الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
" تلقون " محذوف. معناه: تلقون إليهم أخبار رسول الله بسبب المودة
التي بينكم وبينهم. . .
فإن قلت: " وقد كفروا " حال مِمَ؟
قيل: إما من " لا تتخذوا " وإما من " تلقون " أي لا تتولوهم أو توادونهم وهذه حالهم
. . و " يخرجون " استئناف كالتفسير لكفرهم وعتوهم.
أو حال من " كفروا ".
فأنت ترى إلى أي مدى كانت القيود في هذه الآية محتملة للوجوة الإعرابية
التي تبعها اختلاف في المعنى.
* *
*
سر هذه الظواهر:
لماذا جاء القرآن على هذه الوجوه؟
نرى الزمخشري يجيب على هذا السؤال فيقول:
فإن قلتَ: " هلَّا كان القرآن كله محكماً "؟ يعنى دلالته قطعية في كل
موضوع.
قلت: لو كان كله محكماً لتعلق الناس به لسهولة مأخذه، ولأعرضوا
عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال.
ولو فعلوا ذلك لعطدوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به.
ولما فى المتشابه من الاستيلاء والتمييز بين الثابت على الحق، والمتزلزل فيه. ولما فى تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله.
هذا كلامه. وهو - وإن كان في الدفاع عن ورود المتشابه في القرآن - فإن
له بما نحن فيه نسباً وصلة.
* * *
2 -
دقة النظم:
وهذه - أيضاً - خاصة من خصائص الأسلوب القرآني، يغلب فيها جانب
المعنى على جانب اللفظ.
ونضرب لذلك ثلاثة أمثلة. . .
أولاً - في تاريخ الأمم:
قال سبحانه: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ) .
فى هذه الآية نجد خمسة أسماء مسرودة سرداً إجماليا.
والشأن في مثلها ألا تكون موضعاً للجمال. ولا مجالاً للتصرف في القول. ولكنها في هذا الوضع تجد فيها نوعاً من الجمال التأليفى المبنى على قاعدة وقانون.
لأن هذه الأسماء الجوامد تتفاوت فيما بينها خفة وثقلاً. فأخفها على اللسان: الطوفان والجراد والدم، وأثقلها: القُمَّل والضفادع.
فقدم الطوفان لخفته، ولمكان المدين فيه، ليأنس اللسان بخفتها، ثم الجراد
لأنها تلى الطوفان في الخفة. وفيها مد كذلك.
فهما بمثابة ترويض للسان متدرجة في النطق، وبعدهما جاء بالاسمين الثقيلين
- القُمَّل والضفادع - بادئاً بأخفهما: " القُمل " اطراداً على السُّنَّة التي شرحناها، ولمكان الغنة فيه.
ثم جاء بالاسم الخامس: " الدم " وهو أقلها حروفاً، وأكثرها خفة ليسرع
اللسان بها بعد ذلك الجهد الطويل.
وما أشبه هذا برحلة طائر يبدأ سيره وئيداً وئيداً فإذا ما اقترب من بُغيته، قبض من جناحيه، وبطأ من سيره تأبياً للنزول.
إذن فقد راعى القرآن في هذا السرد الذي تكاد تنعدم فيه الروابط إلا رباط
العطف المجرد راعى فيه قاعدة فنية جمالية. بنيت على هيئات الكلم أنفسها
وأحوالها من حيث الخفة والثقل. وعلى هذا التناسق الذي كان مثار العجب.
قدم ما هو جدير بالتقديم. وأخر ما هو جدير بالتأخير.
ويمكن أن نفهم النص على وجه آخر، وعلى قانون آخر غير الذي تقدم الحديث فيه.
وهذا القانون هو ما سبق أن ذكرناه: " قطع النظير عن النظير ".
فقد سبق أن خرجنا عليه قوله تعالى: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) .
حيث قطع الظمَأ عن الجوع وهما نظيران، والضحاء عن العِرى وهما نظيران كذلك. وقلنا: إن الداعي إلى هذا العمل هو تكثير النِعَم.
ويرى بعض الباحثين أن الآية تضمنت ضرورات الحياة
الأربع: الطعام، والكساء، والمسكن، والشراب.
وفي آيتنا هذه قطع للنظير عن النظير، فقد ذكر الطوفان أولاً.
وكان الظاهر يقتضي أن يذكر بعده الضفادع لأنه تعيش - غالباً - في الماء، ويكثر وجودها فيه، ثم الدم، لأنه كان يظهر - حسب ما اقتضه حكمة الله - في الماء.
لكنه خالف هذا الظاهر لأنه لئلا يتوهم متوهم تقليل الآيات بحسبان الطوفان
والضفادع والدم كالآية الواحدة.
ففصل بينها لهذا الغرض. ثم قدم الجراد على القُمل لظهوره أمام النظر أكثر ولأنه شيء خارجى عن الإنسان.
وأخر القُمل لاختفائه وعدم وقوع الرؤية عليه كثيراً.
* *
ثانياً - في التشريع:
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23) .
قال صاحب الظاهرة القرآنية بعد أن ذكر هذا النص:
" هذا نص أساسى يقرر في نفثة واحدة من الوحى، تشريع الزواج بجميع
تفاصيله وشروطه القانونية الضرورية، وهو ينظم بصورة ما الحرمات من النساء مشتملاً بذلك على حكمين جوهريين. هما:
الاستيعاب والحصر الشامل للحالات المشار إليها، وتصنيفها في نظام منطقى. وترينا مناقشة النص تصنيفاً للحالات المحرمة بدرجة القرابة العصبية والترتيب النزولى: الأم والبنت والأخت - والعمة والخالة - وبنت الأخ، وبنت الأخت من القرابة المباشرة.
والمرضعة وأخت الرضاعة من القرابة الرضاعية، ولا يحل للرجل أن يتزوج
أم امرأته، أو ابنتها أو أختها. فدرجة القرابة هنا مقيسة بالنسبة للمرأة،
ويمكن أن نلحظ - أيضاً - في هذا التصنيف أفضلية رباط المذكورة على رباط الأنوثة، فابنة الأخ تُذكر قبل ابنة الأخت، والقرابة المتصلة بالزوج تُذكر قبل القرابة المتصلة بالزوجة، مع أسبقية رباط المذكورة ".
(انتهى كلام صاحب الظاهرة القرآنية) .
ويمكن تلخيص الأسس التي بنى عليها تحليله للآية الكريمة في العناصر
الآتية:
1 -
القرا بة المباشرة
2 -
الترتيب النزولى.
3 -
أفضلية علاقة الذكورة
ولا يستطيع أحد أن يقلل من قيمة هذه الاعتبارات التي أوردها الكاتب.
وقد أشار القاضي أبو بكر الباقلاني - قبل صاحب الظاهرة القرآنية - إلى شيء من هذا التفصيل في هذه الآية في كتابه المعروف " إعجاز القرآن ".
ونحن مع الرجلين فيما ذهبا إليه. ولكننا نرى إمكان تحليل الآية على وجه
آخر لا يختلف عما ذهبا إليه.
وإن اشتمل على جديد لم يلحظاه هما.
وهذا الوجه هو: أن هذه الحالات الثلاث عشرة المحرَّمة المنصوص عليها في
الآية الكريمة ترجع إلى عنصرين أساسيين هما:
أولاً - حُرمة ذاتية: ويدخل تحت هذا الضابط سبع حالات هي: الأم -
البنت - الأخت - العمة - الخالة - بنت الأخ - بنت الأخت.
وقد روعى في ترتيب هذه الحالات السبع ما يأتى:
1 -
أهمية الحُرمة.
2 -
ثم علاقة الذكورة.
ولهذا ذكِرت الأم في صدر الحالات لعظم حُرمتها، ولأن المخاطب جزؤها، ثم البنت لأنها تلى الأم في عظم الحُرمة، ولأنها جزء المخاطب.
ثم الأخت لاتحادهما في أصل الولادة. ثم العمة، لأنها أقرب النساء إلى المخاطب بعد المذكورات. ثم الخالة لنفس السبب.
وقُدمت العمة على الخالة - مع اتحاد درجة القرابة - لنفضيل علاقة الذكورة
على الأنوثة. إذ القرابة في العمة من جهة الأب، وفي الخالة من جهة الأم
(أخت الأب ثم أخت الأم) .
كذلك قُدِّمت بنت الأخ على بنت الأخت لعلاقة الذكورة مع الاتحاد في درجة القرابة.
وأخرتا عن العمة والخالة - فوق ما ذكِر - لأن القرابة في العمة والخالة من
جهة الأصول - الآباء والأمهات - وفي بنت الأخ وبنت الأخت من جهة الفروع: الأخوة والأخوات. . . وهكذا.
ثانياً - حُرمة عارضة: وتحت هذا الضابط ست حالات وهي فيما بينهما
نوعان:
1 -
ما كانت العِلَّة فيه الرضاعة.
2 -
ما كانت العِلَّة فيه الزواج.
والنوع الأول تحته حالتان: الأم من الرضاعة. والأخت من الرضاعة.
وقد ذكِرتا على هذا الترتيب، فقُدً مت الأم على الأخت تشبيهاً لها بالأم الحقيقية من حيث الحُرمة وما ثبت لها هناك من أحكام.
وتلتها الأخت لما تقدم وقد صُدِّرَ هذا القسم بما صُدرَ به القسم الأول.
الأم هناك هي أول من ذكِر وهى هنا كذلك مع مراعاة الترتيب النزولى في جميع الحالات.
وقُدِّم سبب الرضاع على سبب الزواج لأسبقية الأول وجوداً.
والنوع الثاني تحته أربع حالات:
أ - أم الزوجة
2 -
بنت الزوجة.
3 -
حلائل الأبناء.
4 -
الجمع بين الأختين.
وقُدِّمت الأم هنا - كما قُدمت في القسمين الأولين - فالنظم يجرى - كما
ترى - على نسق واحد. ثم بنت الزوجة المدخول بها. تشبيهاً لها بالبنت
المولودة من الزوج، ثم حلائل الأبناء، وأخيراً الجمع بين الأختين.
* * *