الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
7 - باب في سَرْدِ الحَدِيث
3654 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْريِّ، عَنْ عُرْوَةَ قالَ: جَلَسَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ عائِشَةَ رضي الله عنها وَهِيَ تُصَلّي فَجَعَلَ يَقُولُ: اسْمَعي يا رَبَّةَ الحُجْرَةِ، مَرَّتَيْنِ. فَلَمَّا قَضَتْ صَلَّاتَها قالَتْ: أَلا تَعْجَبُ إِلَى هذا وَحَدِيثِهِ إِنْ كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ليُحَدِّثُ الحَدِيثَ لَوْ شاءَ العادُّ أَنْ يُحْصِيَهُ أَحْصَاهُ (1).
3655 -
حَدَّثَنَا سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ المَهْريُّ، أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهابٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عائِشَةَ زَوْجَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَتْ: أَلا يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ حُجْرَتي يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُسْمِعُنِي ذَلِكَ وَكُنْتُ أُسَبِّحُ فَقامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتي وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الحَدِيثَ مِثْلَ سَرْدِكُمْ (2).
* * *
باب في سرد الحديث
[3645]
(حَدَّثَنَا محمد بن منصور) بن داود أبو جعفر (الطوسي) نسبة إلى طوس، قرية من قرى بخارى، قال بحضرة جماعة من المحدثين والزهاد: صمت يومًا وقلت: لا آكل إلا حلالًا فمضى ولم أجد شيئًا، فواصلت اليوم الثاني والثالث والرابع، حتى إذا كان عند الفطر قلت: لأجعلن فطري الليلة عند من يزكي الله طعامه، فصرت إلى معروف الكرخي فسلمت وقعدت حتى صلى المغرب وخرج من كان
(1) رواه البخاري (3567)، ومسلم (2493) بعد حديث (3003).
(2)
رواه مسلم (2493)، وعلقه البخاري (3568).
معه في المسجد، فالتفت إلى وقال: يا طوسي، تحول إلى أخيك فتعش عنده. فقلت في نفسي: صمت أربعة وأفطر على ما لا أعلم. فسكت عني، ثم قال: تقدم إلى. فتحاملت وما لي تحامل من شدة الضعف، فأخذ كفي فأدخلها في كمه فأخذت من كمه سفرجلة معضوضة فأكلتها، فوجدت فيها طعم كل طعام طيب، واستغنيت بها عن الماء، وما أكلت منذ ذلك حلوا ولا غيره إلا أصبت فيه طعم تلك السفرجلة، [ثم أنشدكم بالله إن حدثتم بهذا وأنا حي (1). وسئل إذا أكلت وشبعت، ما شكر تلك النعمة؟ ](2) قال: أن تصلي حتى لا يبقى في جوفك منه شيء (3).
وثقه النسائي (4) وغيره، وأثنى عليه أحمد (5).
(ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة) بن الزبير رضي الله عنه (قال: جلس أبو هريرة رضي الله عنه إلى جنب حجرة) أي: بيت (عائشة رضي الله عنها وهي تصلي فجعل) أبو هريرة يحدث و (يقول: اسمعي يا ربة) بفتح الراء، أي: صاحبة (الحجرة) وهي البيت، يريد به عائشة، وكان ذلك ليسمعها ما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم، إما ليذكرها بما تعرفه أو يفيدها ما لم تسمعه؛ فقد كان أبو هريرة يحضر مع النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن لم تكن تحضرها عائشة، بل
(1) رواها المزي في "التهذيب" 26/ 502.
(2)
ما بين المعقوفين ساقط من (م).
(3)
انظر: "سير أعلام النبلاء" 12/ 213.
(4)
روى ذلك عنه الخطيب في "تاريخه" 3/ 250.
(5)
انظر ترجمته في "جامع علوم الإمام أحمد" من تصنيفنا بدار الفلاح 19/ 62.
كان لأبي هريرة من ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يكن لغيره من الصحابة؛ لما اتفق له من الخصوصية التي أوجبت له الحفظ ما لم يتفق لغيره، فكان عنده من الحديث ما لم يكن عندها، لكن عائشة أنكرت عليه سرد الحديث كما سيأتي.
(مرتين) يعني: إعادة "اسمعي يا ربة الحجرة، اسمعي يا ربة الحجرة" مرتين كما في مسلم (1)، فأعاد نداءها مرتين تقوية للكلام بإقرارها ذلك وسكوتها، ولم تنكر ذلك؛ لكونها كانت في الصلاة (فلما قضت صلاتها قالت: ) لعروة بن الزبير (ألا تعجب) لفظ مسلم: ألا تسمع (2)(إلى هذا وحديثه) لفظ مسلم: ومقالته آنفا (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحدث الحديث لو شاء العاد) بتشديد الدال، يعني: الذي يريد أن يعده لعده من قلته وترتيله وإعادته. فأنكرت على أبي هريرة الإكثار من الحديث في المجلس الواحد، ولذلك قالت عائشة: ما كان يسرد الحديث كسردكم (3)، إنما كان يحدث حديثًا لو شاء عده العاد وأراد (أن يحصيه) أي: يحصره ويضبطه بالعدد و (أحصاه) جميعه وأحاط بجملة كلماته أو حروفه؛ لمبالغته في الترسل والترتيل وبيان الحروف، بخلاف ما هو مشاهد في هذا الزمان كثيرًا.
[3655]
(حَدَّثَنَا سليمان بن داود المهري) بفتح الميم نسبة إلى مهرة ابن حيدان قبيلة من قضاعة (أنا) عبد الله (ابن وهب قال: أخبرني يونس
(1)"صحيح مسلم"(2493).
(2)
"صحيح مسلم"(2493).
(3)
هذا اللفظ يأتي في الحديث الذي بعد هذا.
عن) محمد (ابن شهاب أن عروة) بن الزبير (حدثه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ألا) بتخفيف اللام معناها هنا والله أعلم: التوبيخ والإنكار، كقول الشاعر:
أَلا ارْعِوَاءَ لَمنْ وَلَّتْ شَبِيبَتُهُ
…
وآذَنَتْ بِمَشيبٍ بَعْدَهُ هَرَمُ (1)
أي: ألا رجوع إلى الأعمال الصالحة والإقبال على الله تعالى لمن ذهب شبابه وأقبل هرمه، والأظهر أن تكون للعرض والتحضيض على التعجب من أبي هريرة، كقوله:{أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} (2) وتختص هذِه بالجملة الفعلية (يعجبك أبو هريرة جاء فجلس إلى جانب) لفظ البخاري: جنب (3)(حجرتي) يحدث أي: يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (ويسمعني ذلك) بقوله (اسمعي يا ربة الحجرة) وكنت أسبح. أي: أصلي صلاة نفل.
(فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه) كثرة حديثه، ثم ذكرت دليلها في الرد عليه (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث) أي: يتابع بعضه بعضًا بسرعة ويستعجل فيه، ومنه: أنه كان يسرد الصوم سردًا (4). أي: يواليه ويتابع بعضه بعضًا، وقيل لأعرابي: أتعرف الأشهر الحرم؟ فقال: ثلاثة سرد وواحد فرد. (سردكم) ظاهره أي:
(1) هذا البيت ساقط من (م).
(2)
التوبة: 13.
(3)
"صحيح البخاري"(3568) وفيه: جانب. لا خلاف فيها عند أحد من الرواة كما في اليونينية، إنما اللفظ الذي ذكره المصنف في "صحيح مسلم"(2493).
(4)
أورده ابن الأثير في "النهاية" 2/ 358.
مثل سردكم الحديث. وظاهره أن الصحابة كانوا أيضًا يسردون الحديث، وأن أبا هريرة منهم.
قال القرطبي: أنكرت عائشة سرد الحديث والإكثار منه، وقد سلك هذا المسلك كثير من السلف، فكانوا لا يزيدون على عشرة أحاديث ليست بطوال في المجلس الواحد، وقد كره الإكثار من الأحاديث كثير من السلف مخافة ما يكون في الإكثار من آلافات.
روي عن عمر أنه قال: أقلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا شريككم (1). وكان مالك يقول: وأنا أقل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد عاب كثير من الصحابة على أبي هريرة الإكثار من الحديث حتى احتاج إلى الاعتذار عن ذلك والإخبار بموجب ذلك حين (2) قال: إن ناسًا يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آية في كتاب الله ما حدثت حديثًا .. ثم قال: إن إخواننا من الأنصار .. الحديث (3).
ودخل مالك على ابني أخيه أبي بكر وإسماعيل ابني أبي أويس وهما يكتبان الحديث، فقال لهما: إن أردتما أن ينفعكما الله بهذا الأمر فأقلا منه، وتفقها. ولقد جاء عن شعبة أنه قال لكتبة الحديث: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون (4)؟
وقال القرطبي: ويظهر من قول شعبة أنه قصد تحذير من غلبت عليه
(1) رواه الطحاوي في "مشكل الآثار" 15/ 317.
(2)
ساقطة من (م).
(3)
انظر: "صحيح البخاري"(118).
(4)
انظر: "المفهم" 6/ 710.
شهوة الحديث، وكتابته وروايته حتى يحمله ذلك على التفريط في متأكد المندوبات من الصلوات والأذكار والدعوات؛ حرصًا على الإكثار، وقضاء الشهوات والأوطار، وهذِه وصايا السلف وسنن أئمة الخلف، قد نبذها أهل هذا الزمان، فترى الواحد منهم كحاطب ليل، وجالب رجل وخيل، فيأخذ عمن أقبل وأدبر من العوام وممن لم يسعد بشيء من هذا الشأن، غير أنه قد وجد اسمه في طبقة السماع على فلان، أو أجاز له فلان، وإن كان في ذلك الوقت في سن من لا يعقل من الصبيان، ويسمون مثل ذلك بالسند العالي، وإن كان باتفاق السلف والخلف من أهل العلم أنه في أسفل سفال، وكل ذلك قصد الاشتهار، ولأن يقال: انفرد فلان بعالي الروايات والآثار.
ومن ظهر منه أنه على تلك الحال فالأخذ عنه حرام وضلال، بل الذي يجب الأخذ منه من اشتهر بالعلم والإصابة والصدق والصيانة، ممن قيد كتب الحديث المشهورة والأمهات المذكورة التي مدار الأحاديث عليها ورجوع أهل الإسلام إليها (1)، فيعارض كتابه بكتابه، ويقيد منه ما قيده، ويهمل ما أهمله، فإن ذلك الكتاب ممن شرط مصنفه الصحة كمسلم والبخاري، أو ميز بين الصحيح وغيره كالترمذي، وجب التفقه في ذلك والعمل به.
وإن لم يكن كذلك وجب التوقف إلى أن يعلم بحال أولئك الرواة إن كانت له أهلية البحث في الرجال، وإما بتقليد من له أهلية ذلك، فإذا
(1) ساقطة من (م).
حصل ذلك وجب التفقه والعمل، وهو مقصود الأول وعليه المعول، ومن علامات عدم التوفيق البقاء في الطريق من غير وصول إلى التحقيق، انتهى (1).
قلت: وكتاب أبي داود هذا ملحق بالترمذي؛ فإنه قد بين فيه الضعيف، فما سكت عنه فهو صالح، كذا قال، والصالح قد يكون صحيحًا وقد يكون حسنًا، بل يقال: إن ما سكت عنه ملحق بـ "صحيح البخاري" و"مسلم" في العمل به، فإن الحسن ملحق بأقسام الصحيح في الاحتجاج به، وإن لم يكن دونه في الرتبة، قال ابن الصلاح: ومن أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن ويجعله مندرجًا (2) في أنواع الصحيح؛ لاندراجه في أنواع ما يحتج به. قال: وهو الظاهر من كلام الحاكم من تصرفاته، والله أعلم.
* * *
(1)"المفهم" 6/ 710 - 711.
(2)
في (ل)، (م): مازحًا. والمثبت من "مقدمة ابن الصلاح"(ص 20).