الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[مواضع جواز الاتصال والانفصال]
قال ابن مالك: (وإن اختلفا رتبة جاز الأمران، ووجب في غير ندور تقديم الأسبق (1) رتبة مع الاتّصال؛ خلافا للمبرّد ولكثير من القدماء، وشذّ إلّاك فلا يقاس عليه).
- نادر كلام، وذكروا ما رآه الكسائي (2).
وظاهر كلام سيبويه ينفي ما انتقده الشيخ على المصنف، فإنه قال بعد قوله:
والكثير في كلامهم أعطاه إياه: على أنّ الشّاعر قد قال (3):
247 -
وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة
…
... البيت المذكور
البحث الخامس:
اعلم أن المصنف لما ذكر وجوب انفصال الضمير (4) - إنما ذكر المواضع التي يمكن فيها الاتصال، أما ما لم يمكن فيه ذلك فلم يذكره؛ لأن الانفصال فيه ضروري، ولهذا لم يتعرض إلى ما ذكره غيره من أن الضمير يجب فصله إذا كان مبتدأ أو خبرا للمبتدأ أو خبرا لإن.
لكن ذكر ابن عصفور صورة يجب فيها [1/ 164] الانفصال، ولم يذكرها المصنف وهي (5) ما إذا كان الضمير منصوبا بمصدر مضاف إلى الفاعل، ومثل لذلك بقوله: عجبت من ضرب زيد إياك، ومن ضربك إياه.
وأقول: أما ضرب زيد إياك فظاهر فيها وجوب الانفصال (6)، وأما ضربك إياه فالاتصال فيها جائز كما سيأتي (7).
قال ناظر الجيش: لما انقضى الكلام على مواضع الانفصال شرع في ذكر مواضع الاتصال والانفصال وأشار إلى ضابطها بقوله: وإن اختلفا رتبة جاز الأمران أي -
(1) في نسخة الأصل: تقديم غير الأسبق وهو خطأ، والصحيح ما أثبتناه لما سيذكر في الشرح.
وكذلك هو في متن التسهيل (ص 27).
(2)
التذييل والتكميل (2/ 229).
(3)
كتاب سيبويه (2/ 365).
(4)
وهي المواضع الاثنا عشر الماضية.
(5)
شرح الجمل لابن عصفور (2/ 107)(بتحقيق الشغار ويعقوب).
(6)
إنما وجب الانفصال هنا للفصل بين الضمير وعامله بظاهر.
(7)
في هامش الأصل كتب هنا: بلغت قراءة أي على المؤلف كما في غيره.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الاتصال والانفصال في الثاني من الضميرين.
واعلم أن المواضع التي يجوز فيها الأمران ستة، وهي ما كان فيه الضميران منصوبين وتحته قسمان؛ لأن النصب فيهما إما بفعل غير قلبي كأعطيتكه، وإما بفعل قلبي كخلتكه، وما كان فيه أول الضميرين مجرورا وتحته ثلاثة أقسام؛ لأن الجر إما بإضافة اسم فاعل نحو: الدرهم (زيد)(1) معطيكه، أو بإضافة مصدر.
والمجرور إما فاعل به وإما مفعول نحو: فراقيها ومنعكها (2).
وما كان فيه أول الضميرين مرفوعا؛ وهو والمنصوب بعده مبتدأ وخبر في الأصل نحو: كنته (3)، وإذا كان كذلك فينبغي ألا يكون الضمير في اختلفا عائدا على ما تقدم ذكره؛ إذ يلزم فيه أن تكون الإشارة إلى الضميرين المنصوبين خاصة، بل يكون الضمير المذكور عائدا على الضميرين غير مقيدين بالقيد المتقدم. أي: وإن اختلف الضميران رتبة جاز الأمران، وهذا هو الذي يقتضيه كلام المصنف في الشرح.
وأما كون أول الضميرين المختلفي الرتبة منصوبا أو مجرورا أو مرفوعا بالقيود التي ذكرت فيعلم من كلامه بعد، ثم مع الفصل تقدم أي الضميرين شئت، فتقول:
الدرهم أعطيتك إياه وأعطيته إياك، وهذا مستفاد بطريق المفهوم من قول المصنف:
ووجب في غير ندور تقديم الأسبق رتبة مع الاتّصال.
وأما مع الاتصال فعند سيبويه يجب تقديم الأسبق رتبة، فتقول: أعطيتكه، ولا يجوز أعطيتهوك، وأجاز كثير من قدماء النحويين (4) ووافقهم المبرد - تقديم غير الأسبق مطلقا (5). وأجازه الفراء إذا كان الضمير لمثنى أو لجماعة مذكرين، نحو: -
(1) ما بين القوسين من عندنا، ومكانه في النسخ أما ولا معنى له.
(2)
يشير بفراقيها ومنعكها إلى بيتين من الشعر يذكران بعد.
(3)
وعليه فالمواضع الستة كالآتي: (1) باب أعطيتكه. (2) باب خلتكه. (3) باب معطيكه. (4) باب فراقيها. (5) باب منعكه. (6) باب كنته. وكل باب من الستة له أحكام تخصه تذكر الآن.
(4)
إلى هنا انتهى الجزء الأول من النسخة (جـ)؛ بدار الكتب، والتي تحت رقم 349 نحو. وليس ذلك نهاية الجزء الأول حقيقة، وإنما الباقي
منه ضائع، أما نهايته الصحيحة فهي وسط الحديث عن الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبر، بدليل أن الجزء الثاني من النسخة المذكورة والموجودة بالدار يبدأ من تلك النهاية.
(5)
يقصد بمطلقا أي مع الاتصال والانفصال، وعليه فيجوز أعطيتهوك أو أعطيته إياك. انظر التذييل والتكميل (1/ 494)، وشرح التصريح (1/ 108).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدرهمان أعطيتهماك، والغلمان أعطيتهموك، وأجاز الكسائي ما أجازه الفراء وزاد عليه أن يكون الضمير للإناث، نحو: الدراهم أعطيتهن كن، والذي ورد به السماع مذهب سيبويه، ومن أجاز غير ذلك فإنما أجازه قياسا (1).
قال سيبويه: «فإن بدأ بالمخاطب قبل نفسه فقال أعطاكني، أو بدأ بالغائب قبل المخاطب فقال أعطاهوك، فهذا قبيح لا تتكلّم به العرب، ولكنّ النّحويّين قاسوه» (2).
قال المصنف [1/ 165]: «قلت: ولا يعضد قول من أجاز القياس في ذلك قول العرب: عليكني؛ لكون الكاف فيه متقدمة على الياء؛ لأن الكاف في عليك فاعل في المعنى، فينزل تقدمها على الياء منزلة تقدم التاء في قولك: أكرمتني، فلا يجوز أن يجري مجراها كاف ليس لها حظ في الفاعلية، نحو كاف أعطاك، ولكن يعضد قول من أجاز القياس في ذلك بما روى ابن الأثير في غريبه من قول عثمان رضي الله عنه: «أراهمني الباطل شيطانا» ، فقدم ضمير الغائب على ضمير المتكلم المتصل» انتهى (3). -
(1) قال أبو حيان في شرح هذا الموضع: «ولا يخلو الذي يلي الفعل من أن يكون أقرب من الآخر أو أبعد، فإن كان أقرب جاز في الثاني الاتصال والانفصال، نحو: زيد ظننتك إيّاه والدّرهم أعطيتك إياه، وزيد ظننتكه، والدرهم أعطيتكه، ثم قال:
وإن كان الذي يلي الفعل أبعد من الآخر، ففي ذلك أربعة مذاهب:
أحدها: مذهب سيبويه: وهو أنه لا يجوز إلا الانفصال، نحو زيد ظننته إياك، والدرهم أعطيته إياك، ولا يجيز ظننتهوك ولا أعطيتهوك.
الثاني: مذهب طائفة من قدماء النحويين وتبعهم أبو العباس: وهو أنه يجوز الانفصال والاتصال، والانفصال أحسن.
الثالث: مذهب الفراء: وهو أنه لا يجوز عنده إلا الانفصال، إلا أن يكون ضمير مثنى، أو ضمير جماعة من المذكرين، فيجوز إذ ذاك الاتصال والانفصال.
والانفصال أحسن، نحو: الدرهمان أعطيتهماك، والغلمان أعطيتهموك، والزيدان ظننتهما كما، والزيدون ظننتهموكم.
الرابع: مذهب الكسائي: وهو كمذهب الفراء، إلا أن الكسائي يجيز الاتصال إذا كان الأول ضمير جماعة في المؤنثات، نحو قولك: الدراهم أعطيتهن كن. والذي ورد به السماع وتكلمت به العرب، هو ما ذهب إليه سيبويه. التذييل والتكميل (2/ 231).
(2)
انظر الكتاب (2/ 363، 364).
(3)
شرح التسهيل (1/ 152). وانظر في كلام عثمان رضي الله عنه: النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 178).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قلت: لم يكن المصنف ليحتاج إلى الاعتذار عن تقدم الكاف على الياء في عليكني؛ وذلك أن الكلام إنما هو في ضميرين قد سلط عليهما عامل واحد، ولا شك أن على وإن عمل في الكاف - ليس عاملا في الياء، بل لما عمل في الكاف جعل المجموع من الجار والمجرور عاملا في الياء، فلا يقال إن الكاف تقدمت على الياء.
وأيضا فإنما يقال بتقدم واحد من الضميرين على آخر، حيث يتصور تقدم ذلك الآخر عليه، وها هنا لا يتصور تقدم الياء على الكاف، أعني في عليكني ونحوه.
وأما لفظ عثمان رضي الله عنه فعنه احترز بقوله: في غير ندور. وهذا الاحتراز ليس بجيد؛ فإنه لو قدم ضمير المتكلم في هذا الكلام على ضمير الغيبة، لانعكس المراد من مقصود المتكلم كما تقدم، وإنما الواجب أن كان يؤتى بالضمير الثاني منفصلا، فيقال: أراهم إياي. فالشذوذ إنما هو في الإتيان بالضمير متصلا لا في تقدم ضمير الغيبة على ضمير المتكلم.
وأشار المصنف بقوله: وشذ إلّاك فلا يقاس عليه - إلى قول الشاعر:
248 -
وما نبالي إذا ما كنت جارتنا
…
ألّا يجاورنا إلّاك ديّار (1)
قال: «فالأكثرون على أن الاتصال فيه لم يستبح إلا لضرورة؛ لأنّ حقّ الضّمير بعد إلا الانفصال اعتبارا بأن إلا غير عاملة، ومن حكم على إلا بأنها عاملة (2) لم يعدّ هذا من الضرورات، بل جعله مراجعة لأصل متروك، ويعتذر عن مثل:
قاموا إلا إيّاك، بكون الاستعمال استمر بالانفصال، والأولى به الاتصال».
(1) البيت من بحر البسيط قال عنه صاحب الخزانة (5/ 380):
«وهذا البيت قلّما خلا منه كتاب نحويّ، والله أعلم بقائله» .
اللغة: نبالي: نهتم ونكترث وأكثر استعمالاته في النفي. ديّار: أحد، وهو من الأسماء المستعملة في النفي العام ووزنه فيعال وأصله ديوار من الدار.
واستشهدوا به على شذوذ وقوع الضمير المتصل بعد إلا. وخرجه آخرون على أن الرواية: ألا يجاورنا سواك، أو ألا يجاورنا حاشاك، كما أجاز ابن الأنباري وقوع المنفصل بعد إلا.
اقرأ ذلك كله في مراجع البيت الكثيرة المذكورة في معجم الشواهد (ص 164)، والبيت أيضا في شرح التسهيل (1/ 152)، وفي التذييل والتكميل (2/ 233).
(2)
هم بعض الكوفيين والمبرد والزجاج من البصريين ذهبوا إلى أن العامل في المستثنى هو إلا، وذهب البصريون إلى أن العامل فيه هو الفعل أو معناه بواسطة إلا. انظر المسألة بالتفصيل في كتاب الإنصاف (1/ 358).