الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولنذكر مثالاً آخر من غير هذا النوع. سورة نبحث عن العلاقة بينها وبين
السورة التي قبلها والسورة التي بعدها حسب ترتيبها في المصحف.
وعن العلاقة التي بينها وبين السورة التي قبلها والسورة التي بعدها حسب ترتيبها فى النزول.
أي نبحث فيها من جانبين. هما اللذان أشرنا إليهما:
*
الكوثر وجارتاها في المصحف:
أما السورة فهى قوله تعالى:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) ."
صدق الله العظيم
هذه السورة، هي أقل سور القرآن الكريم في عدد الكلمات والجُمَل.
وتتكون من خبر، ثم أمرين معطوف ثانيهما على أولهما. ثم خبر أيضاً.
ومع قصرها هذا فإنها جمعت بين الأغراض الآتية:
1 -
الامتنان والمدح: (إِنَّا أعْطيْنَاكَ الكَوْثَرَ) المخاطب محمد صلى الله عليه وسلم يمتن الله عليه بأن أعطاه الخير الكثير.
ومن كان كذلك فهو للمدح أهلٌ وموضع.
2 -
الأمر بالطاعات من صلاة ونحر وتقرب لله وشكر له على نعمه:
(فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) .
3 -
الذم: فإن مَنْ كان أبتر لا عقب له فهو مذموم: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) .
هذه ثلاثة أغراض اشتملت عليها هذه السورة القصيرة.
ولا شذوذ في هذا الجمع. وإنما إحكام والتئام.
فالمشركون كانوا يُعبرون النبي محمداً عليه السلام بأنه أبتر لا عَقَبَ له.
فبيَّن الله أنه أعطى محمداً عليه السلام الخير الكثير. ثم أمره أن يصلي لله
وينحر من أجله شكراً له على هذه النعم. . جاء في كتب التفسير:
" أعطيتَ ما لا غاية لكثرته من خير الدارين الذي لم يُعطه أحد غيرك.
ومعطى ذلك كله: أنا إله العالين. فاجتمعت لك الغبطتان السنيتان.
إصابة أشرف عطاء وأوفره من أكرم معط وأعظم منعم.
فاعبد ربك الذي أعزَّكَ بعطائه.
وشرفك وصانك من سوء الخُلق. مراغماً لقومك الذين يعبدون غير الله. وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرتَ مخالفاً لهم في النحر للأوثان ".
وبهذا تبدو قوة المناسبة بين: (إنا أعْطيْنَاكَ الكَوْثَرَ) و: (فَصَل لِرَبكَ
وَانْحَرْ) ، أما مناسبة الخاتمة:(إن شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ) لما تقدمها من
الآيتين المذكورتين فواضحة. وذلك من وجهين:.
أولهما: تكملة السرور للنبى عليه السلام ودفع أقاويل الشرك عنه.
فبعد أن بيَّنَ له أنه أعطاه الخير الكثير، وأمره بفعل الطاعات شكراً له. أعلمه أن الأبتر هو مبغضك وراميك بالبتر.
لأن مَنْ شأنه مثل شأنك ليس بأبتر. فجاءت
الآية تذييلاً تعليلياً لما قرر وثبت.
وثانيهما: رد على مَنْ رمى النبي عليه السلام بالبتر، والسورة مسوقة
لتنفى عن النبي عليه السلام هذه الصفة.
ذلك هو نظام عقد المعاني في نفس هذه السورة. وحدات متآلفة ملتئمة
لا ينكر قوة ربطها لا جاهل أو معاند.
فما هما - إذن - جارتاها في المصحف، وفي النزول. وما الرابط بينهما؟
والجواب: سبقت سورة " الماعون " سورة " الكوثر " في المصحف.
وسورة " الماعون " تقول:
(بسم الله الرحمن الرحيم
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) .
" صدق الله العظيم ".
ولحقت بها سورة " الكافرون " وهي تقول:
(بسم الله الرحمن الرحيم
قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) .
" صدق الله العظيم ".
فى سورة " الماعون " جاء تفسير الذي يُكذبُ بالدين بأنه الذي يَدُع اليتيم
ويزجره ولا يعطف على المسكين ولا يحض على طعامه.
وفي هاتين الصورتين إهانة وحرمان.
وجاء فيها - كذلك - الدعاء بالويل والهلاك للمصلِّين الذين يسهون عن
صلاتهم ويراءون الناس بعملها. ولا يمدون يد العون لأحد.
وفي هاتين الصورتين - السهو والرياء - مخالفة لمبادئ الدين، وفي منع الماعون بخل بغيض.
فجاءت سورة " الكوثر " تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة، تلك التي أضاعها الكذب بالدين، وتأمره بالنحر للهِ ليتصدق على المحتاجين، وفي هذه رعاية
لحق اليتيم والمسكين اللذين أضاعهما المكذب بالدين.
وفيه أيضاً تعريض بالمرائين في قوله تعالى: (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ)
حيث أمره الله بأن يصلى له لا لغيره. . . وبأن ينحر لوجهه، لا ليقال إنه كريم معطاء. . أرأيت إلى أى مدى تتوثق عرى السورتين
هذه هي علاقة " الكوثر " بما قبلها: " الماعون "، فما هي: - إذن -
علاقتها بما بعدها: " الكافرون ".
لقد جاءت خاتمة " الكوثر ": (إن شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ) ، وشانئ الرسول
عليه السلام هو الكافر وليس بينه وبين الرسول أسباب عداء سوى الإيمان الذى يدعو إليه الرسول. والكفر الذي عليه الكافر.
وهذا النقص الذي كانوا يرمون به النبي عليه السلام وهو منه براء - نوع
من الحرب النفسية كانوا يوجهونها ضده عله يهون أو يلين.
ذلك هو ختام " الكوثر " فجاء مطلع " الكافرون " نداء إلى أولئك الكفار الشانئين قاطعاً عليهم كل أمل في مصالحة صاحب الرسالة مهما بلغوا من الكيد له:
(قُلْ يَا أيُّهَا الكَافِرُونَ* لَا أعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) . . . الآيات.
وهذه علاقة " الكوثر " بما بعدها - أرأيت نسجاً من القول محكماً كهذا
النسج.؟ لا. . . إنه القرآن وحده.
*
* الكوثر وجارتاها في النزول:
ثم ما هي علاقة " الكوثر " بما سبقها وما لحقها بحسب النزول. لنرى ذلك.
جارتاها في النزول: " العاديات " و " التكاثر "، الأولى سابقة عليها نزولاً
* والثانية لاحقة بها نزولاً، وهي واسطة العقد.
والمناسبة بين الجارتين واضحة. فـ " العاديات " تقول:
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9)
وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11) .
" صدق الله العظيم "
ففى " العاديات " هذه حكم على الإنسان بأنه كافر بنعمة ربه لا يشكرها.
وأنه شاهد على نفسه بذلك. وأنه مولع بحب الخير العاجل راء فيه كل أسباب السعادة والحياة المرضية.
فجاءت " الكوثر " تقول للرسول: إن الله أعطاك خيراً كثيراً. فاعبده
وانحر وتصدق، فإنك لست مثلهم تُعطى فتبطر. وتجمع المال وتحب منه المزيد.
لكن اشكر نعمة ربك بالطاعة والإنفاق.
أليست هذه أوثق رابطة. وأنسب علاقة؟
وتقول " التكاثر ":
(بسم الله الرحمن الرحيم
أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) .
" صدق اللهْ العظيم "