الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[اختلاف النحويين في ترتيب المعارف]
قال ابن مالك: (وليس ذو الإشارة قبل العلم؛ خلافا للكوفيّين، ولا ذو الأداة قبل الموصول، ولا من وما المستفهم بهما معرفتين؛ خلافا لابن كيسان في المسألتين).
ــ
قال الأستاذ أبو علي الشلوبين: «لم يلتفت سيبويه هنا في التعريف والتنكير إلا إلى حال الوجود لا إلى ما تخيله
الكوفيون، وإذا نظر إلى حال الوجود كان التنكير قبل التعريف صحيحا؛ لأن الأجناس هي أول ثم الأنواع ووضعها على التنكير؛ إذ كان الجنس لا يختلط بالجنس، والنوع لا يختلط بالنوع، والأشخاص هي التي حدث فيها التعريف لاختلاط بعضها ببعض. فالذي قاله سيبويه صحيح لا اعتراض عليه» (1).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (2): «اسم الإشارة عند الكوفيين أعرف من العلم، ولهم في ذلك شبهتان (3):
إحداهما: أن اسم الإشارة ملازم للتعريف غير قابل للتنكير، والعلم بخلاف ذلك؛ فكان تعريفه دون تعريف اسم الإشارة (4).
والثانية: أن تعريف اسم الإشارة حسي وعقلي، وتعريف العلم عقلي لا غير.
وتعريف من جهتين أقوى من تعريف من جهة واحدة.
والجواب عن الأولى أن يقال [1/ 131]:
لزوم الشيء معنى لا يوجب له مزية على ما له ذلك المعنى دون لزوم. بل قد تثبت المزية لغير ذي اللزوم على ذي اللزوم كما تثبت لنقيضك على غيرك مزية، فيتعرف بالإضافة مع عدم لزومه لها، ولم يتعرف غيرك بها مع لزومه لها. وكما يثبت للجميع مزية على الجماء في قولهم: جاءوا الجماء الغفير، بحيث عد الجميع -
(1) المرجعان السابقان.
(2)
شرح التسهيل: (1/ 117).
(3)
انظر إلى قول الشارح هنا: قال المصنف: اسم الإشارة عند الكوفيين أعرف من العلم، ثم قوله قبل عند ما ذكر أعرف المعارف فقال: وقيل: أعرفها العلم وعزي إلى الكوفيين والصيمري؛ والذي ذكر هنا هو الصحيح لأن كلمة عزي التي وردت هنا وفي الهمع: (1/ 56) تدل على الشك في النسبة.
(4)
مثال تنكير العلم أن تقول: مررت بسيبويه وسيبويه آخر؛ فالثاني من الاسمين نكرة لا خلاف في ذلك؛ حتى قالوا: إنه إذا نكر العلم في مثل هذا وجب تنوينه ويسمى تنوين التمكين (حاشية الصبان: 1/ 34).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
معرفة غير مؤولة بنكرة مع عدم لزوم الألف واللام، وأول الجماء الغفير بنكرة مع لزوم الألف واللام.
والجواب عن الثانية أن يقال: المعتبر في كون المعرفة معرفة الدلالة المانعة من الشياع، سواء حصل ذلك من جهة أو جهتين. والمعتبر في ترجيح التعريف قوة منع الشياع وزيادة الوضوح. ومعلوم أن اسم الإشارة وإن عين المشار إليه فحقيقته لا تستحضر به على التمام، وذلك لا يستغني غالبا عن صفة تكمل دلالته؛ بخلاف العلم، لا
سيما علم لم تعرض فيه شركة كإسرافيل وطالوت وأدد ونزار ومكة ويثرب.
وذهب ابن كيسان (1) إلى أن ذا الأداة أعرف من الموصول؛ وشبهته أن ذا الأداة يوصف بالموصول كقوله تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى (2) والموصوف به إما مساو وإما دون الموصوف؛ ولا قائل بالمساواة، فثبت كون الذي أقل تعريفا من الكتاب.
والجواب أن يقال: لا نسلم كون الذي في الآية صفة بل هو بدل أو مقطوع على إضمار فعل ناصب أو مبتدأ، وعلى تقدير كون الذي صفة، فالكتاب علم بالغلبة؛ لأن المعنيين بالخطاب بنو إسرائيل، وقد غلب استعمال الكتاب عندهم مرادا به التوراة، فالتحق في عرفهم بالأعلام، فلا يلزم من وصفه بالذي جواز وصف غيره مما يلحق بالأعلام.
وبالجواب الأول يجاب من أورد نحو قوله تعالى: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (3). وقد تقدمت الإشارة إلى أن الموصول قد تتضح صلته وضوحا يجعله في رتبة العلم، ولا يكون ذلك في ذي الأداة غالبا، إلا إذا عرض له ما عرض للنجم والصّعق من الغلبة الملحقة -
(1) الكلام لابن مالك في شرح التسهيل (1/ 118)، وانظر الهمع (1/ 56).
(2)
سورة الأنعام: 91.
(3)
نحو قوله تعالى: زيادة من شرح التسهيل (لابن مالك)(1/ 118). والآيات رقم 15 إلى 18 من سورة الليل. والجواب هو أن يعرب اسم الموصول بدلا أو مقطوعا على إضمار فعل ناصب أو مبتدأ؛ وعلى الرأي المشهور بأن الموصول وذا الأداة متحدان في الرتبة، يكون الموصول نعتا لذي الأداة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالأعلام الخاصة. انتهى (1).
وهذا الجواب الذي أجاب به المصنف ابن كيسان - يدل منه على أن الموصول ليس مساويا في التعريف ذا الأداة؛ بل رتبة الموصول أعلى.
قال الشيخ: «ثبت في بعض نسخ هذا الكتاب أن ذا الأداة بعد الموصول؛ فصارت المذاهب ثلاثة:
أحدها: أن الموصول وذا الأداة سواء.
الثاني: أن الموصول أعرف.
الثالث: أن ذا الأداة أعرف» (2).
وناقش المصنف في قوله: ولا قائل بالمساواة؛ قال: فإن مذهب أصحابنا أن الموصول من قبيل ما عرف باللام فيجوز أن [1/ 132] يوصف كل منهما بالآخر لتساويهما.
فمن وصف ذي الأداة بالموصول الآيات الكريمة التي ذكرت، ومن قول الشاعر:
182 -
أأنت الهلاليّ الّذي كنت مرّة
…
[سمعنا به والأرحبيّ المعلّق](3)
ومن وصف الموصول بذي الأداة قوله تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا
…
(4) الآيات. فوصف الذين بقوله: الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ -
(1) شرح التسهيل: (1/ 129). والنجم: كوكب الثريا، والصعق: صفة تقع على كل من أصابه الصعق؛ ولكنه غلب عليه حتى صار بمنزلة زيد وعمر علما كالنجم (اللسان: صعق).
(2)
انظر التذييل والتكميل: (2/ 122).
والأول: مذهب الجمهور، وهو المشهور بدليل جواز وصف أحدهما بالآخر، كما جاء في القرآن.
والثاني: مذهب ابن مالك بدليل أنه أبطل ما ذهب إليه ابن كيسان القائل بالعكس.
والثالث: مذهب ابن كيسان الذي خطأه المصنف ثم رد عليه.
(3)
البيت من بحر الطويل، وقد ورد في مراجعه دون نسبة وهو في المدح.
وشاهده قوله: أأنت الهلالي الذي، حيث وصف المقترن بأل بالموصول؛ فدل ذلك على تساويهما في التعريف ولأن الموصول قد وصف بالمقترن بأل، كما سيذكره في الشرح.
والبيت في معجم الشواهد (ص 37) برواية: والأرحبي المهلب و (ص 245) برواية: والأرحبي المعلق، وهو في التذييل والتكميل:(2/ 124).
(4)
الآيات: 15 - 17 من سورة آل عمران، وهي قوله تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ
…
إلخ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ انتهى (1).
وألحق ابن كيسان (2) بالمعارف من وما الاستفهاميتين نظرا إلى أن جوابهما يكون معرفة، والجواب مطابق للسؤال. فإذا قيل: من عندك؟ فجوابه: زيد ونحوه؛ وإذا قيل: ما دعاك إلى كذا؟ فجوابه: لقاؤك أو نحوه؛ فدل
تعريف الجواب على تعريف المجاب.
قال المصنف: «وهذا ضعيف لوجهين:
أحدهما: أن تعريف الجواب غير لازم؛ إذ لمن قيل له: من عندك؟ أن يقول:
رجل من بني فلان، ولمن قيل له: ما دعاك إلى كذا؟ أن يقول: أمر مهم.
والثاني: أن من وما في السؤالين قائمان مقام أي إنسان وأي شيء وهما نكرتان؛ فوجب تنكير ما قام مقامهما، والتمسك بهذا أقوى من التمسك بتعريف الجواب؛ لأن تطابق شيئين قائم أحدهما مقام الآخر، ألزم وآكد من تطابق الجواب السؤال.
وأيضا فالتعريف فرع؛ فمن ادعاه فعليه الدليل بخلاف ادعاء التنكير» (3).
* * *
(1) التذييل والتكميل (2/ 124).
(2)
التذييل والتكميل (2/ 125)، والهمع (1/ 55)، وشرح التسهيل (1/ 119).
(3)
انظر: شرح التسهيل (1/ 119).