المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[مفسر ضمير الغائب وتقديمه] - تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - جـ ١

[ناظر الجيش]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌أما قسم الدراسة فقد جعلناه في: تمهيد وعشرة فصول

- ‌وأما القسم الثاني وهو «التحقيق» فقد سرنا فيه وفق الخطوات التالية:

- ‌تمهيد

- ‌العصر الثقافي أو الحياة العلمية في عصر ناظر الجيش:

- ‌خصائص المدرسة النحوية في عصر «ناظر الجيش»:

- ‌الفصل الأول حديث موجز عن ابن مالك صاحب «التسهيل»

- ‌اسمه ونسبه:

- ‌كنيته ولقبه:

- ‌مولده وموطن ولادته:

- ‌ثناء الناس على ابن مالك:

- ‌مؤلفات ابن مالك (النحوية فقط):

- ‌وفاته:

- ‌الفصل الثاني حديث عن ناظر الجيش صاحب «شرح التسهيل»

- ‌ اسمه ونسبه:

- ‌لقبه وكنيته:

- ‌مولده وموطن ولادته:

- ‌شيوخه:

- ‌1 - أبو حيان:

- ‌2 - تاج الدين التبريزي:

- ‌3 - التقي السبكي:

- ‌4 - التقي الصائغ:

- ‌5 - الجلال القزويني:

- ‌تلاميذه:

- ‌ثقافته:

- ‌ مؤلفاته

- ‌صفاته وأخلاقه:

- ‌المناصب التي تولاها:

- ‌وفاته:

- ‌الفصل الثالث كتاب التسهيل لابن مالك وقيمته العلمية

- ‌ قيمة التسهيل العلمية:

- ‌شروح التسهيل:

- ‌أثر التسهيل في المؤلفات النحوية بعده:

- ‌باحث معاصر حقق الكتاب:

- ‌الفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»

- ‌ اسم الكتاب:

- ‌نسبة الكتاب لناظر الجيش:

- ‌الغاية من تأليفه:

- ‌زمن تأليف الكتاب:

- ‌قيمة الكتاب العلمية:

- ‌الفصل الخامس مصادر ومراجع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش

- ‌أما النحاة فنجد من أبرزهم:

- ‌ومن اللّغويين:

- ‌وأما رجال الحديث، والمفسرون، والقراء، والصحابة، فمنهم:

- ‌وأما الشعراء والرجاز:

- ‌الفصل السادس منهج ناظر الجيش في شرحه للتسهيل وأسلوبه فيه

- ‌ أولا: منهجه في التأليف:

- ‌ثانيا: أسلوبه في شرح التسهيل:

- ‌الفصل السابع شخصية ناظر الجيش النحوية

- ‌أولا: ناظر الجيش وسيبويه إمام النحاة:

- ‌ثانيا: ناظر الجيش وأبو علي الفارسي:

- ‌ثالثا: ناظر الجيش وابن جني:

- ‌رابعا: ناظر الجيش والزمخشري:

- ‌خامسا: ناظر الجيش وابن الحاجب:

- ‌سادسا: ناظر الجيش وابن عصفور:

- ‌سابعا: ناظر الجيش وابن مالك:

- ‌ثامنا: ناظر الجيش وأبو حيان:

- ‌الفصل الثامن موقف ناظر الجيش من قضية الاستشهاد والأدلة النحوية

- ‌أولا: القرآن الكريم:

- ‌ثانيا: القراءات القرآنية:

- ‌ثالثا: الحديث الشريف:

- ‌رابعا: الشعر:

- ‌خامسا: النّثر:

- ‌الفصل التاسع ناظر الجيش مذهبه النحوي - بعض اختياراته

- ‌ أولا: مذهبه النحوي:

- ‌ثانيا: اختياراته النحويّة:

- ‌الفصل العاشر شرح ناظر الجيش - بين التأثر والتأثير - ما له وما عليه

- ‌ أولا: التأثر:

- ‌ثانيا: التأثير:

- ‌ميزات الكتاب:

- ‌مآخذ الشرح:

- ‌خاتمة

- ‌وقد خرجنا من البحث بالنتائج التالية:

- ‌منهجنا في التحقيق بإيجاز بعد أن ذكرناه بالتفصيل في المقدمة:

- ‌وصف النسخ التي اعتمدنا عليها في التحقيق:

- ‌[مقدمة المؤلف]

- ‌الكلام على خطبة الكتاب

- ‌الباب الأول (*) باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق به

- ‌[تعريف الكلمة]

- ‌[تقسيم الكلمة]

- ‌[تعريف الكلام]

- ‌[تعريف الاسم]

- ‌[تعريف الفعل]

- ‌[تعريف الحرف]

- ‌[علامات الاسم]

- ‌[علامات الفعل]

- ‌[أقسام الفعل]

- ‌[علامات الفعل الماضي والمضارع]

- ‌[زمن الأمر]

- ‌[زمن الفعل المضارع]

- ‌[ترجح زمن الحال في المضارع]

- ‌[تعيين زمن الحال للمضارع]

- ‌[الأمور التي تخلص المضارع للاستقبال]

- ‌[انصراف الفعل المضارع إلى زمن المضي]

- ‌[صرف الماضي إلى الحال والاستقبال]

- ‌[احتمال الماضي للحال والاستقبال]

- ‌الباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخر

- ‌[تعريف الإعراب]

- ‌[الإعراب أصل في الأسماء فرع في الأفعال]

- ‌[متى يعرب المضارع ومتى يبنى

- ‌[وجوه الشبه بين الاسم والحرف]

- ‌[أنواع الإعراب]

- ‌[علامات الإعراب الأصلية]

- ‌[ما ينوب عن الفتحة]

- ‌[ما ينوب عن الضمة]

- ‌[اللغات في الأسماء الستة]

- ‌[اللغات في: فم]

- ‌[إعراب الأمثلة الخمسة عند الرفع]

- ‌[الأمثلة الخمسة عند النصب والجزم]

- ‌[حد البناء وأنواعه]

- ‌الباب الثالث باب إعراب المعتلّ الآخر

- ‌[كيفية إعراب المضارع المعتل الآخر]

- ‌[بناء حرف العلة مع الجازم للضرورة]

- ‌[الضرورة وإعراب الأفعال والأسماء]

- ‌الباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حده

- ‌[تعريف المثنى وإعرابه]

- ‌[الملحق بالمثنى وأنواعه]

- ‌[حكم العطف دون التثنية]

- ‌[تعريف جمع المذكر السالم]

- ‌[إعراب جمع المذكر السالم]

- ‌[الآراء في إعراب المثنى وجمع المذكر والأسماء الستة]

- ‌[تعريف جمع المؤنث السالم]

- ‌[شروط جمع المذكر السالم]

- ‌[الملحق بجمع المذكر السالم]

- ‌[حكم سنين وبابه]

- ‌[إعراب المعتل اللام من جمع المذكر وجمع المؤنث]

- ‌الباب الخامس باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيح

- ‌[تعريف المقصور والمنقوص والممدود]

- ‌[تثنية الاسم غير المقصور والممدود]

- ‌[تثنية المقصور]

- ‌[تثنية الممدود]

- ‌[تثنية خاصة لبعض الأسماء]

- ‌[جمع المقصور والمنقوص الجمع الصحيح]

- ‌[تثنية خاصة لأسماء مخصوصة]

- ‌[جمع بعض الأسماء الجمع الصحيح]

- ‌[جمع فعلة جمعا مؤنثا وحكم العين فيه]

- ‌[تثنية محذوف اللام وحكمه]

- ‌[تثنية اسم الجمع وجمع التكسير]

- ‌[الأوجه الجائزة في المضاف إلى المثنى]

- ‌[الأوجه الجائزة في مثل: عيناه حسنتان]

- ‌[ما يجمع بالألف والتاء]

- ‌الباب السادس باب المعرفة والنّكرة

- ‌[أنواع المعرفة]

- ‌[ترتيب المعارف]

- ‌[تفوق الأقل في التعريف]

- ‌[تعريف النكرة]

- ‌[اختلاف النحويين في ترتيب المعارف]

- ‌الباب السابع باب المضمر

- ‌[تعريف الضمير]

- ‌[مواضع استتار الضمير وجوبا]

- ‌[مواضع استتار الضمير جوازا]

- ‌[الحديث عن الضمير المتصل المرفوع]

- ‌[حكم الفعل الماضي المسند إلى الضمائر]

- ‌[نيابة بعض الضمائر عن بعض]

- ‌[بقية الحديث عن نيابة بعض الضمائر عن بعض]

- ‌[الحديث عن الضمير المتصل المنصوب والمجرور]

- ‌[أحكام ضمائر التثنية والجمع]

- ‌[نون الوقاية وأحكامها وماذا تلحق]

- ‌[الحديث عن ضمائر الرفع المنفصلة]

- ‌[اللغات في هو وهي]

- ‌[الحديث عن ضمائر النصب المنفصلة]

- ‌[مواضع انفصال الضمير]

- ‌[مواضع جواز الاتصال والانفصال]

- ‌[المختار في مواضع جواز الاتصال والانفصال]

- ‌[فصل الضمير الواجب الاتصال]

- ‌[مفسّر ضمير الغائب وتقديمه]

- ‌[مفسّر ضمير الغائب وتأخيره جوازا]

- ‌[مفسّر ضمير الغيبة وتأخره لزوما]

- ‌[ضمير الشأن وأحكامه]

- ‌[أحكام أخرى تخص ضمير الشأن]

- ‌[حكم ضمير الشأن من بروزه أو استتاره]

- ‌[أسباب بناء الضمائر]

- ‌[ضمير الفصل وأحكامه]

- ‌[استثناء من بعض أحكام الضمير]

- ‌[مسائل وأحكام أخرى لضمير الفصل]

الفصل: ‌[مفسر ضمير الغائب وتقديمه]

[مفسّر ضمير الغائب وتقديمه]

قال ابن مالك: (فصل: الأصل تقديم مفسّر ضمير الغائب، ولا يكون غير الأقرب إلّا بدليل، وهو إمّا مصرّح بلفظه، أو مستغنى عنه بحضور مدلوله حسّا أو علما أو بذكر ما هو له جزء أو كلّ أو نظير أو مصاحب بوجه ما).

ــ

والذي ذكره الشيخ حق، وقد كان وقع لي هذا عند قراءة هذا الموضع، ولكن لما ذكره الشيخ تعين إسناده إليه.

قال ناظر الجيش: ما دل على الحضور وهو ضمير المتكلم والخطاب مستغن عن المفسر [1/ 169] اكتفاء بالمشاهدة المقارنة الدالة على المراد به.

وأما ضمير الغائب فليس له مشاهدة مقارنة فاحتاج لذلك إلى مفسر.

والأصل أن يكون المفسّر مقدما على ما يفسره، ولا يكون مؤخرا إلا في أبواب محصورة (1)، فقول المصنف: الأصل تقديم مفسّر ضمير الغائب يفهم منه شيئان:

أحدهما: أن ضمير الغائب لا بد له من مفسر، ويفهم منه أن ضمير الحضور مستغن عن ذلك.

والثاني: أن الأصل في المفسّر أن يكون مقدما على الضمير المفسّر.

وذكر المصنف والشيخ أن ضمير الحضور مفسر بالمشاهدة، والأمر في ذلك قريب والظاهر ما ذكرته (2).

ثم إذا تقدم على الضمير شيئان صالح كل منهما للتفسير - فالمفسّر هو الأقرب نحو: أكرمت زيدا وعمرا في داره، فالضمير لعمرو لقربه.

ولا يكون المفسّر غير الأقرب، إلا إن دل على ذلك دليل، ومثّله الشيخ بقوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ (3)، -

(1) ستأتي مسائل تأخير المفسر جوازا ومسائل تأخيره وجوبا.

(2)

الخلاف بين ناظر الجيش وبين ابن مالك وأبي حيان لفظي: وما ذكره ناظر الجيش أن ضميري المتكلم والخطاب مستغنيان عن المفسر اكتفاء بالمشاهدة المقارنة الدالة على المراد بهما. وما ذكره الآخران أن ضميري التكلم والخطاب تفسرهما المشاهدة. شرح التسهيل (1/ 156)، التذييل والتكميل:(2/ 252).

(3)

سورة العنكبوت: 27.

ص: 539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فالضمير في ذريته عائد على إبراهيم لا على إسحاق ولا على يعقوب صلوات الله عليهم أجمعين؛ لأن المحدث عنه من أول القصة إلى آخرها هو إبراهيم (1).

قال المصنف: «جعلوا تقديم مفسر الغائب خلفا عمّا فاته من مقارنة المشاهدة؛ ومقتضى هذا القصد تقديم الشعور بالمفسر كما يتقدم الشعور بذات يصلح أن يعبر عنها بضمير حاضر.

واللائق بالمفسر لكونه كجزء المفسر (2) في تكميل وضوحه أن يتصل به؛ فلذلك إذا ذكر ضمير واحد بعد اثنين فصاعدا، جعل للأقرب ولا يجعل لغيره إلا بدليل من خارج» انتهى (3).

ولكون الضمير لا يعود إلا على الأقرب، قال الشيخ:«استدلّ ابن حزم على تحريم جميع الخنزير لحما وشحما وجلدا وغيرها بقوله تعالى: فَإِنَّهُ رِجْسٌ (4) بعد قوله تعالى: أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ لما ألزم أن يقول بتحليل شحم الخنزير. فجعل الضمير في فَإِنَّهُ عائدا على الخنزير؛ لأنّه أقرب مذكور، وإنما ذكر اللحم أولا لأنه هو المعهود أكله لمن يأكله لا على جهة حصر التحريم فيه» انتهى (5).

ثم المفسّر قد يستغنى عن ذكره، ويدل عليه ما يفهم من سياق الكلام، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: أو مستغنى عنه بحضور مدلوله حسّا أو علما.

والأكثر كونه مذكورا، وقد يستغنى عن ذكره بذكر ما يدل عليه مما بينه وبينه نسبة للجزئية أو الكلية أو غيرهما كما سيأتي. -

(1) التذييل والتكميل (2/ 252).

(2)

في شرح التسهيل (لابن مالك): لكونه جزء المفسر، ولا فرق بينهما.

(3)

شرح التسهيل (1/ 157).

(4)

سورة الأنعام: 145. وأولها قوله: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ.

(5)

التذييل والتكميل (2/ 253). وقال أبو حيان في تفسيره المسمى بالبحر المحيط (4/ 241): عند تفسير هذه الآية:

«والظّاهر أنّ الضّمير في فَإِنَّهُ عائد على لَحْمَ خِنزِيرٍ، وزعم أبو محمد بن حزم، فقال:

إنه عائد على خِنزِيرٍ فإنه أقرب مذكور، فإذا احتمل العودة على شيئين كان عوده على الأقرب أرجح. وعورض بأن المحدّث عنه إنما هو اللّحم،

وجاء ذكر الخنزير على سبيل الإضافة إليه لا أنّه هو المحدّث عنه المعطوف».

ص: 540

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ولنرجع إلى لفظ الكتاب:

وقوله: وهو إما مصرح بلفظه أي المفسّر، وذلك نحو: زيد لقيته.

وقوله: أو مستغنى عنه أي مستغنى عن لفظه بحضور معناه في الحس كقوله تعالى: هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي (1)، ويا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ (2)، أو بحضور معناه في العلم، كقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (3)، ومنه قوله تعالى:

حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (4)، ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ (5).

وقوله: أو بذكر [1/ 170] ما هو له جزء أي: أو مستغنى عنه بذكر ما صاحب الضمير جزؤه، فهذا عائد على صاحب الضمير، والضمير في له عائد على المذكور، وذلك كقول الشاعر:

260 -

أماويّ ما يغني الثّراء عن الفتى

إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر (6)

-

(1) سورة يوسف: 26. قال أبو حيان: «الضّمير في (هى) عائد على قوله: بِأَهْلِكَ سُوءاً ولمّا كنّت عن نفسها بقوله: (بأهلك) ولم تقل بي، كنّى هو عنها بضمير الغيبة في قوله هِيَ راوَدَتْنِي ولم يخاطبها بقوله: أنت راودتني، ولا أشار إليها بقوله: هذه راودتني، كلّ هذا على سبيل الأدب» (التذييل والتكميل: 2/ 253).

(2)

سورة القصص: 26.

(3)

سورة القدر: 1.

(4)

سورة ص: 32.

(5)

سورة فاطر: 45.

(6)

البيت من بحر الطويل من قصيدة لحاتم الطائي ذكر جزءا منها ابن قتيبة في الشعر والشعراء: (1/ 253)، وهي كلها في ديوان حاتم (ص 51).

وماوية التي ذكرت في البيت: امرأة شريفة في العرب جاءها الرجال يخطبونها، ومنهم حاتم الطائي والنابغة، فطلبت منهم جميعا شعرا يذكرون فيه مناصبهم وأفعالهم، فعادوا ثم ذهبت إليهم متخفية، لترى أفعالهم، فأعجبت بحاتم حين رأته ينصب القدور ويمد الموائد للضيوف والناس، ثم جاءها حاتم، وأنشدها هذه القصيدة التي منها بيت الشاهد وفيها يقول (قبل بيت الشاهد):

أماويّ إنّ المال غاد ورائح

ويبقى من المال الأحاديث والذّكر

أماويّ إنّي لا أقول لسائل

إذا جاء يوما حلّ في مالنا نزر

اللغة: الثّراء: الغنى وكثرة المال. حشرجت: الحشرجة تكون عند صعود الروح إلى بارئها وقت الموت.

والمعنى: أن المال لا يفيد في شيء حتى في طول عمر الإنسان، وهو أقصى أمنيته فلا داعي للشح به.

وشاهده واضح من الشرح.

وانظر البيت في شرح التسهيل (1/ 157)، وفي التذييل والتكميل (2/ 254)، وفي معجم الشواهد (ص 150).

ص: 541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وذكر الفتى مغن عن ذكر النفس؛ لأنها جزؤه، فعاد إليها فاعل حشرجت، والضمير المجرور بالياء ومنه قولهم:«من كذب كان شرّا له» (1) فأضمروا في كان ضمير الكذب؛ لأنه جزء مدلول كذب، ومثله قوله تعالى: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (2) فهذا عائد على العدل؛ لأنه جزء مدلول اعْدِلُوا.

ومنه قول الشاعر:

261 -

وإذا سئلت الخير فاعلم أنّها

حسنى تخصّ بها من الرّحمن (3)

فأعاد الضمير إلى المسألة؛ لأنها جزء مدلول سئلت.

ومنه قول الشاعر:

262 -

إذا نهي السّفيه جرى إليه

وخالف والسّفيه إلى الخلاف (4)

فالهاء من إليه عائد على السفه؛ لأنه جزء مدلول السفيه.

وقوله: أو كلّ أي: أو يذكر ما صاحب الضمير له أي للمذكور كل؛ فإن الجزء يدل على الكل كما يدل الكل على الجزء.

قال المصنف: ومن ذلك - والله أعلم - وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ (5)؛ فإن الذهب والفضة بعض المكنوزات، فأغنى ذكرهما عن ذكر الجميع، كأنه قيل: -

(1) شرح المفصل لابن يعيش (7/ 152).

(2)

سورة المائدة: 8.

(3)

البيت من بحر الكامل قاله كعب الغنوي من مقطوعة قصيرة يوصي فيها ابنه عليّا وهي في الأمالي (2/ 346). وشاهد البيت واضح.

والبيت ليس في معجم الشواهد، وهو في شرح التسهيل (1/ 157)، وفي التذييل والتكميل (1/ 513).

ترجمة كعب الغنوي: هو كعب بن سعد بن عمرو الغنوي، شاعر جاهلي حلو الديباجة، له أشعار كثيرة مبعثرة في كتب الأدب والتراجم، أشهر

شعره بائيته في رثاء أخ له قتل في حرب ذي قار.

توفي كعب سنة (10) قبل الهجرة. ترجمته في الأعلام (6/ 82).

(4)

البيت من بحر الوافر، ومع كثرة مراجعه لم ينسب إلى قائل، ولم يذكر له ثان.

وروي أمر مكان نهي، وشاهده قوله: جرى إليه. قال ثعلب في مجالسه (1/ 60): قوله: جرى إليه أي جرى إلى السفه، واكتفى بالفعل من المصدر. ويقصد بالفعل اسم الفاعل.

والبيت في معجم الشواهد (ص 240)، وهو في شرح التسهيل (1/ 157)، وفي التذييل والتكميل (2/ 255).

(5)

سورة التوبة: 24 وهي قوله: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ.

ص: 542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

والذين يكنزون أصناف ما يكنز ولا ينفقونها. ومن هذا أيضا قول الشاعر:

263 -

ولو حلفت بين الصّفا أمّ معمر

ومروتها بالله برّت يمينها (1)

فأعاد الضمير إلى مكة؛ لأن الصفا جزء منها. وذكر الجزء مغن عن ذكر الكل في بعض الكلام.

ويمكن أن يكون من هذا قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (2)؛ فيكون الضمير للدنيا وإن لم يجر ذكرها في هذه السورة؛ لأن ما جرى ذكره بعضها، والبعض يدل على الكل.

وقوله: أو نظيره أي: ويذكر ما هو نظير لصاحب الضمير، ومثّلوه بقولهم:

عندي درهم ونصفه أي ونصف (3) درهم آخر، ومنه قول الشاعر:

264 -

قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا (4)

إلى حمامتنا أو نصفه فقد (5)

أي: ونصف حمام آخر مثله في العدة. -

(1) البيت من بحر الطويل، ولم ينسب إلى قائل.

اللغة: الصّفا والمروة: من شعائر الله في الأراضي المقدسة، ويلزم الحاج السعي بينهما. برّت يمينها:

صدقت فيها.

قال أبو حيان ردّا على ما ذكره ابن مالك في البيت: «ولا يتعيّن هذا؛ إذ يحتمل أن يعود الضّمير على الصفا على معنى الصخرة؛ لأنهما مشتركان في معنى الطواف بهما، فهما طرفان ينتهى في الطّواف إليهما، والإضافة تكون بأدنى ملابسة» (التذييل والتكميل: 2/ 255).

والبيت في شرح التسهيل (1/ 158)، وفي التذييل والتكميل (2/ 255)، وليس في معجم الشواهد.

(2)

سورة الرحمن: 26.

(3)

سيأتي ما ذكره ابن عصفور في عائد الضمير في هذا القول وأمثاله.

(4)

كلمة لنا سقطت من نسخة الأصل سهوا.

(5)

البيت من بحر البسيط من قصيدة طويلة للنابغة الذبياني يمدح فيها النعمان بن المنذر، ويعتذر إليه من هجاء - أو وشاية - هجاه به، وقد عد بعضهم المعلقات عشرا، وجعلوا منها قصيدة النابغة هذه، ومطلعها (وهي في الديوان ص 19):

يا دار ميّة بالعلياء فالسّند

أقوت وطال عليها سالف الأمد

وأما قصة بيت الشاهد فمشهورة، وهي أن النابغة يدعو النعمان إلى الحزم واليقظة قبل أن يبطش به، وأن يكون في حكمه كهذه التي عدت الحمام وهو طائر في السماء فكان كما عدت.

وشاهده واضح من الشرح، وهو في معجم الشواهد (ص 117)، وفي التذييل والتكميل (2/ 256).

ص: 543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وقول الآخر:

265 -

وكلّ أناس قاربوا قيد فحلهم

ونحن خلعنا قيده فهو سارب (1)

أي: قيد فحلنا.

وقوله: أو مصاحب بوجه ما:

قال المصنف: «وقد يستغنى عن ذكر صاحب الضّمير بذكر ما يصاحبه بوجه ما» وذكر لذلك صورا ثلاثا (2):

الأولى: الاستغناء بمستلزم عن مستلزم، ومنه قوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ (3). فعفي يستلزم عافيا؛ فأغنى ذلك عن ذكره، وأعيدت الهاء من إليه عليه. ومن قول الشاعر [1/ 171]:

266 -

فإنّك والتّأبين عروة بعد ما

دعاك وأيدينا إليه شوارع

لكالرّجل الحادي وقد تلع الضّحى

وطير المنايا فوقهنّ أواقع (4)

-

(1) البيت من بحر الطويل من قصيدة في الفخر والعزة للأخنس بن شهاب، وهي في المفضليات:(1/ 750)، وبعضها في شرح الحماسة (2/ 720).

والشاعر يصف قومه بالعزة؛ فلا أحد يستطيع أن يتعرض لهم بسوء وهم يتركون فحولهم ترعى في كل مكان دون أن يقيدوها، بينما غيرهم يقيد فحوله خوفا وجبنا. والسّارب: الذاهب في الأرض.

والشاهد قوله: ونحن خلعنا قيده؛ حيث عاد الضمير على الفحل وهو نظير المذكور في البيت.

والبيت في معجم الشواهد (ص 37)، وفي التذييل والتكميل.

ترجمة الأخنس: هو الأخنس بن شهاب بن ثمامة التغلبي، شاعر جاهلي من أشراف تغلب وشجعانها، حضر وقائع حرب البسوس، وله فيها شعر، ويدعى فارس العصا وهي فرسه. توفي نحو (70 ق. هـ).

وترجمته في الأعلام (2/ 256).

(2)

انظر في هذه الصور الثلاث: شرح التسهيل (1/ 158، 159).

(3)

سورة البقرة: 178.

(4)

البيتان من بحر الطويل لم ينسبا فيما وردا من مراجع، وهما في الوصف، وقد أتى كل بيت شاهدا منفردا.

اللغة: التّأبين: من معانيه أن تعيب الإنسان في وجهه ويروى مكانه التأنيب، وهو من معانيه أيضا.

دعاك: استغاث بك. شوارع: جمع شارعة أي مرتفعة ممتدة. الحادي: من الحداء، وهو سوق الإبل والغناء لها. تلع الضّحى: أي ارتفع وعلت الشمس. أواقع: جمع واقعة وأصله وواقع فأبدلت الواو همزة.

المعنى: يصف الشاعر رجلا استغاث به عروة فلم يغثه، بل شمت فيه وتركه يتجرع الموت من أيدي -

ص: 544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فالحادي يستلزم إبلا محدوة، فأغنى ذلك عن ذكرهن، وأعاد ضمير فوقهن عليهن (1).

الثانية: الاستغناء بذكرها يصاحب صاحب الضمير ذكرا أو استحضارا، كذكر الخير وحده متلوّا بضمير اثنين مقصود بهما المذكور وضده، كقول الشاعر:

267 -

وما أدري إذا يمّمت أمرا

أريد الخير أيهّما يليني (2)

فأعاد الضمير على الشر أيضا وإن لم يذكر؛ لأنه يصاحب الخير في الذكر والاستحضار.

الثالثة: الاستغناء بذكر المصاحب في الاستحضار لا في الذكر، وذلك نحو قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ (3). فهي عائدة على الأيدي لأنها تصاحب الأعناق في الأغلال؛ فأغنى ذكر الأعناق عن ذكرها.

ومثله قوله تعالى: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ (4) أي من عمر غير المعمر، فأعيد الضمير على غير المعمر؛ لأن ذكر المعمر مذكر به لتقابلهما، فكان مصاحبه في الاستحضار الذهني. -

- رجال شجعان. وصار حال هؤلاء يشبه حال رجل له إبل سلمها للموت يأكلها واحدا بعد الآخر.

وقد استشهد شراح الألفية (الأشموني: 2/ 284) بالبيت الأول على عمل المصدر المقترن بأل وهو قليل، كما استشهد شراح التسهيل

بالبيت الثاني على ذكر مصاحب بوجه ما على ما يعود إليه الضمير كما هو في الشرح.

وانظر البيتين في شرح التسهيل (1/ 158)، وفي التذييل والتكميل (2/ 257)، وفي معجم الشواهد (ص 223).

(1)

قال ابن مالك بعده: ومثل هذا قوله تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: 32] ففاعل توارت ضمير الشمس، ولم تذكر؛ لكن أغنى عن ذكرها ذكر العشي وأول وقت الزوال. قال: ويجوز أن يكون فاعل توارت: ضمير الصافنات (شرح التسهيل: 1/ 176).

(2)

البيت من بحر الوافر للمثقب العبدي، من قصيدة له مشهورة رقيقة في الغزل والوصف (المفضليات للضبي: ص 574) وبيت الشاهد آخر أبياتها وليس بعده إلا قوله:

أألخير الّذي أنا أبتغيه

أم الشّرّ الّذي هو يبتغيني

وشاهده واضح، والبيت في شرح التسهيل (1/ 159)، وفي التذييل والتكميل (2/ 257)، وفي معجم الشواهد (ص 409)، وفي الشعر والشعراء (1/ 402).

ترجمة الشاعر: المثقب العبدي هو محصن بن ثعلبة قديم جاهلي، عاش في زمن عمرو بن هند ومدحه، وله معان أخذها عنه الشعراء بعده، وله مفضليات وأبيات في الحكم والأمثال، وأشهر قصائده في ذلك القصيدة التي منها الشاهد. (انظر ترجمته وأخباره في الشعر والشعراء: 1/ 402).

(3)

سورة يس: 8.

(4)

سورة فاطر: 11.

ص: 545