الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
سر الاختلاف
.
والسر - والله أعلم - أن آية آل عمران وردت في مقام عتاب من الله لعباده
الذين تأثروا بإشاعة قتل النبي صلى الله عليه وسلم أو موته يوم أحد. وفي العتاب تأنيب وتأميل، تأنيب على ما بدا في الماضي، وتأميل فيما يجب التحلي به فى المستقبل.
لذلك كانت الخاتمة في آل عمران رقيقة باعثة على الرجاء والإنابة.
أما آية الحج فإن الذي يرتد عن دينه إذا ما ابتلاه ربه ويستبدل الكفر بالإيمان
والإساءة بالإحسان والمعصية بالطاعة.
قد أحل بنفسه عذاب ربه وباع دينه بدنياه فخسرهما معاً.
فليس معه بقية من رشاد يُرجَى بها هدايته.
ومصيره إلى النار لا محالة.
لذلك كانت الخاتمة معه قاسية أليمة.
كخاتمة حياته، وعاقبة أمره.
* * *
2 -
جمادات. . حية:
نجد في القرآن الكريم الجماد يتكلم، والمعنويات تُوصف بما يوصف به
الأحياء العاقلين، كما أسند إلى هذه الأنواع أحداث لا يأتى بها غير مَن كانت له حياة حقيقية وعقل وإرادة وتدبير، ترى ذلك فتسحر، ولا تستطيع أن تنكر منه شيئاً أو تحس بمخالفة في التعبير للسنن الذي ينبغى أن يكون عليه
والحديث في ذلك طويل ومتعدد الجوانب. . ولكننا سنضرب مثلاً لتأكيد
القاعدة ولبيان أن طريقة التصوير والبعث هي طريقة القرآن المفضلة. ومنهجه المتبع في بيان المقاصد المختلفة.
وأمثلة ذلك كثيرة منها: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) .
فأنت ترى السموات والأرض والجبال - هنا - جماعة من الإناث العاقلات.
فهمن معنى العرض، وخطر الأمانة فطلبن من الله أن يعفيهن من حملها
وأشفقن منها، إنه لتمثيل رائع أن ترى الجمادات تخاطب فتعقل وتفكر فتتكلم.
وقد جرى المفسرون على تفسير قوله تعالى: (فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا)
أي: أبَيْنَ الخيانة فيها وأشفقن من الخيانة. .
ويفسرون " الأمانة " بالطاعة أو التكاليف الشرعية.
ولماذا لا نجرى الإباء على حقيقته - كما سبق - ويكون المعنى: طلبن من
الله إعفاءهن من حملها.
وحملها الإنسان، على أن يراد بالأمانة ما يؤمَن عليه
الإنسان من مال وغيره. لا مطلق طاعة ولا عموم التكاليف.
وقال سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) .
تكاد كتب التفسير تجمع على أن المراد من أمر السماء والأرض في هذه الآية
أنه أمر تكوين. أي قال لهما: كونا وتشكلا على الهيئة التي نشاهدهما عليها.
وفي تحليل معنى الأمر يقول الزمخشري: " إنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا
عليه، ووجدتا كما أمرهما، وكانتا في ذلك كالأمور الطيع إذا ورد عليه فعل
الأمر المطاع.
وهو من المجاز الذي يسمى التمثيل. ويجوز أن يكون تخييلاً
ويُبنى الأمر فيه على أن الله تعالى كلم السماء والأرض وقال لهما: ائتيا
شئتما ذلك أو أبيتما. فقالتا: أتينا على الطوع لا على الكُره.
والغرض تصوير أثر قُدرته في المقدورات لا غير، من غير أن يحقق شيء من الخطاب والجواب ".
وأياً كان نوع المجاز تمثيلاً أم غيره فإن شاهدنا في الآية ظاهر، حيث أسند
إلى السماء والأرض، وهما جمادان، أحداثاً إنما هي من اختصاص العقلاء.
وقال سبحانه: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29) .
الآيات تتحدث عن قوم فرعون لما جاء الهلاك فهلكوا، تاركين وراءهم
ما كانوا فيه من نعمة وفضل.
أراد الله أن يبيِّن لنا حقارتهم، وأنهم غير مأسوف عليهم حين هلكوا
لعصيانهم وفسادهم. فقال: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ) .
ففى نفى بكاء السماء والأرض عليهم تهكم بهم، لأن العرب كانوا إذا مات
لهم عظيم قالوا في تعظيم مهلكة: بكت عليه السماء والأرض، وبكته الريح، وأظلمت له الشمس، وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب
الجزع والبكاء عليه.
والقرآن بلغتهم نزل. فجاء نافياً ذلك البكاء المخصوص
عنهم ليدل أنهم ليسوا كمن يعظم فقده.
ونقل الزمخشري عن الحسن: " فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون.
بل كانوا بهم مسرورين ".
وفسَّر هذا - أي الزمخشري - بقوله: " يعنى: فما بكى عليهم أهل
الأرض ".
وعلى ما ذكره فإن التعبير من قبل المجاز العقلي
الذي أسند فيه البكاء منفياً إلى ما ليس له.
والعلاقة المحلية.
أما القرينة فاستحالة أن يكون من السماء والأرض بكاء.