الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة
الحمد لله الذي علم بالقلم .. علم الإنسان ما لم يعلم .. والصلاة والسّلام على من أوحى إليه أن: اقرأ .. فقرأ وهو خير من قرأ، ونطق وهو خير من نطق، وأفصح وهو سيد من أفصح
…
اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ..
وبعد ..
فلقد اهتم علماؤنا الأوائل بدراسة اللغة العربية .. لغتهم العزيزة التي بها يتكلمون وبها يتخاطبون، وزاد اهتمامهم بها حين وجدوا الأيدي العابثة قد امتدت عليها ودبّ اللحن على الألسنة، فخشي الغيورون على لغة القرآن الكريم من ضياعها، وإمحاء آثارها، فأرسوا قواعدها، ونظموا أصولها، حتى كثرت المؤلفات التي تعنى بقواعد النحو والصرف، فوضع سيبويه «كتابه» الذي يعد بمثابة المنارة التي يهتدي بنورها الدارسون لهذا الفن .. ولا يزال التأليف مستمرّا حتى وجدنا المبرّد يقدم بين أيدي الدارسين كتبه: المقتضب والكامل وغيرهما من نفائس الكتب والمؤلفات ..
وتتابعت حركة التأليف حتى جاء القرن السابع الهجري ليسعد بعلم من أبرز علماء النحو والصرف، ذلكم هو العالم الجليل الشيخ جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك، صاحب الألفية التي اشتهرت في الأوساط العلمية وفاقت كل مؤلف، وأقبل عليها طلاب العلم حفظا وفهما، حتى استولت على عقولهم وأفهامهم.
هذا إلى جانب الكافية الشافية وشرحها، والتسهيل، وغيرها من المؤلفات التي وضعها ابن مالك. وإذا كانت الألفية قد حظيت باهتمام كثير من العلماء، فتسابقوا إلى شرحها والتعليق عليها - فإن «التسهيل» أيضا قد حظي بهذا الاهتمام نفسه؛ حتى وجدناه يسيطر على العقول ويأخذ بمجامع الألباب، فهبّ الجميع يتسابقون إلى شرحه وحلّ الغموض الذي اكتنفه؛ لأن إيجازه بلغ
حد الغموض كما جاء في دائرة المعارف الإسلامية (1) .. ولهذا السبب؛ فإن ابن مالك نفسه أحسّ أن هذا الكتاب لا يكمل نفعه، ولا يعم خيره إلا إذا أكمل بشرح يزيل غموضه، ويبين المراد من عباراته واصطلاحاته وقواعده؛
فقام بشرحه حتى يسهل الانتفاع به (2).
وتتابعت شروح هذا الكتاب بعد شرح مصنفه من أمثال: الشيخ أبي حيان (ت 745 هـ) والمرادي (ت 749 هـ) والسمين الحلبي (ت 756 هـ) وابن هشام (ت 761 هـ) وابن عقيل والدماميني، ومحب الدين محمد بن يوسف بن أحمد المعروف بناظر الجيش .. ولقد استوقفتنا شخصية هذا العالم الأخير الذي جمع بين دراسة هذا الفن ومنصب «ناظر الجيش» .
ولما كان إحياء تراثنا العربي الخالد من موجبات الحياة ومقتضيات الزمن - فقد شمرنا عن ساعد الجد؛ لننفض الغبار الذي تراكم على هذا الشرح، الذي نعتقد أنه من أعظم شروح التسهيل كما سنرى إن شاء الله تعالى، وقد أحببنا أن يخرج إلى الحياة ويشهد نورها بعد أن ظل حبيسا في بطون المكتبات؛ فاخترنا بعون الله وتوفيقه - نحن الستة - هذا الشرح؛ ليكون تحقيقه ودراسته سبيلا لنيل درجة العالمية «الدكتوراه» من كلية اللغة العربية جامعة الأزهر بالقاهرة .. هذا، ويمكننا أن نلخص الدوافع التي حفزتنا إلى تحقيق هذا السفر العظيم فيما يلي:
1 -
الإسهام والمشاركة في إحياء جزء من تراثنا العربي الخالد الذي يسهم بدوره في المحافظة على لغة القرآن الكريم دستور الإسلام العظيم.
2 -
التعرف على شخصية ابن مالك عن قرب بدراسة مؤلف من مؤلفاته وهو «التسهيل» ، من خلال شرح ناظر الجيش له.
3 -
التعرف على شخصية ناظر الجيش التي لم تحظ بعناية كثير من العلماء أو الدارسين؛ فأردنا أن نكشف الغموض الذي اكتنف هذه الشخصية العظيمة
(1) انظر دائرة المعارف الإسلامية (1/ 381).
(2)
ذكرت المصادر التي ترجمت لابن مالك أنه وصل في شرحه إلى باب: «مصادر الفعل الثلاثي» ثم أكمله ولده بدر الدين.
ذات القدرة الفائقة على فهم القواعد النحوية والصرفية.
4 -
أنه إذا كان القرن الثامن الهجري قد حظي بالأفذاذ من العلماء من أمثال: أبي حيان والمرادي والسمين الحلبي وابن هشام وابن عقيل - فإننا قصدنا إلى معرفة مكان شرح ناظر الجيش بين هذه الشروح.
5 -
أننا وجدنا صاحب «كشف الظنون» وغيره حين تحدث عن هذا الشرح لناظر الجيش - ذكر أنه اعتنى بالأجوبة الجيدة عن اعتراضات أبي حيان على ابن مالك .. فأردنا أن نقف على تلك الإجابات والتعرف عليها والاستفادة
منها.
6 -
أن هذا الشرح يعد لونا من ألوان النقد في النحو العربي .. فهو لم يكتف بسرد آراء السابقين ومذاهبهم .. وإنما تعرض لها بالشرح والتعليق؛ وبخاصة شرح ابن مالك وشرح الشيخ أبي حيان الذي تعقبه مع كل فكرة وكل رأي .. فأردنا أن يتعرف معشر الدارسين لهذا الفن على هذا اللون الجديد من هذه الدراسة.
لهذه الأسباب مجتمعة اخترنا تحقيق هذا الكتاب ودراسته؛ إسهاما إيجابيّا منّا في هذا العمل النبيل، في إضافة شرح من أرقى شروح التسهيل إلى المكتبة العربية.
ولقد ساعدنا في طبع هذا الكتاب الكبير والسفر العظيم الذي يجمع ثلاثة شروح للتسهيل (ابن مالك - أبو حيان - ناظر الجيش) هذا الرجل الذي يعنى بنشر التراث العربي في مختلف مجالاته من لغة وأدب ودين وهو الأستاذ/ عبد القادر محمود البكار، صاحب ومدير مكتبة دار السّلام بشارع الأزهر تلك المكتبة التي حازت على جائزة أفضل ناشر للتراث في مصر لثلاثة أعوام متتالية (1999 - 2000 - 2001 م) هي عمر الجائزة.
وكان عملنا الكبير هذا مقسما إلى قسمين:
قسم للدراسة كشفنا فيه النقاب عن الكتاب وعن صاحبه، وقسم للتحقيق أخرجنا فيه الكتاب الذي حجب عن طلاب العربية طوال سبعة قرون؛ أخرجناه إلى النور؛ لينتفع به الناس.