1207 -
قول "المنهاج" في الدين المؤجل [ص 174]: (المذهب: أنه كمغصُوب) أي: فتجب زكاته في الأظهر، لكن لا يجب دفعها حتى يقبضه، كذا في كتب الرافعي والنووي (4)، ويوافقه قول "المنهاج" عقبه [ص 174]:(وقيل: يجب دفعها قبل قبضه)، وقال السبكي: ينبغي أن يكون المراد بقولهم: (قبل قبضه): قبل حلوله؛ فإن محل الخلاف: إذا كان على مليٍّ مقرٍ ولا مانع سوى الأجل، وحينئذ: متى حل .. وجب الإخراج قبض أو لم يقبض، وتبعه على ذلك شيخنا في "المهمات"، فقال: إن التعبير بالقبض غير مستقيم، والصواب: التعبير بالحلول.
1208 -
قول "المنهاج"[ص 174]: (ولا يمنع الدين وجوبها في أظهر الأقوال) محل الخلاف: ما إذا لم يكن له من غير المال الزكوي ما يقضي به الدين، فإن كان .. لم يمنع قطعاً عند الجمهور، وتردد فيه الشيخ أبو محمد، ولا يدخل فيمن عليه دين الضامن؛ فإنه لم يثبت عليه للمضمون له مال، وإنما له عليه حق المطالبة والإبراء، ذكره الشيخ عز الدين في "القواعد" ثم قال: ويحتمل ثبوته في ذمته، ولكن لا تثبت له جميع أحكام الديون من وجوب الزكاة فيه وغيره (5).
(1) التنبيه (ص 55).
(2)
الحاوي (ص 219).
(3)
انظر "التهذيب"(3/ 74)، و"فتح العزيز"(2/ 542، 543)، و"المجموع"(5/ 309)، و"الروضة"(2/ 194).
(4)
انظر "فتح العزيز"(2/ 543)، و"المجموع"(6/ 16)، و"الروضة"(2/ 194).
(5)
قواعد الأحكام في إصلاح الأنام (2/ 210).
1209 -
قوله: (والثالث: يمنع في المال الباطن، وهو النقد والعرض)(1) أهمل من المال الباطن: الركاز، وقد ذكره "التنبيه" والجمهور (2)، ولم يذكره "المنهاج" هنا؛ لاندراجه في النقد، لكنه منتقض بالمعدن، وأهملا معاً زكاة الفطر، وهي من الباطنة أيضًا على الأصح.
1210 -
قوله: (فعلى الأول: لو حجر عليه لدين، فحال الحول في الحجر .. فكمغصوب)(3) محله: ما إذا لم يعين الحاكم لكل غريم عيناً على ما يقتضيه التقسيط ويمكنه من أخذها، فإن عين لذلك، فحال الحول ولم يأخذوها .. فلا زكاة على المذهب، حكاه الرافعي هنا عن قطع المُعْظَم، وقال في (التفليس): إنه أظهر القولين (4)، وهو وارد على إطلاق "الحاوي" أيضاً أن الدين لا يمنع الزكاة (5)، لكن قال السبكي: ما نقل عن المعظم ظاهر إذا كان ماله من جنس الدين، وعزل لكل غريم قدر دينه، أما إذا كان من غيره: فكيف تمكنه من أخذه دون بيع أو تعويض؟ قال في "المهمات": وقد صورها بذلك الشيخ أبو محمد في "السلسلة".
1211 -
قول "التنبيه"[ص 61]: (وإن كان هناك - أي: مع الزكاة - دين آدمي .. ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: تقدم الزكاة)، هو الأظهر، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي"(6)، ثم هنا أمور:
أحدها: أنه يدخل في الزكاة: زكاة الفطر، فحكمها كزكاة المال على الصحيح، بل الأقوال جارية في اجتماع حق الله تعالى مطلقًا مع الدين، فيدخل في ذلك الحج وجزاء الصيد والكفارة والنذر، كما صرح به في "شرح المهذب"(7).
ثانيها: أن ظاهر كلامهم: جريان الأقوال وإن كان المال الزكوي باقياً، وهو الذي في "الروضة" وأصلها هنا، لكن في زكاة المعشرات والأيمان ترجيح القطع بتقديم الزكاة عند بقاء المال الزكوي (8)، وصوبه في "المهمات".
ثالثها: يستثنى من هذه القاعدة: اجتماع الجزية والدين؛ فإن الأصح: استواؤهما، مع أن الجزية حق الله تعالى.
(1) انظر "المنهاج"(ص 174).
(2)
التنبيه (ص 55).
(3)
انظر "المنهاج"(ص 174).
(4)
انظر "فتح العزيز"(2/ 547)، (5/ 9).
(5)
الحاوي (ص 219).
(6)
الحاوي (ص 219)، المنهاج (ص 174).
(7)
المجموع (5/ 309).
(8)
الروضة (2/ 197، 240).
رابعها: خرج بدين الآدمي: دين الله تعالى؛ كالكفارة ونحوها، قال السبكي: والوجه فيه أن يقال: إن كان النصاب موجوداً .. قدمت الزكاة، وإلا .. فيستويان.
خامسها: خرج بتعبير "المنهاج" و"الحاوي" بالتركة: ما إذا اجتمعا على حي، وضاق ماله عنهما، وهو مفهوم من "التنبيه" أيضًا؛ فإنه صور المسألة بالموت، وحكمه: أنه إن كان محجوراً عليه .. قدم حق الآدمي قطعاً، ويؤخر حق الله تعالى ما دام حياً، وإن لم يكن محجوراً عليه .. قدمت الزكاة جزمًا، ذكر الرافعي حكم المحجور في (الأيمان)، وحكم غيره هنا؛ فإنه جعله أصلاً، وقاس عليه تقديم الزكاة هنا (1)، لكن صرح القاضي أبو الطيب في المحجور في حال الحياة بأقوال، ثالثها: تقديم السابق، وفي "المهمات" عن "شرح المختصر" لابن أبي هريرة تعليق أبي على الطبري عنه: الجزم بجريان الأقوال في الحياة، والتوقف في إجرائها بعد الموت، وهو غريب، وذكر شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه" في (الأيمان): أن المذكور هناك من القطع بتقديم حق الآدمي محله: فيما كان من حق الله على التراخي؛ ككفارة اليمين حيث لا تعدي يقتضي الفورية، وقطع بتقديم الزكاة ونحوها مما هو على الفور، واستشهد على ذلك بكلام الرافعي المذكور هنا، وحمله على المحجور، وتردد في غير المحجور في الحياة؛ هل يتخير أو يقدم الزكاة أو تجري الأقوال؟ والله أعلم.
سادسها: هذه المسألة مفرعة على أن الدين لا يمنع الزكاة، كما في "الروضة" وأصلها (2)، لكن قال السبكي: لا يتعين ذلك، بل إذا حدث الدين بعد وجوب الزكاة .. جرت الأقوال.
1212 -
قول "التنبيه"[ص 55]: (وفي الأجرة قبل استيفاء المنفعة قولان، أصحهما: أنه تجب فيها الزكاة) فيه أمران:
أحدهما: كذا حكى الخلاف في نفس الوجوب، وهي طريقة طائفة من العراقيين، وقال الشيخ أبو حامد وأتباعه: الوجوب ثابت قطعًا، وإنما الكلام في كيفية الإخراج، قال الرافعي والنووي: وهذا مقتضى كلام الأكثرين (3).
ثانيهما: لم يتعرض للإخراج والأداء، وذكره "الحاوي" فقال [ص 219]:(وتقرر الأجرة شرط لوجوب الأداء)، و"المنهاج" وأوضح المسألة بمثالها، فقال [ص 175]: (ولو أكرى داراً أربع سنين بثمانين ديناراً وقبضها .. فالأظهر: أنه لا يلزمه أن يخرج إلا زكاة ما استقر، فيخرج عند تمام السنة الأولى زكاة عشرين
…
إلى آخره) وللرافعي على هذا استدراك صحيح نقله عن
(1) انظر (فتح العزيز" (2/ 547)، (12/ 278).
(2)
الروضة (2/ 200).
(3)
انظر "فتح العزيز"(2/ 558)، و"الروضة"(2/ 203).
القاطعين بالوجوب، أسقطه من "الروضة"، تقريره: أن الزكاة تتعلق بالمال تعلق شركة على الصحيح، فانتقل للفقراء من العشرين التي لم يخرج زكاتها في السنة الأولى؛ لعدم استقرار الأجرة نصف دينار، فلم يحل الحول الثاني على عشرين كاملة، بل ناقصة نصف دينار، فتسقط حصة ذلك، وكذا قياس السنة الثالثة والرابعة، وقد ظهر بذلك أن هذا الحكم مفرع على ضعيف؛ فإن الأظهر: تعلق الشركة، ومحل ذلك أيضاً: إذا كان الإخراج من غيره، فإن كان من عينه .. نقص الواجب في السنة الثانية وما بعدها بقدر واجب ما أخرجه (1).
(1) انظر "فتح العزيز"(2/ 557، 558).