الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
العصر الجاهلي:
وقد نشأت البلاغة كعلم نتيجة للملاحظات التي برزت أمام النُقاد في التراث
العربي الأصيل. بدأت هذه الملاحظات من العصر الجاهلى، ذلك لأن الرواية
العربية تنقل لنا من تلك الملاحظات ضوءاً ينبئ عن إحساس العرب بمواطن الجودة والرداءة في الأساليب الأدبية.
تذكر الرواية العربية أن طرفه بن العبد - الشاعر الجاهلى - عاب قول
الملتمس - أو المسيب بن علس، على خلاف في هذه الرواية - لأنه قال:
وقَد أتناسَى الهمَّ عند احتِضارِهِ. . . بِناجٍ عليه الصيْعَرِّيَةُ مُكْدِمُ
تقول الرواية: إن طرفة حين سمع هذا البيت - وكان طفلاً - قال كلمته
المشهورة: استنوق الجمل. إشارة إلى خطأ في الاستعمال اللغوي لكلمة
" الصيعرية " لأن الشاعر استعملها صفة للجمل، وهي لا تكون إلا صفة
للناقة في العُرف اللغوي. ومن هذه الجهة كان نقده.
ويبدو أن طُرفة كان متعجلاً في نقده. لأن للشاعر مندوحة تصحح له هذا
الاستعمال إذ تنص المعاجم اللغوية على أن اختصاص الناقة بهذا الوصف إنما هو فى لغة اليمن دون لغة الحجاز.
والمتتبع للملاحظات التي كان يدركها النقاد الجاهليون يمكن أن يخضعها
لثلاثة مظاهر. .
أولها: خروج الشاعر عن الواقع أو مراعاة عنصر الصدق في الحديث.
وتطبيقاً لها المبدأ عابوا قول المهلهل بن ربيعة:
فَلوْلَا الريحُ أسْمَعَ مَنْ بحُجزٍ. . . صَلِيلُ البِيضِ تُقْرَعُ بالذكُورِ
لاشتماله على مبالغة مستكرهة، لأن بين " حجر " وهو قصبة اليمامة وبين
مكان الموقعة مسيرة عشرة أيام. ولهذا عدُّوا قوله هذا " أكذب بيت قالته
العرب ".
ذلك لأن العربي لا يميل إلى المبالغة والتهويل في تصوير عواطفه.
وإنما يسير مع الواقع المحسوس، أو يقاربه.
ولهذا - أيضاً - لم يعيبوا قول أوس بن حجر يصف السحاب:
دَانٍ مسِفٌّ فُوَيْقَ الأرض هَيْدَبُهُ. . . يكادُ يَلمسُهُ مَنْ قام بالراحِ
لأنه لم يُغرب في تصويره لدنو السحاب من الأرض، فذلك منظر مألوف فى
صحراء العرب! والنفس العربية مولعة به دائماً لأن فيه أسباب الحياة،
والشاعر حتى مع هذا الإلف، وحب النفس للسحاب، احترس من الغلو فى
المبالغة فأتى بكلمة " يكاد " ليكون معناه مقبولاً.
ثانيها: الربط القوى بين الألفاظ وما تدل عليه. وعليه عابوا قول الملتمس
السابق لأنه خالف العُرف اللغوي فاستعمل اللفظ في غير موضعه. .
وإن التمسنا وجهاً لصحته كما سبق.
ثالثها: النظر في اللفظ من حيث دلالته على معناه الجمالى، ولذلك عاب
النابغة الذبياني قول حسان بن ثابت:
لنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلمَعْنَ بالضُّحَى. . . وأ اصْيَافُنَا يَقْطرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَما
وَلدْنا بَنِى العَنْقَاءِ وابَنْى مُحَرقٍ. . . فَأكْرِمْ بِنَا خالاً وأكْرِمْ بنا أبْنمًا
قال النابغة لحسان: " إنك لشاعر لولا أنك قللتَ جفانك، وفخرتَ بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك، وقلتَ: " يلمعن في الضحى " ولو قلت: " يبرقن فى