الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويرى بعض المحدَثين أن عبد القاهر تفوته سمة لها وزنها في الأسلوب لم يتحدث عنها وهي اختيار الألفاظ والتأنق في الصياغة. والمدقق في هذا النص المذكور لعبد القاهر يرى أن عبد القاهر لم يفته ما آخذوه عليه. لأنه - أي عبد القاهر - لا يمنع على الفكر أو الأديب اختيار الألفاظ. ولعله ترك النص عليها - هنا - إحالة على ما ذكره في موضع آخر مما هو صريح في الدعوة إليها. وقد نقلنا نصاً له قبل ذلك بقليل يكفى مجرد الاطلاع عليه لتبرئة عبد القاهر مما رُمِىَ به فكان تحرى الدقة في الحكم على الرجل وتوجيهاته أولى بالتعجلين.
* *
*
رأي ابن خلدون:
الأسلوب عند ابن خلدون لا يرجع إلى
إفادة التراكيب أصل المعنى (النحو) ولا إلى كماله (البيان)
ولا موافقته للوزن (العروض) فذلك كله خارج عن
صناعة الأسلوب - شعراً ونثراً -.
وإنما الأسلوب عنده هو: الأداء اللفظى المطابق للصورة الذهنية لفهوم الأسلوب الناجم عن قوة الملكة في اللسان العربي الذي هو ثمرة الاعتماد على الطبع والتمرس بالكلام البليغ.
ويسوق ابن خلدون نصاً مطولا عن الأسلوب يخرج منه الباحث بالنتائج الآتية:
(أ) لا يدخل النحو ولا البلاغة ولا العروض في مفهوم الأسلوب.
(ب) يرجع الأسلوب إلى الصور الذهنية للتراكيب المنظمة كلية باعتبار انطباقها على تركيب خاص.
وتلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب.
ويصيرها كالقالب أو المنوال، ثم ينتقى لها التراكيب الصحيحة عند العرب باعتبار الإعراب والبيان.
(جـ) (لكل فن من فنون الكلام أسلوب خاص يميزه عما سواه من الفنون.
فأسلوب الشعر غير أسلوب النثر. . . وهكذا.
(د) إن الأساليب ليست من القياس في شيء.
بل هي هينة ترسخ في النفس من تتبع التراكيب العربية شِعراً ونثراً.
لجريانها على اللسان.
حتى تستحكم صورتها فيستفيد بها العمل.
ويلاحَظ أن ابن خلدون عندما تحدث عن الأسلوب إنما كان يضع نصب عينيه الأسلوب في الصناعة الشعر ية.
ولكنه عاد فعمم تلك القواعد التي يراها هو للأسلوب على المنظوم والمنثور إذ يقول: " وهذه القوالب كما تكون في المنظوم، تكون في المنثور ".
هذه خلاصة مفهوم الأسلوب عند أديب ناقد، هو عبد القاهر الجرجانى، وعالم مؤرخ هو عبد الرحمن بن خلدون، وإننا حين نقارن بين ما قرراه، لا نجد كبير خلاف بل هما ينزحان من دلو واحدة، وإن اختلفا في طريق الورود.
فقد رأينا الشيخ عبد القاهر يجعل الأسلوب منتزعاً من توخى معاني النحو بين الكلم، وفي نفس الوقت ينكر ابن خلدون هذا الفهم.
ويجعله خارجاً عن مفهوم الأسلوب.
ويخص ابن خلدون الأسلوب بالصور الذهنية المنتزعة من التراكيب الصحيحة وقد رأينا عبد القاهر لا يغفل قضية هذه الصور الذهنية.
بل يجعلها الأساس الذي يصنع التراكيب حين تؤدى أداءً لفظياً بحيث يكون الأداء اللفظي تابعاً لترتيب المعاني في النفس.
والحقيقة أن الخلاف بين الرجلين يكاد يكون لفظياً، لأنهما يلتقيان عند الركنين الأساسيين للأسلوب: المعاني والألفاظ.
وأحدهما ينظر إلى الألفاظ باعتبار تأديتها للمعاني وهو عبد القاهر.
والثاني ينظر إلى المعاني باعتبار صياغتها فى تراكيب منتقاة.
وهو ابن خلدون. .
فهما - إذن - متفقان في الجملة وقديماً نحا أرسطو منحى عبد القاهر.
إذ يرى أن الأسلوب هو " طريقة الصياغة " أو الأداء اللفظي الذي يتخذه الأديب أداة للتصوير والإبانة عن مشاعره وأحاسيسه ونقل تلك المشاعر والأحاسيس إلى الآخرين.
كما نحا عبد الرحمن عثمان هذا المنحى إذ يقول: " الأسلوب هو طريقة التعبير اللفظي الجارية على نسق الفكرة والعربة عن أدق خفاياها ".
ولا أخفى أنني أميل إلى مدرسة عبد القاهر الجرجانى في حد الأسلوب ومقوماته.
وإن كنت أرى أن كلامه فيه مفتقر إلى الصقل والتركيز.
وقد قسَّموا الأسلوب اللغوي إلى قسمين هما: أولاً - الأسلوب العلمي: تتسع وظيفة الأسلوب في العصر الحديث.
وتخرج عن دائرة اختصاصها إلى ميادين أوسع وأرحب فيقال: أسلوب السياسة، وأسلوب الحكم، وأسلوب الإدارة. .
هذه استعمالات نقرأها اليوم في الصحف.
ونسمعها في الإذاعة والتليفزيون ولم تعد الكلمة مقصورة على فن القول.
ولا غرابة فإن الأسلوب ملحوظ فيه معنى الطريقة.
وهذا المعنى هو الذى جوَّز التعميم في الإطلاق، ولكن العتبر من هذه الإطلاقات التي شاعت الآن نوعان: الأسلوب العلمي، والأسلوب الأدبى. .
ولكل من النوعين خصائص ومميزات.
والفرق الجوهرى الذي يميز بين الإثنين هو موضوع الحديث، والفكرة التي يكشف عنها.
فإن كان موضوع الحديث حقائق ثابته يراد شرحها وتلخيصها لتقر فى الأذهان، وتأخذ شكل القوانين اليقينية أو ما يقرب منها، ويهدف منها الكاتب إلى إقناع القارئ أو السامع بالنتائج التي يتوصل إليها.
ومثل هذا النوع من الأفكار يتطلب من الكاتب أو الباحث عملاً مخصوصاً. . .
وطريقة معيَّنة.
وهذا يُعرف بالأسلوب العلمي.
ويتبع فيه الكاتب الخطوات الآتية: فعليه أولاً: أن يختار الأفكار التي يريد شرحها لجدتها أو قيمتها العلمية.
ثم عليه ثانياً: أن يرتب هذه الأفكار ترتيباً منطقياً ليكون ذلك أدعى إلى فهمها وحسن تنسيقها وارتباطها في الذهن.
وتسلسلها المؤدى إلى فهمها وقبولها.
وعليه ثالثاً: أن يختار الألفاظ الواضحة الدلالة اللائمة للفكرة ليكشف بها عما في نفسه من قيم وحقائق وأفكار.
وهو يتوجه بهذه الحقاق والأفكار إلى العقل: لأنه مركز التلقى والتحليل والاستنتاج - فالأسلوب العلمي موضوعه حقائق ذهنية ومظهره العام خبرى يجلى الواقع ويوضحه مويداً حقائقه بالأدلة والبراهين - عقلية.
أو نقلية.
أو تجريبية - والفكرة فيه يجب أن تنمو نمواً تصاعدياً.
وهذا يقتضي تقسيمها إلى أجزاء.
والألفاظ فيه يجب أن تكون محددة المعنى حتى لا يؤدى ذلك إلى غموض في الاستنتاج.
ومن المسلَّم به أن الأسلوب العدمى تستخدم فيه - أحياناً - بعض مظاهر الأسلوب الأدبى - كالتشبيه والمجاز، ولكن معناه - والحالة هذه - يظل ذهنياً رتيباً.
يدل على حقائق جافة تخاطب العقل.
ليس للعاطفة شيها أدنى نصيب.
الكلمات في الأسلوب العلمي لا بدَّ أن تدل على معانيها الوضعية أو الاصطلاحية الفنية، ولهذا اشترط الناطقة تجريد الألفاظ من معاني المجاز وإبقاءها على معانيها الوضعية وعابوا على السوفسطائيين استخدامهم المجاز فى القياس لأنه يؤدى إلى المغالطة في الاستنتاج.
ثانياً - الأسلوب الأدبي: الأسلوب الأدبي كالأسلوب العلمي فيه " أفكار " وله " ألفاظ " تحمل تلك الأفكار، والاختلاف بينهما يأتى من حيث نوع الفكرة التي يؤديها كل منهما، والعبارات الدالة عليها ووسيلة الإدراك التي يخاطبها.
والفكرة فيه غير الحقائق الثابتة.
بل هي معان وليدة الإحساس والشعور، ورؤى هي في طبيعتها فردية خاصة وإن إشترك فيها كثير من الأدباء، وقد تكون الفكرة في الأسلوب الأدبي حقيقة ثابتة لكن الأديب لا يعرضها في قوالب جافة وقوانين منطقية بل يعرضها عرضاً أدبيا أخاذاً كقوله عليه السلام:" إياكم وخضراء الدمن ". .
قيل: من هى يا رسول الله؟ قال: " المرأة الحسناء في النبت السوء " فالحقيقة الثابتة - هنا - معروضة مع دليل التنفير منها لكنه دليل أدبي ذوقى. . لا علمى منطقى.
ولذلك اختص الأسلوب الأدبي بالخصائص الآتية:
(أ) استثارة العاطفة: العاطفة هي قِبْلة العبارة الأدبية.
إياها تعنى ولها تتحدث.
والعاطفة تتلقى شعوراً وانفعالات. فتتأثر بها.
وتتأمل ما تتأثر به.
ولا بدَّ لها من موقف إزاءه.
هذا الموقف قد تتفق فيه العاطفة المتأثرة مع العاطفة المؤثرة.
وقد تختلف معها.
ولكنه على كل موقف صنعه ذلك التأثر.
وهذا الموقف هو المسمى بالاستجابة للعمل الأدبي شِعراً أو نثراً وهو - كما في الحديث - إثارة شعور النفرة من المرأة المذكورة.
وقد تكون الاستجابة إمتاعاً جمالياً مستوحى من التجربة موضوع الحديث.
وقد تكون إشفاقاً أو رثاءً.