الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
تنويه:
قد يبدو للقارئ أننى اقتديتُ بالكاتبة في منهج هذا البحث في كثير من
موضوعاته لتشابه المنهجين إلى حد كبير.
والواقع غير ذلك، إذ تقدمت ببحث الماجستير للكلية وموضوعه: سحر
البيان في مجازات القرآن، نحوتُ فيه هذا المنحى في فصلين كبيرين، وذلك
منذ ست سنوات. وكتاب المؤلفة ظهر منذ سنتين. بَيْدَ أننى مدين للجاحظ فى هذا السبيل حيث لمح فَرْقاً بين استعمال القرآن لكلمتى
" المطر " و "الغيث ".
الأولى في مقام العذاب، والثانية في مقام الإنعام. كما لمح فَرْقاً بين كلمتى
" الجوع " و " السغب ". كما أنى مدين للخطابى حيث لمح فَرْقاً بين " العلم " و " العرفة " و " القعود " و " الجلوس ". ووجه كل هذه الكلمات
توجيهاً فاقهاً.
ومن هنا كان توجيهى إلى هذا المورد العذب، والخصائص الآسرة كما نحا
فتحى رضوان هذا المنحى في مقالات له نشرها الأهرام في رمضان الماضى
(1392 هـ) .
والظاهر أن اتجاه الباحثين قد تزايد إلى دراسة القرآن دراسة موضوعية شاملة.
ولهذا لزم التنويه.
* * *
*
آراء منثورة في الإعجاز القرآني:
ذكرنا في الصفحات السابقة آراء أصحاب المؤلفات في الإعجاز القرآني.
وبدهى أن كثيراً من العلماء لم يصنعوا رسائل أو كتباً في الإعجاز. ولكنهم
أدلوا بآرائهم فيه ضمن بحوث أو مقالات منشورة.
وهؤلاء لم يأتوا بجديد إنما وقفوا من الآراء السابقة موقف الأرجحية
والترجيح. وها نحن نسجل هنا مواقفهم حسب موافقتهم على رأى منها
ورفضهم ضمناً للآخر.
أولاً - النظم والتأليف:
أيَّد هذا الاتجاه القائل بأن الإعجاز كائن في النظم والتأليف كثير من العلماء
قديماً وحديثاً. منهم الأصبهاني والرملكاني والقاضي عِياض.
فقد تحدث الأصبهانى عن مراتب تأليف الكلام ثم قال: " فظهر من هذا أن
الإعجاز المختص بالقرآن متعلق بالنظم المخصوص، وبيان كون النظم معجزاً
يتوقف على بيان نظم الكلام ثم بيان أن نظم هذا الكلام مخالف لنظم ما
عداه ".
ويُفَرق الأصبهانى بين النظم المخصوص الذي هو صورة القرآن، واللفظ
والمعنى الذي هو أثره وعنصره. وباختلاف الصورة يختلف حكم الشيء لا بعنصره كالخاتم والقرط والسوار.
فإنه باختلاف صورها اختلفت أسماؤها لا بعنصرها
الذي هو المذهب أو الفضة.
والقرآن عنده جامع لمحاسن جميع فنون الكلام، على نظم ليس مثل نظومهم
كما نقل السيوطي عن الزملكانى قوله: " وجه الإعجاز راجع إلى التأليف،
بأن اعتدلت مفرداته تركيباً وزنة ".
أما القاضي عياض فإن نظم القرآن يمثل عنده الجانب الأهم في الإعجاز، من
حيث حُسن التأليف، والتئام الكلام وبلاغته الخارقة عادة العرب.
كما يرى أن للإخبار عن الغيوب حيث جاءت مطابقة لما أخبر به القرآن
وما أشار إليه من أخبار الماضين مما يعثر طليه على البَشر، ولتأثير القرآن على
السامعين والقارئين يرى لكل هذه العوامل أثراً إضافياً في الإعجاز.
فهو من القائلين بأن الإعجاز راجع إلى النظم والتأليف وإن رأى وجوهاً
إضافية للإعجاز.
ويرى ابن عطيه أن الإعجاز واقع بالنظم وصحة المعاني.
وقال: " إن هذا ما عليه الجمهور ".
فالنظم، وصحة المعاني، وتوالى فصاحة ألفاظه هي وجوه الإعجاز في هذا
الكتاب الحكيم.
قال: " ووجه إعجازه أن الله قد أحاط بكل شيء علماً،
وأحاط بالكلام كله علماً، فإذا ترتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظه تصلح أن تلى الأولى، ويتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبَشر معهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم بالضرورة أن أحداً من البَشر لا يحيط بذلك، ولهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة
ولهذا يبطل قول مَن قال: إن العرب كان في قُدرتها الإتيان بمثله. فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم صُرِفوا عن ذلك وعجزوا.
والذي يظهر من هذه النقول أن القول بأن الإعجاز راجع إلى النظم والتأليف
يغلب على الاتجاهات الأخرى، ويكاد يمثل الرأي الذي لا يصح فيه خلاف.
وحتى الذين ذهبوا إلى وجوه أخرى غير النظم والتأليف لم ينسوا فضل نظم
القرآن وتأليفه الخاص.
هذا عند الأقدمين. . أما المحدَثون فلا نكاد نرى مَن يخالف هذا الرأي منهم
وإن أضافوا إليه إعجازا آخر في مجال العلوم والتشريع فهو ما زال الرأي
السائد في القديم والحديث.
ثانياً - البلاغة والفصاحة:
يتشكك كثير من الباحثين قديماً وحديثا أن تكون البلاغة والفصاحة من وجوه
الإعجاز في القرآن مع اعترافهم بأن كلأ منها يؤدى دوراً هاماً في سمو
الأسلوب ووضوح المعنى.
من هؤلاء أبو بكر الباقلاني، وعبد القاهر الجرجانى، من الأقدمين، وفريد
وجدى من المحدَثين. وسبب هذا الحكم - كما سبق - أن هذه الفنون يمكن
التعمل لها. والاحتيال عليها. وما كان ممكناً أن يُتعلم ويُحذق بالصنعة. فلا
يكون وجهاً من وجوه الإعجاز.
وعلى العكس من هذا. . فإن فريقاً آخر قد اعتبر البلاغة والفصاحة، وجهاً
من وجوه الإعجاز. ومن هؤلاء القاضي عبد الجبار المعتزلى، وفخر الدين الرازى، وحازم، والمراكشى.
قال الرازى: " ووجه الإعجاز الفصاحة وغرابة الأسلوب، والسلامة من
العيوب ".
ويقول حازم: " وجه الإعجاز في القرآن حيث استمرت الفصاحة والبلاغة
فيه جميعه. استمراراً لا يوجد له فترة، ولا يقدر عليه أحد ".
ويقول المراكشى: " إن الإعجاز حاصل ببلاغة القرآن، وروعة نظمه، ليس
إعجازه بمفرداته ولا بمجرد تأليفه، ولا بحركات إعرابه، ولا بصرف العرب
عنه ".
هذان رأيان متقابلان والصحيح الذي يمكن قبوله أن المسألة وَسَط بين الفريقين.
فلا يمكن عزل البلاغة والفصاحة عن وجوه الإعجاز ولا يمكن كذلك جعل الإعجاز كله راجعاً إليهما.
بل هما - أي الفصاحة، والبلاغة - عاملان من عوامل الإعجاز. وليستا
أوحديتين فيه: لأن المختار أن الإعجاز راجع إلى النظم والتأليف، والفصاحة
والبلاغة من أهم سمات النظم البليغ والتأليف المحكم.
أما عبد الجبار فقد رفض أن يكون للقرآن نظم مخصوص هو مرجع الإعجاز:
" لأن العادة لم تجر بأن يختص واحد بنظم دون غيره. فصارت الطرق التى
عليها يقع نظم الكلام الفصيح معتادة. كما أن قدر الفصاحة معتاد فلا بدَّ من مزيد فيهاً.
" ولذلك لا يصح عندنا (يعنى المعتزلة) أن يكون اختصاص القرآن بطريقة
فى النظم دون الفصاحة التي هي جزالة اللفظ، وحسن المعنى ".
فعبد الجبار يُرجع الإعجاز إلى الفصاحة. . وقد فسَّرها بجزالة اللفظ وحسن
المعنى. متأثراً في ذلك بشيخ المعتزلة أبى هاشم الجبائى الذي نقل هو نصاً عنه
متضمناً هذا المعنى.
ومع هذا. . فإن عبد الجبار لا يلغى أهمية النظم في فهم الإعجاز، بل ينظر
إليه باعتباره مظهراً من مظاهر الفصاحة، التي عليها المعول عنده في هذا
المجال، وقد انتهى إلى أسس جمالية قيمة: فقد قرر أن الفصاحة من صفات
الأسلوب. ولا تظهر في المفردات. " بل في الكلام بالضم. ولا بدَّ مع الضم
من اعتبار صفة لكل كلمة. هذه الصفة قد تكون بالوضع، أو بالإعراب أو
بالوقع. وإذا روعى هذا في بناء الأسلوب ظهرت فيه الفصاحة ".
والباحث يرى أن عبد الجبار قد شرع للأسلوب الرفيع، وهذا يجعلنا نقول:
إنه قائل بأن الإعجاز يرجع إلى النظم والتأليف وإن حاول هو أن يتهرب من هذا.
لأن تفسيره للفصاحة تضمن هذا القول. . ولا خلاف عنده إلا في العبارة أما
المؤدى فواحد.
وكذلك يرى الزمخشري في " الكشاف " والسكاكى في " مقدمة الفتاح "
حيث أوصيا بالبلاغة معاني وبياناً من أجل فهم القرآن ومعرفة خصائصة.
وكذلك كان رأى الإمام محمد عبده.
ثالثاً - روحانية القرآن:
قال بهذا الوجه كثيرون. منهم مَن جعله وجهاً ضمن وجوه أخرى للإعجاز
كالرماني وعبد الكريم الخطيب، ومنهم مَن جعله الوجه الوحيد في فهم الإعجاز،
وقد قال بهذا الفكر فريد وجدى، فقد تحمس وجدى لهذا الرأي ورفض كل
ما عداه من آراء السابقين. وله في إثبات رأيه محاولات كثيرة، فنراه يقول:
" حصر المتكلمون في إعجاز القرآن كل عنايتهم، في بيان الإعجاز من
بلاغته فكتبوا في ذلك فصولاً ضافية الذيول. وبعضهم خصها بالتأليف -
وإننا وإن كنا نعتقد أن القرآن قد بلغ الغاية من هذه الوجهة، إلا إننا نرى أنها ليست هي الجهة الوحيدة لإعجازه.
بل ولا هي أكثر جهات إعجازه سلطاناً على النفس، فإن للبلاغة على النفس
سلطاناً محدوداً لا يتعدى حد الإعجاب بالكلام، والإقبال عليه. ثم يأخذ هذا الإعجاب والإقبال يضعف شيئاً فشيئاً بتكرار سماعه حتى تستأنس به النفس، فلا يعود يُحدث فيها ما كان. يُحدثه مبدأ توارده عليها. .
وليس هذا شأن القرآن.
فإنه قد ثبت أن تكرار تلاوته تزيده تأثيراً، ولكنه تسلط على النفس والمدارك.
فوجب على الناظر في ذلك أن يبحث عن وجه إعجازه في مجال آخر يكفى لتعليل ذلك السلطان البعيد الدى الذي كان للقرآن على قلوب الملحدين ".
ثم يكشف هو عن تلك العِلَّة فيقول:
" العلة نفى نظرنا واضحة لا تحتاج إلى كثير تأمل، وهي أن القرآن روح من
أمر اللَه: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ) ، فهو يؤثر بهذا الاعتبار تأثير الروح في الأجساد
فيحركها ويتسلط على أهوائها. أما تأثير الكلام في الشعور فلا يتعدى
سلطانه حد إطرابها والحصول على إعجابها ".
ثم ينتهى إلى قوله: " نعم. إن جهة إعجاز الكتاب الإلهى المقدس هي تلك
الروحانية العالية التي قلبت شكل العالم ".
ويرى وجدى أن هذا الرأي يحل كثيراً من المشكلات فيقول:
" هذا رأينا في جهة إعجاز القرآن. وهو - فيما نعلم - يحل كثيراً من
المشاكل في هذا البحث ويمكن الاستدلال عليه بالحس والواقع.
أما ما ولع به الناس من أن القرآن معجز لبلاغته، وتجاوزه حدود الإمكان، حتى وقع الإعجاز ببلاغته، دون وجوه إعجازه الأخرى فلم نقف له على أثر في ذات القرآن. مع أنه ورد ذكر القرآن في آيات عدة لم نر في واحدة فيها ما يوافق ما يذهب إليه الآن الكثيرون ".
والآن - وبعد أن ذكرنا رأيه ونصوصه - نسأل سؤالاً. مؤداه: ماذا يقصد
وجدى بأنه لم يجد في آيات القرآن ما يدل على هذا المذهب؟
إن كان يقصد عدم ورود شيء من الصور البلاغية في القرآن - وهذا بعيد جداً - فقد وَهِم،
وإن كان يقصد أن القرآن لم يُشر إلى أن وجه إعجازه مأخوذ من السمات
البلاغية التي فيه - وهذا بعيد كذلك - فإنه أشد وقوعاً في الوهم، لأن القرآن لم يقل أن وجه إعجازه كذا.
وإن كان يريد أن ليس في آيات القرآن ما يشير إلى امتداح الكلام البليغ -
وهذا ممكن إرادته - فإنه قصور من الكاتب.
لأن في القرآن الكريم آية هى أظهر ما تكون امتداحاً للقول من جهة بلاغته. ألم يقل سبحانه لرسوله عليه السلام: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) .
والخلاصة. . إن وجدى قد بالغَ في نفى أن يكون للبلاغة دور في الإعجاز،
وبالغَ في إثبات رأيه في أن القرآن معجز لأنه روح من الله. . لأننا لو جاريناه
على رأيه فمن أين تُدَرك هذه الروح؟ أليست من خلال كلام وأسلوب ونظم. .
أم تُدَرك من الفراغ؟
رابعاً - الإعجاز لا يمكن وصفه:
هذا رأى اثنين من العلماء: أبو يعقوب السكاكى، وأبو حيان التوحيدى.
فقد قال السكاكى: " إن إعجاز القرآن يُدرَك ولا يمكن وصفه، كاستقامة
الوزن تُدرَك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة. كما يُدرَك طيب النغم العارض لهذا الصوت. ولا يدرَك تحصيله لغير ذوى الفطرة السليمة. إلا بإتقان علمي المعانى والبيان والتمرين فيهما ".
وقال أبو حيان التوحيدى: " سُئِل بندار الفارسى عن موضع الإعجاز من
القرآن فقال: هذه مسألة فيها حيف وذلك أنه شبيه بقولك: ما موضع الإنسان من الإنسان؟ فليس في الإنسان موضع من الإنسان. .
بل متى أشرت إلى جملته فقد حققته. ودللت على ذاته. كذلك القرآن لشرفه لا يُشار إلى شيء منه
إلا وكان ذلك آية في نفسه. ومعجزة لمحاوله. وهدىً لقائله.
وليس في طاقة البَشر الإحاطة بأغراض الله في كلامه وأسراره في كتابه. فلذلك حارت العقول
وتاهت البصائر عنده".
ولابن خلدون رأى شبيه بهذا. إلا أن الممتنع عنده هو فهم جميع أسرار
الإعجاز. أما بعضها فجائز لمن توافرت له وسيلة الفهم.
قال ابن خلدون: " وهذا الإعجاز الذي تقصر الأفهام عن إدراكه، وإنما يدرك بعض الشيء منه مَن كان له ذوق بمخالطة اللسان العربي وحصول مَلكته. فيدرك من إعجازه على قدر ذوقه ".
والذي يظهر من النظر في قولي السكاكى وأبى حيان يجد النزعة الفلسفية
غالبة عليهما وإن ظهرت إلى حد الإسراف فيما نقله أبو حيان. . ورأيهما
متطرف. أما رأى ابن خلدون فهو أقرب إلى الحقيقة كما ترى.
" الأسلوب النطقى والعلمي: ويذهب بعض الباحثين إلى أن من وجوه
إعجاز القرآن الأسلوبين المنطقى والعلمي، لأن العرب لم يكونوا يحسنون غير
الأسلوب الخطابى من بين فنون النثر، وقد حاول صاحب هذا الرأي أن
يستدل على صحته جهد المستطاع. وعلى طرافة ما ذهب إليه فقد رده بعض معاصريه.
" الموضوعية والتجرد: وهو أحدث رأى في الإعجاز حتى الآن.
قال به الدكتور محمد البهي في مقال طويل نشرته له الوعي الإسلامي.