الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الأمور التي تخلص المضارع للاستقبال]
قال ابن مالك: (ويتخلّص للاستقبال بظرف مستقبل وبإسناد إلى متوقّع، وباقتضائه طلبا أو وعدا، وبمصاحبة ناصب أو أداة ترجّ أو إشفاق أو مجازاة أو لو المصدريّة أو نون التّوكيد (1) أو حرف تنفيس وهو السّين أو سوف أو سف أو سو أو سي).
-[1/ 41] قال الشيخ: «أهمل المصنف ما يعين المضارع للحال وهو الإنشاء نحو: أقسم لأضربنّ عمرا» انتهى (2). وهذا ليس بشيء لأنه قد علمت مما تقدم أنه لا يجوز إيراد ذلك في هذا الباب؛ إذ ليس الكلام هنا في نقل صيغ الفعل
من معنى إلى معنى؛ إنما الكلام في تغيير الزمان مع بقاء معنى الصيغة. وإذا أريد بالفعل الموضوع للخبر معنى الإنشاء فقد نقلت الصيغة عن معناها إلى معنى آخر.
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام عن القرائن التي تعينه للحال شرع في ذكر القرائن التي تخلصه للاستقبال، وهي أمور منها:
الظرف المستقبل: وإطلاق هذه العبارة تشمل صورتين:
إحداهما: أن يكون الفعل عاملا في الظرف المذكور نحو: أقوم إذا قام زيد.
الثانية: أن يكون الظرف مضافا إلى الفعل نحو: القتال إذا يجيء العدو، ومثل المصنف (3) بما يشمل الصورتين وهو: أزورك إذا تزورني.
فأزورك: عامل في ظرف مستقبل مضاف إلى تزورني وتخلصا به للاستقبال.
ومنها: إسناده إلى متوقع:
كقول الشاعر:
27 -
يهولك أن تموت وأنت ملغ
…
لما فيه النّجاة من العذاب (4)
-
(1) في نسخة التسهيل المحققة: أو نون توكيد.
(2)
انظر التذييل والتكميل (1/ 95).
(3)
انظر شرح التسهيل (1/ 24).
(4)
البيت من بحر الوافر لقائل مجهول. والاستشهاد بالبيت على أن إسناد المضارع إلى متوقع (يهولك أن تموت) من القرائن التي تخلصه للاستقبال.
وانظر البيت في شرح التسهيل لابن مالك (1/ 24)، والتذييل والتكميل (1/ 96)، ومعجم الشواهد (ص 93).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها: اقتضاؤه طلبا: نحو: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ (1).
هكذا قال المصنف. وقد علمت أن صيغة الفعل في مثل هذا خرجت عن معناها الموضوعة هي له وهو الخبر إلى معنى آخر وهو الطلب، وإذا كان كذلك فليس هذا موضع إيراد هذا الحكم.
ومنها: اقتضاؤه وعدا: نحو قوله تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ (2).
ومنها: مصاحبة ناصب أو ما بعده من الأمور التي ذكرها: والناصب: أن، ولن، وإذن، وكي، وسواء كان الناصب ظاهرا نحو قوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ (3) أم مقدرا نحو قوله تعالى: لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ (4).
وأما أداة الترجي: فمثالها قوله تعالى: لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (5).
وقال الشاعر:
28 -
فقلت أعيروني القدوم لعلّني
…
أخطّ بها قبرا لأبيض ماجد (6)
وأما أداة الإشفاق فمثالها قول الشاعر:
29 -
فأمّا كيّس فنجا ولكن
…
عسى يغترّ بي حمق لئيم (7)
ولا فرق بين الرجاء والإشفاق في اللفظ بل في المعنى؛ لأن الرجاء محبوب -
(1) سورة البقرة: 233.
(2)
سورة العنكبوت: 21.
(3)
سورة البقرة: 184. وسقط من الأصل كلمة قوله تعالى.
(4)
سورة النساء: 26 وأولها: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ.
(5)
سورة يوسف: 46.
(6)
البيت من بحر الطويل، ورد في مراجع كثيرة بلا نسبة. ويستشهد به على تخليص المضارع للاستقبال بدخول أداة الترجي عليه.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 24) والتذييل والتكميل (1/ 97)، ومعجم الشواهد (ص 115).
(7)
البيت من بحر الوافر، وهو من الخمسين المجهولة في كتاب سيبويه، ونسبه محقق شرح التسهيل لابن مالك (1/ 25) إلى هدبة بن خشرم العذري ونسبه صاحب معجم الشواهد (ص 353) إلى المرّار بن سعيد الأسدي وهو في التذييل والتكميل بلا نسبة (1/ 97).
وقد اختلف الاستشهاد به: فسيبويه على إسقاط أن في خبر عسى (الكتاب 3/ 159) وابن جني على أن حمق بمعنى الأحمق (المحتسب: 1/ 119) وشراح التسهيل على أن المضارع يتخلص للاستقبال بعد أدوات الترجي والإشفاق.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمشفق منه مكروه.
وأما أداة المجازاة: فمثالها قوله تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * (1).
قال الأبذي: «سواء في ذلك ما يجزم كإن وأخواتها وما لا يجزم نحو: كيف تقول: كيف تصنع أصنع فكيف معناها
الجزاء ولم تجزم بها العرب».
وأما لو المصدرية: فمثالها قوله تعالى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ (2)، وعلامتها: أن يحسن في موضعها أن. واحترز بهذا التقييد من لو الامتناعية؛ فإنها تؤثر ضد ما تؤثر هذه كما سيأتي، وفي إثبات المصدرية خلاف سيجيء في باب الموصول إن شاء الله تعالى.
وأما نون التوكيد: فمثالها قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ
…
(3) الآية.
[1/ 42] وأما حرف التنفيس: فمثاله قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (4)، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (5).
وجاء عن العرب: سف أفعل، وسو أفعل وسي أفعل وهي أغربهن، حكاها صاحب المحكم (6).
وأنشد الشيخ في شرحه (7):
30 -
فإن أهلك فسو (8) يجدون فقدي
…
وإن أسلم يطب لكم المعاش (9)
-
(1) سورة إبراهيم: 19، سورة فاطر:16.
(2)
سورة البقرة: 96.
(3)
سورة البقرة: 155.
(4)
سورة الأعلى: 6.
(5)
سورة الضحى: 5. وكان الأولى أن يقول: وقوله تعالى، لأنهما آيتان من سورتين.
(6)
هو المشهور بابن سيده علي بن أحمد الأندلسي، عالم كبير بالنحو واللغة وأشعار العرب وأيامها، حافظ لهذا كله، أخذ ذلك كله عن أبيه وعن أساتذة آخرين.
مصنفاته: له الكتاب المذكور في الشرح، وهو سفر كبير في اللغة، طبع بعضه محققا والباقي ما زال مخطوطا بدار الكتب، وله أيضا المخصص وهو كتاب عظيم في اللغة مطبوع، وله أيضا غير ذلك، ذكرت مراجعه:
كتاب إصلاح المنطق، كتاب شاذ اللغة، شرح الحماسة، شرح كتاب الأخفش. مات سنة (458 هـ).
انظر ترجمته في معجم الأدباء (12/ 235)، بغية الوعاة (2/ 143).
(7)
انظر: التذييل والتكميل (1/ 93).
(8)
في النسخة (جـ): فسوف وهو خطأ.
(9)
البيت من بحر الوافر وهو في الفخر لشاعر مجهول، وشاهده واضح من الشرح: وهو أن سو مقطوعة من -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واتفقوا (1) على أن أصل سف وسو وسي: سوف، وزعموا أن السين أصل برأسها غير مفرعة على سوف؛ لكنها منها كنون التوكيد الخفيفة من نون الثقيلة، وقد رد المصنف ذلك، ثم ناقشه الشيخ في بعض الرد (2) بما يحتمل الدفع. وليس في ذلك كبير فائدة فأضربت عنه (3).
وأقرب ما قال المصنف: «إنّا قد أجمعنا على أنّ سف وسو وسي فروع سوف، فلتكن السين أيضا فرعها؛ لأنّ التخصيص دون مخصص أيضا مردود» .
وقال المصنف: «قال بعضهم: لو كانت السين بعض سوف لكانت مدّة التسويف بهما سواء وليس كذلك؛ بل هي بسوف أطول؛ فكانت كل واحدة منهما أصلا برأسها» .
ثم قال: قلت: هذه دعوى مردودة بالقياس والسماع:
فالقياس: أن الماضي والمستقبل متقابلان، والماضي لا يقصد به إلا مطلق المضي دون تعرض لقرب الزمان وبعده فينبغي ألا يقصد بالمستقبل إلا مطلق الاستقبال دون تعرض لقرب الزمان وبعده؛ ليجري المتقابلان على سنن واحد، والقول بتوافق سيفعل وسوف يفعل مصحح؛ فكان المصير إليه أولى.
وأما السماع: فتعاقب سيفعل وسوف يفعل على المعنى الواحد الواقع في وقت واحد؛ قال الله تعالى: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (4). وقال -
- سوف كما تقطع كي من كيف. والبيت في التذييل والتكميل (1/ 93) ومعجم الشواهد (ص 202).
(1)
هم البصريون كما سنبين في التحقيق بعد.
(2)
انظر التذييل والتكميل (1/ 92) وما بعدها، وشرح التسهيل (1/ 26، 27).
(3)
انظر المسألة بتمامها في كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف (2/ 646)(مطبعة السعادة سنة 1955 - المكتبة التجارية) وملخصها:
«أن الكوفيين - ومعهم ابن مالك - ذهبوا إلى أن السين التي تدخل على الفعل المستقبل نحو سأفعل أصلها سوف، واحتجوا بأن الحذف كثير في استعمالهم نحو: لم يك، كما أنهم يحذفون الفاء وحدها من سوف، والجميع يراد به الاستقبال.
وذهب البصريون: إلى أن السين أصل برأسها؛ لأن الأصل في كل حرف يدل على معنى ألا يدخله الحذف، والسين حرف يدل على معنى».
ورجح صاحب الإنصاف رأي البصريين ورد حجج الكوفيين.
(4)
سورة النساء: 146، وتمامها: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ
…
إلخ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (1). وقال تعالى: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ. في سورة النبأ (2)، وقال في سورة التكاثر: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3).
ومنه قول الشاعر:
31 -
وما حالة إلّا سيصرف حالها
…
إلى حالة أخرى وسوف تزول (4)
فقد بان توافقهما إلا أن سيفعل أخف، فكان استعماله كثيرا. انتهى (5).
وذكر الجزولي في المخلصات للاستقبال: لام القسم (6) ولا يتمحض ذلك للام المذكورة إلا حيث لا يؤتى في الفعل بنون التوكيد. وذلك لا يجوز عند البصريين إلا في ضرورة وإنما يجوز تعاقبهما الكوفيون. قال الشاعر:
32 -
تألّى ابن أوس حلفة ليردّني
…
إلى نسوة كأنّهنّ مفائد (7)
-
(1) سورة النساء: 162 وتمامها: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ
…
إلخ.
(2)
آية رقم: 4.
(3)
آية رقم: 3.
(4)
البيت من بحر الطويل من قصيدة لأبي وهب العبسي يرثي ابنه وقبله:
لئن كان عبد الله خلّى مكانه
…
على حين شيبي بالشّباب بديل
لقد بقيت منّي قناة صليبة
…
وإن مسّ جلدي نهكة وذبول
وما حالة .............
إلخ وانظر القصيدة بتمامها في شرح ديوان الحماسة (3/ 1071) وهو مما اكتشفت قائله. ويستشهد به على أن السين وسوف يتعاقبان على المعنى الواحد، وفيه رد على من قال: إن زمن المضارع مع السين أضيق. وانظر الشاهد في شرح التسهيل (1/ 27) والتذييل والتكميل (1/ 101) وهو في معجم الشواهد (ص 85).
(5)
انظر: شرح التسهيل (1/ 27).
(6)
انظر (ص 33) من كتاب المقدمة الجزولية في النحو، تصنيف أبي موسى الجزولي (د/ شعبان عبد الوهاب).
(7)
البيت من بحر الطويل، وهو مطلع مقطوعة قصيرة لزيد الفوارس في ديوان الحماسة:(جـ 2 ص 557).
اللغة: تألى: حلف. ابن أوس: هو قيس بن أوس بن حارثة الطائي.
مفائد: جمع مفأد وهو السفود.
والشاهد فيه قوله: ليردني: يروى بكسر اللام على أنها للتعليل ولا شاهد فيه، ويروى بفتحها على أنها للقسم وقد استغنى بهذه اللام عن نون التوكيد، وهذا قليل وضرورة عند البصريين.
والبيت في التذييل والتكميل (1/ 95) وفي الشواهد (ص 105).
ترجمة زيد الفوارس: هو زيد الفوارس بن حصين بن ضرار الضبي، فارس شاعر جاهلي، وسمي بذلك؛ لأن جده ضرارا شهد معركة ومعه ثمانية عشر من ولده يقاتلون معه. وكان زيد هذا فارسهم، له -