الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثاً: أن البقرة وطه اتفقتا في الإشارة إلى توبة الله عن آدم واجتبائه له.
وانفردت الأعراف بالحديث عن تندمهما ودعائهما ربهما بالمغفرة والرحمة. فكأن ما في البقرة وطه من الإشارة إلى التوية واجتباء الله لآدم استجابة لذلك الدعاء الذي انفردت به الأعراف خاصة وأن كُلاًّ من السورتين - طه والبقرة - نزلتا بعد الأعراف.
إذ أن الأعراف هي السورة الثانية التي تحدثت عن قصة آدم بعد
سورة " ص "، وهذا يفسر لنا سر التفصيل فيها لهذه المرحلة أكثر مما ورد فى
طه. وهي قسيمتها فيه. .
* *
*
أمر الله لهم بالهبوط إلى الأرض:
وهذه مرحلة جاءت في بعض المصادر دون بعضها. . ومصادر ورودها هي:
" البقرة " قال سبحانه: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) .
" الأعراف " قال سبحانه: (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25) .
" طه " قال سبحانه: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) .
من التأمل والمقارنة بين هذه النصوص يخرج الباحث بما يأتى:
أولاً: أن الأمر ب " الهبوط " جاء بصيغة الجمع في البقرة والأعراف لأن
المخاطب ثلاثة: آدم وزوجه وإبليس.
وجاء بصيغة التثنية في طه. ولعل سره أن المأمور بالهبوط فريقان: آدم
وزوجه فريق، وإبليس فريق آخر.
ثانياً: أن الأمر في البقرة وطه قد اقترن ضمير المخاطب فيه بالتوكيد بلفظ:
" جميعاً " ولم يرد ذلك في الأعراف.
ثالثاً: أن التصريح بـ " ثبوت العداوة بينهم " أمر مشترك بين الأعراف وطه، أما آية البقرة هنا فقد خلت منه. لأنها جاءت تاكيداً بالهبوط للآية التي قبلها.
وفيها صرَّح الله بثبوت تلك العداوة. فاكتفى بها.
رابعاً: أن ترقب هُدى الله قد صُرِّحَ به في كل من البقرة وطه. . ولم يأت فى
الأعراف إطلاقاً.
خامساً: أن بيان أن " مَن اتبع الهدى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون "،
أو " فلا يضل ولا يشقى " من خصائص سورتى البقرة وطه مع اختصاص طه
بشيء من التفصيل إذا ما قورنت بالبقرة. هذا البيان لم يرد في الأعراف. لأنه تابع لترقب الهُدى الذي لم يرد فيها كما مَر.
سادساً: التصريح بـ " الاستقرار في الأرض والتمتع فيها إلى حين " من
خصائص سورتى البقرة والأعراف. فيما تقدم عن هذه الآية. والأعراف فى
الآية المذكورة مع اختصاص الأعراف بشرح تفصيلى لأدوار سُنَّة الله التى
سيخضعون لها في الأرض قال: (فيهَا تَحْيَوْنَ وَفيهَا تَمُوتُونَ وَمنْهَا
تُخْرَجُونَ)
ولكل من هذه الفروق دواع ومقتضيات يطول بنا الحديث لو تتبعناها.
على أن هناك فروقاً دقيقة بين الألفاظ المتقابلة في هذه المواضع.
نضرب مثلاً بواحد منها.
فقدجاء فى البقرة: (. . فَمَن تَبِعَ هُدَايَ) .
وجاء فى طه: (فَمَن اتبَعَ هُدَايَ) .
الفعل " تبع " مخفف في البقرة ومُشدد في طه.
يقول جماعة: " إن تشديد الاتباع لسبق التصريح بمعصية آدم.
وقد سبقه أيضاً الاتباع مشدداً في نفس السورة في قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ) ، وفى توجيه التشديد وعدمه آراء أخَر لعَل هذَا أقواها.
وتوجيه آخر أراه حرياً بالقبول، هو أن القرآن في مكة كان يتجه كثيراً نحو
القوة والعنف لغلظة القوم وتماديهم في الضلال. بخلاف المدني الذي كان يميل
إلى الهدوء والشرح والتفصيل.
هذه آخر مرحلة يتحدث عنها العهد المكي - مرحلة الهبوط من الجنة
والاستقرار في الأرض - وقد اشترك العهد المدني معه في بيان هذه المراحل مع
الفروق التي لحظناها بين النصوص جميعاً.
لكن بقى هناك شيء هام. وهام جداً لم ترد إليه إشارة واحدة في العهد
المكي، وإنما استأثر به العهد المدني. شيء هام تكاد حكاية القصة في المدينة
تختلف به عن حكايتها في مكة اختلافا أساسياً. أن العهد المدني قد أضاف
جديداً إلى هذه القصة. . فما هو ذلك الجديد؟