الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويعدون منه أشكالاً متفاوتة في الجودة والحسن كل حسب ما أوتِىَ من مهارة
وحذق في الصناعة. فجاء هذا الصانع الذي ليس له نظير في الإبداع فطرح
مواده التي أعدها أمام الصانعين وصنع منها شكلاً يحسونه في هيئته ونظامه
ودقته أروع أمثلة جمال الفن مما ليس لهم قُدرة على الإتيان بمثله مع علمهم بأن مواده المصنوع منها طوع يد الجميع.
فالحذق والمهارة إنما هما في الصنعة لا فى المواد المستعملة فيها.
إن هذا أدعى إلى إقرارهم بالتفوق لهذا الصانع وأنه
ليس من طبقتهم وإن اتحد العمل عند الجميع. . " ولله المثل الأعلى ".
* * *
*
المجموعة الشرطية:
جاء الشرط فاتحة لسبع سور، هي: " المنافقون، الواقعة، التكوير،
الانفطار، الانشقاق، الزلزلة، النصر ".
هذه السور السبع يمكن أن نصطلح على تسميتها: المجموعة الشرطية -
أو القسم الشرطي من سور القرآن الكريم
- والباحث يرى أنها تشترك في عدة خصائص:
*
خصائص المجموعة الشرطية:
أولاً: أن الطابع الغالب عليها أنها مكية النزول، ما عدا " الزلزلة " فهى
مدنية باتفاق، وما عدا " النصر " ففيها رأيان. مكية باعتبار المكان لنزولها
بعد الهجرة. وما عدا " المنافقين " فمدنية باتفاق.
ثانياً: أن في معظم هذه السور حديثاً عن القيامة ومقدماتها. مع ما اقترن
به الحديث عنها من أغراض أخرى لها بالمقام نسب ورحم.
ثالثاً: أن الشرط فيها قد تردد كثيراً في السورة الواحدة، ولم يقتصر وروده
على مطلع السورة فحسب وذلك أمر ظاهر من مجرد تلاوة هذه السور السبع وتتبع أساليب التعبير فيها.
رابعاً: أن هذه السور السبع - المجموعة الشرطية أو القسم الشرطي -
موضوعاتها أمور مستقبَلة في الغالب. استقبالاً حقيقياً كما سيحدث من
مقدمات القيامة وأهوال الحشر، أو استقبالاً باعتبار الحكاية كمجيء نصر الله
فى مطلع سورة " النصر ". إلا ما دعا إليه المقام من الأغراض الأخرى كتقرير
أمر واقع، أو لمحة من أخبار تكمل بها الصورة ويتضح بها المقام.
خامساً: أن الحديث فيها إذا كان عن مشهد من مشاهد القيامة.
أو عن أمر يتكرر من مظاهر الطبيعة وسُنة الله في الكون، أو عن مصير عام محتوم، أو ما قارب هذه الأمور فالأداة المفضلة هي " إذا " المؤذنة بتحقيق شرطها وجوابها. وإن لم يكن الحديث عن هذه الأمور بل غيرها: فالأداة غيرها " إن " أو " لو " وما شابه ذلك.
والقيمة البيانية لهذا المطلع الشرطي التي من أجلها - والله أعلم - آثر
القرآن افتتاح هذه السور بها. هي أن الأسلوب الشرطي يمتاز بربطه بين أجزاء الكلام ربطاً ملاحَظاً فيه ترتب السبب على السبب. .
فإذا ذكِرت أداة الشرط وأردفت بفعل الشرط تشوقت النفس إلى ذكر ما سيكون. .
فإذا ذكِر الجواب بعد هذه الإثارة وهذا التشويق تمكن أيما تمكن.
والذي يزيد من هذه القيمة البيانية لأسلوب الشرط في القرآن الكريم أمران:
الأول: أن القرآن في غالب الفواتح من هذا النوع لا يكتفى بفعل شرط واحد - كما هو الحال في غيره - بل يقرن به أشباهاً ونظائر يطول تأمل السامع فيها وتضاعف من تشوقه إلى الجواب كلما انتقل من جزء إلى جزء. فيأتيه الجواب بعد تلهف وطول ترقب.
الثاني: أن أجزاء الأسلوب الشرطي في القرآن ليست من جنس ما يستعمله
الناس من أمور عادية قد لا يهتم بها إنسان. أو ليس للوقوف عنده على
مدلولاتها كبير معنى -
أو ربما تنبأ - سَلفاً - بما سيكون عليه الحال فلا يفيد منها فائدة جديدة.
وليس الحال كذلك في القرآن. بل فيه - فوق دقة النظم وجمال التركيب
- غرابة وجزالة. ولنأخذ لذلك - مثلاً - سورة التكوير:
(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14) فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) .
لنَتْل هذه السورة حق التلاوة، ولنتأمل الشرط الذي بدئت به. وللننظر إلى
الأشباه والنظائر التي عطفت عليه. ولتستحضر معاني هذه الصور التي ترمز
إليها كل وحدة من وحدات الشرط وأشباهه ونظائره. ولنحاول تأملها كأنها
واقعة - الآن بالفعل - ولندرك كم من المراحل سبحنا فيها. وكم من المشاهد تجددت أمامنا كل مشهد غريب غريب في هيئته وصورته رهيب رهيب في حدوثه وظهوره. يعلو ويسفل. . مرة في السماء وأخرى على الأرض.
إنها رحلة طويلة شاقة تقطعها النفس حتى تقف على حقيقة المرحلة
والغاية التي من أجلها شُدَّت الرحال: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ)(1) .
(1) تأمل تنكير* نفس " وتذوَّق ما توحي به العبارة من جلال الوقف وخطره - والآية من سورة التكوير: 14