الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومع هذا الاتساع في إدراك الملاحظات البلاغية، فقد ظلت - كما هو الحال
فى العصرين: الجاهلى والإسلامى - متصلة بالنقد في أدق معانيه.
* * *
*
العصر العباسي:
وفي العصر العباسي تجددت الحياة في كل جانب من جوانبها، وازدهرت
الثقافة والفكر ازدهاراً عكس آثاره على كل لون من ألوان الحضارة الإسلامية،
والباحث يرى خصائص العصر العباسي لم تتوافر لسواه، وهي تتمثل في ثلاث نواح:
الأولى: امتداد زمانى من سنة (132 إلى سنة 656 هـ) حين سقطت بغداد
فى يد المغول بزعامة قائدهم هولاكو.
الثانية: امتداد مساحى اتسعت رُقعة الدولة فيه وانتظمت تحت لوائها كثير
من الأقطار والشعوب الأجنبية.
الثالثة: امتداد ثقافى في جميع الفنون والعلوم ونشطت حركة الترجمة من
اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، وامتزجت الثقافة العربية بغيرها من لغات
الأمم التي شملها الفتح الإسلامى.
جاء في كتاب " تاريخ آداب اللغة العربية " لجرجى زيدان تلخيص
للكتب التي نقلت إلى اللغة العربية في العصر العباسي الأول (132 - 332 هـ)
نوجزه فيما يأتى:
بلغت الكتب التي نُقِلت إلى اللغة العربية من اللغات الأخرى بضع مئات،
منها ثمانية في الفلسفة والأدب لأفلاطون، وتسعة عشر في الفلسفة والمنطق
والأدب لأرسطو، وعشرة في الطب لأبقراط.
وثمانبة وأربعون في الطب لجالينوس.
وبضعة وعشرون كتاباً في الرياضيات والنجوم لأقليدس وآخرين، ونحو عشرين كتاباً عن الفارسية في التاريخ والأدب.
ونحو ثلاثين كتاباً من السنسكريتية
وأكثرها في الرياضيات والطب والنجوم والأدب.
ونحو عشرين كتاباً من اللغة السريانية أو القبطية، وهناك بضعة كتب نقلت من اللاتينية والعبرانية ".
لهذه العوامل الثلاثة كان العصر العباسي هو العصر المذهبى بحق في مجال
العلوم والفنون، وقد حفل شأن هذا العصر بفحول العلماء والأدباء والنُقاد
والقُراء والخطباء. ونبغ فيه أعلام الفكر العربي الإسلامى نبوغاً منقطع النظير، ووُضِعت فيه كثير من الكتب.
فقد وضع كتاب " مجاز القرآن " لأبى عبيدة معمر بن المثنى (188 هـ)
الذي ألفه للفضل بن الرييع. وبعده كان كتاب " معاني القرآن " لأبى زكريا
الفراء (207 هـ) وقد تحدث في كتابه هذا عن بعض الوجوه البلاغية مثل
الكناية والتشبيه والتمثيل والاستعارة، ولكنه لم يُصرح بذكر اسمها.
ووضع فيه الجاحظ (المتوفى 255 هـ) كتابيه "البيان والتبيين "،
و" الحيوان " وفيهما - وخاصة الأول - كثير من التوجيهات البلاغية وهو أول مَنْ يُصرح باسم الاستعارة إذ يقول في قول الشاعر:
وَطفِفَتْ سَحَابَة تَغْشَاها. . . تَبْكِى عَلى إِعَراصِها عَيْنَاهَا
" جعل الطر بكاء من السحاب على طريق الاستعارة.
وهي تسمية الشيء باسم غيره إذ قام مقامه ".
وللجاحظ كتاب آخر غير المذكورين سماه " نظم القرآن " تحدث فيه عن كثير
من الفنون البلاغية ولهذا يعده بعض المحدَثين بأنه واضع علم البلاغة.
وجاء بعد الجاحظ تلميذه ابن قتيبة (المتوفى 276 هـ) ووضع كتابه
" تأويل مشكل القرآن الكريم "، ولعله انتفع ببحوث أستاذه الجاحظ في هذا
المجال وتكاد تتفق تحليلاته البلاغية للنصوص مع ما انتهى إليه الرأي عند
المتأخرين من علماء البلاغة.
انظر إليه يقول: " العرب تستعير الكلمة إذا كان المسمى بها بسبب من
الأخرى، أو مجاوراً له، أو مشاكلاً: فيقال للنبات: " نوء "، لأنه يكون
من النوء عندهم. . ويقولون للمطر: " سماء "لأنه من السماء ينزل،
فيقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم. . قال الشاعر:
إذ نَزلَ السماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ. . . رَعَيْنَاهُ وإنْ كانوا غِضابا
ويقولون: ضحكت الأرض - إذا أنبتت - لأنها تبدى من حسن النبات
وتتفتق عن الزهر كما يفتر الضاحك عن الثغر. . ولذلك قيل لطلع النخل إذا انفتق عنه كافوره: الضحك! لأنه يبدو منه للناظر كبياض الثغر ".
وظاهر مما ذكره أنه لا يُفرق بين الاستعارة - التي يتحدث عنها - ويين المجاز
المرسل. لأن ما ذكره في المثال الأول مجاز مرسل. وكذلك الثاني، أما المثالان الأخيران فإن أولهما يمكن حمله على الاستعارة التمثيلية أو المكنية. والثاني استعارة أصلية تصريحية.
وقد استغرق باب الاستعارة أكثر من أربعين صفحة من كتابه المذكور.
وهو كغيره من السابقين لا يذكر قرينة المجاز.
هذه المحاولات - التي بدأت برضع أبى عبيدة كتاب " مجاز القرآن "
وانتهت بابن قتيبة حيث وضع كتاب " مشكل القرآن " - مهدت لظهور مرحلة جديدة أخذ العلماء فيها يسجلون من ملاحظاتهم الاصطلاحات الفنية للبلاغة، بدأت هذه المرحلة بابن المعتز، وانتهت بالسكاكى.
* * *