الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فانظر لهذه السياسة الحكيمة في بناء الأسلوب. والملاءمة التامة بين ألفاظه
ومعانيه وتوزيع الحركات والسكنات على نهج فريد، " يُدرَك بالذوق والحس.
ولا تحده الرسوم ولا الضوابط ".
* * *
*
هندسة الجمل:
وقد تكون الجملتان المسجوعتان متوازنتين في القصر، كما فىِ مطلع سورة
" التكويرِ ": (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) .
وكما في مطلع سورة " الواقعة ": (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) .
وقد يكون التوازن بينهما في الطول، ومرسلتان في ما عدا الفواصل.
وهما فى إرسالهما مخالفتان لرسل الناس لوجود الفاصلة المتحدة أو المتماثلة فى
آخرها.
ومن هذا النوع أغلب آى القرآن الكريم.
* *
*
ثلاث فواصل متحدة:
ومنه مثلاً قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (66) .
هذه ثلاث آيات اتحدت فواصلها فجاءت كلمة واحدة: (رَبِّ العَالمينَ)
ومع هذا التكرار في الفاصلة لم تحس في التعبير إلا جمالاً وجدة خرجَ معها
التكرار مخرج الجودة والحسن.
نعم. . الفاصلة متحدة لفظاً ومعنى في المواضع الثلاثة. ولكن ما قبل
الفاصلة مختلف من موضع إلى آخر.
ففى الآية الأولى جاءت: (رَبِّ العَالمينَ) بدلاً، أو صفة لاسم الجلالة.
وهى على كلا الاحتمالين مرفوعة الصدر.
وفي الموضع الثاني جاءت مجرورة علمِهما أيضاً، وكذلك في الموضع الثالث.
هذا من حيث ضبطها في اللفظ.
وأما من حيث تعلقها مع ما جاءت بدلاً منه أوصفة له. ففيه سر آسر.
فى الأولى: (فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالمِينَ) .
وفي الثانية: (الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ) .
وفي الثالثة: (وَأُمْرِتُ أُنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العَالمِينَ) .
والمتأمل يجد بين المواضع الثلاثة تسلسلاً مرتباً ترتيب المسبب على السبب
فالتبارك مستوجب للحمد ومَن تحقق له هذان الغرضان وشعر بعظمة الله
وفضائله وحمده عليها وجب أن يسلم له ويخضع لإرادته. وهذا التغاير فى
المعنى هو موطن السر في خفة روح التكرار فيه وخلابة أثره لفظاً ومعنى.
وهذه الجدة في المواضع الثلاثة وقفت أمام كثير من الأهواء الزائفة التي تتخذ
من صور التكرار في القرآن وجوهاً للطعن فيه. ونحن نعلم أن التكرار غير
المفصول بين مواضعه بفاصل طويل. يعد عيباً من عيوب القافية.
وقد سماه العروضيون " الإيطاء "، لكن هذا العيب لا مفهوم له هنا على رغم ما هو وجيه هناك. لأن التصرف في الشكل إذا تطلبه المعنى كان بعيداً عن كل نقد.
وقد جاء هذا التكرار في الفاصلة في سورة البقرة في ثلاث آيات متتابعة
هى:
(وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) .
وإن كان لا بدَّ من كلمة - هنا - فإننا نلاحظ:
أولاً: أن (يَعْلمُونَ) في الآية الأولى واقعة في حيِّز النفى من حيث
الظاهر وإلا فالمقام مقام إثبات إذ هم يعلمون. وإنما شبَّه حالهم لكونهم قد صدر منهم فعل لا يصدر إلا ممن لا يعدم - وهو نبذهم كتاب الله وراء ظهورهم - بحال مَن لا يعلم وفي الواقع هم عالمون. فنزل علمهم حيث لم ينتفعوا به منزلة الجهل.
ثانياً: أن الآية الثانية قد طالت بحيث لا يظهر مع طولها تكرار الفاصلة مع
ما قبلها - هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن لفظ " العلم " قد تكرر فيها
مرات. لكنه يتردد بين المدوح والمذموم كتعلم السحر.
ثم ذكر لفظ، " العلم "