الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد كان الباقلاني أسَدَّ رأياً حين لم ينف وجودالمعارضات أصلاً. بل نفى أن
يكون ما ورد منها تنطبق عليه خصائص المعارضات المقبولة، ولو قال النافون
على الإطلاق مثل قوله لما خالفهم أحد.
والذي نأخذه على الدكتور العمارى أنه يرى أن التسليم بورود المعارضات
لا يخدم قضية الإعجاز القرآني. ولذلك راح يستخدم كل حيلة وبراعة في تأييد مذهب نفى المعارضات أساساً.
ونحن نميل إلى خلاف رأيه في سيء من الحيطة وما نريد إثباته هنا. أن:
المعارضات التي وردت لم تكن قضية العرب كلهم لأنها لا تفيدهم في مقام
التحدى لعدم ورودها على أسلوب القرآن. ولذلك لم تكن موضع اهتمام عند جميعهم حتى لا يخاطروا بما لا يحسنون في مقام يؤخذ عليهم فيه ذلك.
لذلك جاءت المعارضات من الحمقى والمغامرين. فهى تمثل عندهم طابعاً
فردياً لا جَماعياً.
* * *
*
التسليم بوجود المعارضة يخدم قضية الإعجاز:
وهذه المعارضات على ندرتها واختلاف الرواية فيها والصياغة، وطابعها
المفردى. . هي في مجموعها تخدم الإعجاز - على نقيض ما يقوله الدكتور
العمارى - ولا تنال منه، لأننا إذا عمدنا إلى شيء من نصوصها وقارناه بما
يقابله من القرآن الكريم. بانَ لنا الفرق بين الأصالة والتقليد، والقوة والضعف.
والجدة والذبول. كالفرق بين الزهرة اليانعة في روض أريض، وبين زهرة صناعية لا ماء فيها ولا شذا.
فقد عورض قوله سبحانه وتعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) .
بقول بعضهم: " إنا أعطيناك اللحاح. فصل لربك وارتاح. إن شانئك هو
العجل النطاح ". وهذا قول ساقط لا يستحق الحروف التي كتب بها.
ولا المساحة التي يشغلها من رقعة ورق بالية.
وهو مع سقوطه هذا يبدو عليه أثر السرقة والتقليد. لأن العارِض عمد إلى
النص القرآني نفسه وجاء به رافعاً منه ثلاث كلمات، واضعاً موضعها أربع
كلمات تميل إلى السقوط والابتذال والغثاثة.
رفع " الكوثر " ووضع موضعها " اللحاح "، ورفع " وانحر " ووضع
موضعها " وارتاح " وفيها خطأ ظاهر (1) .
ورفع " الأبتر " ووضع موضعها " العجل النُطاح ".
فما الذي أتى به من عنده إذن. سوى السيئ والقبيح.
ليقارن الذوق وليحكم بما يرى!
* * *
والخلاصة: أن التسليم بورود المعارضات يخدم قضية الإعجاز ولا ينال منها
ولو تابعنا الذين قالوا بنفيها ووضع ما ورد منها لكان في ذلك حُجة للذين
قالوا إن الله صرف دواعى العرب إلى المعارضة، فلم يعارضوا في كثير ولا
قليل. بدليل أن: المعارضات لم تصح نسبتها إليهم.
(1) إذ الصواب: وارتح.
* * *
2 -
الإعجاز العلمى
وتحت هذا النوع ثلاثة فروع
1، 2 - الإعجاز التاريخى والغيبي.
3 -
الإعجاز في مجال الكشوف الحديثة في الكون والطب.
أولاً - الإعجاز التاريخى والغيبى:
يرى فريق من الباحثين أن القرآن معجز بما فيه من أخبار ماضيهَ، وتنبؤات
مستقبلة أثبت الواقع صحتها.
وممن قال بهذا الرأي القاضي أبو بكر الباقلاني، والرماني، ومحمد بن حزم
الظاهرى وغيرهم.
وقد ذكر الباقلاني أمثلة من هذا النوع كالإخبار بانتصار الروم على أعدائهم
فى مدة حددها القرآن فانتصِروا خلال تلك المدة.
قال سبحانه: (غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) .
فقد حدد القرآن مدة النصر بـ " بِضْعِ سِنِينَ " والبضع مختلف فيه لغة، جاء
فى المختار: " وبِضع في العدد - بكسر الباء - وبَعض العرب يفتحها: وهو
ما بين الثلاث إلى التسع، تقول: بِضْعِ سِنِينَ، وبضع عشرة امرأة.
فإذا جاوزت لفظ العشرة ذهب البِضع ".
وقال الراغب: " البِضع - بالكسر: المنقطع من العشرة. وينال ذلك ما بين
الثلاثة إلى العشرة. وقيل: بل هو فوق الخمسة ودون العشرة.
قال: (فِى بِضْعِ سِنِينَ) والراجح أنه بين الثلاثة إلى العشرة بخروج الغاية، وليس فوق الَخمس إلَى العشرة ".
ويؤيد الراغب القائل: أنه " من الثلاث إلى التسع " ما ذكره الزمخشري من
أن ذلك ورد عن الرسول عليه السلام حين سأله أبو بكر في أمر المراهنة
المشهورة.
وقد صدق الواقع الآية فغُلِبَت الروم على رأس السنة السابعة.
وهذا الصدق هو الذي حمل بعض العلماء على اعتبار الإخبار الغيبى دليل الإعجاز.
ومما ذكره الباقلاني: الإخبار عن دخول المسلمين مكة فاتحين آمنين حيث قال
سبحانه: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) .
والإخبار بتحقيق الوعد لأهل بدر حيث تال سبعانه: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) .
هذه شواهد نقلها القاضي أبو بكر لإثبات كون القرآن معجزا من هذا
الوجه.
وحقيقة. . . إن القرآن أخبر عن أمور غيبية مستقبَلة فوقعت كما أخبر.
ولم يختلف منها شيء. أو جاء على غير الوصف الذي ورد فيه.
وهذا ليس فى طاقة البَشر.
ويتصل بهذا الفرع إخبار القرآن عن الأمم السابقة إخبارا صادقاً، كقصة آدم عليه السلام، وقصة ولديه قابيل وهابيل، وقصص نوح وإبراهيم وموسى