الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفى الآية شاهد ثان في قوله تعالى: (وَمَقَامٍ كَرِيمٍ) حيث أسند الوصف:
(كَرِيمٍ) إلى غير ما هو له حقيقة، وهو (مَقَامٍ) وذلك كثير فيه،
وسيأتى له بعد بعض التفصيل.
*
*
كواكب مضيئة:
وقال سبحانه: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) َ.
الكواكب والشمس والقمر أجرام سماوية فلا يأتي منها ما يأتي من العقلاء.
وقد أجراها القرآن في هذه الآية مجرى العقلاء في موضعين:
أولهما: فى (رَأيتُهُمْ) حيث أعاد عليها الضمير الذي يعاد به على
العقلاء.
وكان حق التعبير أن يقال: رأيتها.
ثانيهما: في قوله: (سَاجدينَ) حيث أجرى عليهم الوصف الذي من حقه
أن يجرى على العقلاء - كذلك - وكان حق التعبير أن يقال: ساجدة
لا " ساجدين " ولتوجيه ذلك طريقان:
أولهما: ذكره المفسرون وهو: " لأنه لما وصفها بما هو خاص بالعقلاء - وهو
السجود - أجرى عليها حكمهم، كأنها عاقلة.
وهذا كثير شائع في كلامهم أن يلابس الشيء من بعض الوجوه فيعطى حكماً من أحكامه إظهاراً لأثر الملابسة والمقاربة ".
وهذا توجيه حسن ومقبول. .
ثانيهما: ولم أره لأحد. وهو أن هذه الكواكب والشمس والقمر لما كانت
رموزاً وكنايات عن عاقلين، حيث صرَّح المفسرون بأن المراد بالكواكب: أخوته،
والشمس والقمر: أبواه - لما كانت كذلك - عوملت معاملتهم فأجرى عليها ماجرى عليهم.
والفرق بين التوجيهين: أن الأول عام يمكن الانتفاع به في غير هذا الموضع،
والثاني خاص به دون سواه.
وقال سبحانه: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) .
عامل الشمس والقمر، والليل والنهار معاملة جمع المذكر العاقل.
فأجرى عليها ضميره. لأن الدقة والنظام اللذان يُشاهَدان في سير هذه الكواكب والظواهر الكونية خليق أن يأتى
من حكماء العاقلين، لا من أجرام وظواهر.
وهذا سوغ أن تكون مثلها فعوملت معاملتها.
والخلاصة أن ما يجرى مجرى العقلاء في القرآن الكريم.
إنما هو للمبالغة فى المعنى لتأكيده وتقريره.
وأن كل موضع وردت فيه هذه السمة، اشتمل المقام
فيه ما يسوغ هذا الصنيع في حكم البلاغة.
ليكون المعنى أوقع في النفس، وأيسر في الفهم، وأمثل للنظر.
وليس في هذا الاستعمال مخالفة للوضع اللغوي أو العُرف البياني، وإنما هو مسلك البلغاء الفاقهين لأسرار المعنى وتصاريف الأساليب.
وهو في القرآن على أسمى وجه وأرفع منزلة.
* * *
3 -
نماذج عامة:
تحدثنا في الصفحات السابقة عن لونين من ألوان التعبير القرآني نهج فيهما
منهج التصوبر والتمثيل في النماذج البَشرية السابقة.
ثم حياة الجمادات.
وعرفنا سر كل أولئك.
ونذكر في الصفحات التالية نماذج عامة تجلت فيها هذه السمة
فوهبت الجماد حركة والمعنويات تجسيماً.
والخفيات ظهوراً.