الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ورُدَّ هذا بأنَّ الرسل مهما كثرت كانت عقوبة مكذبيها أشدّ، وقوم موسى
كفروا بموسى فقط، والنصارى كفَروا بعيسى وهو بعد موسى فعذابه أشد.
لأنه سبقه من الأنبياء كثيرون دَعَوْا إلى مثل ما دعا هو قومه.
(فتَمتَّعوا) : أي في الدنيا.
وهذا على وجه التهديد لمن عقل.
(فهو وَلِيّهم اليوم) :
فسره الزمخشري بوجوه:
منها أنَّ الضمير راجعٌ لكفار قريش، وأنه زَيّن لآبائهم أعمالهم فهو وليّ هؤلاء، لأنهم منهم، فعلى هذا يكون الألف واللام في اليوم لتعريف الحضور، وعلى الوجوه الأخر التي ذَكَر هو وغيره تكون إما لتعريف الماهية، أو لتعريف العهد.
(فأحْيَا بهِ الأرْضَ) :
الفاء للتعقيب، وخصوصا في مكة، لحرارة أرْضها كما قدمنا أنها تصبح أرضها خضراء بصب المطر أول الليل.
(فَرْثٍ ودَمٍ) :
قد قدمنا فيما نقلناه عن الزمخشري أنَّ الفرث ما في الكرش من القذر، وهذا من عجيب القُدرة أن اللبن متوسط بين الفَرْث والدم، ولا يغيِّران له لوناً ولا طعماً ولا رائحة.
قال أبو حيان: (من بين فَرْث ودم) حال من ضمير (نسقيكم) ، أي خارجا من بين فَرْث ودم.
وقيل متعلق بـ (نسقيكم) المقدر، إذ لا يتعلق مجروران بفعل واحد.
ويجوز هنا لاختلاف معناهما، لأن من الأولى للتبعيض، والثانية لابتداء الغاية.
(فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) :
في هذه الآية دلالة على الوحدانية، كأنًّ الله يقول: أنتم لا تسوُّون بين أنفسكم وبين عبيدكم، ولا تجعلونهم شركاء لكم، فكيف تجعلون عبيدي شركاء لي؟
والآخر أنها عتاب وذمّ لمن لا يحسن إلى مملوكه حتى يرد ما رزقه الله عليه، كما جاء في الحديث:" أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون ".
وفيها دليل على صحة
إطلاق لفظ البعض على النصف وعلى أكثر منه، لأن الفاضل أكثر رزقا من
المفضول.
وحكي الخلاف في البعض: هل يطلق على النصف أم لا؟
فإن قلت: التفاوتُ إنما هو في الرزق التكميلي الزائد على ما يُقيم الرّمَق
ويستر البدن.
وأما الحاجِيّ فهم فيه مع المماليك مستوون، فهلا قيل: فما الذين
فُضّلوا برادّي فَضْل رِزْقهم، كما قال: (والله فَضّل بعضَكم على بعض في
الرزق) ؟
والجواب: لو قيل: فما الذين فضلوا برادّي فَضْل رزقهم لكان فيه غثاثةٌ
لتكرار لفظ الفضل ثلاث مرات، وهذا يقال له في علم البيان الاستخدام، وهو أَن يعبَّر باللفظ عن غيره خوْفَ السآمة والملَل.
وأيضا فضل الرزق أخصّ من الرزق، فاستعمل الأخص في الثبوت، والأعم في النفي، لأن نفي الأعمّ يستلزم نَفْي الأخص.
فإن قلت: لفظ الردّ يقتضي سابقية: الملك والحوز، والمماليك لم يكن لهم ذلك بوجْه، فهلا قيل: فما الذين فضِّلوا بمعْطين رزقهم لما ملكت أيمانهم، وهذا نحو ما أوردوا في قوله تعالى، (أو لتعودُنَّ في مِلَّتِنا) ؟
والجواب: أنه إشارةٌ إلى تأكيد النفي، وأن هذا امتنعوا من إعطائه للمماليك
يمكن إن كان يكون للمماليك بدلا عنهم، فكانوا قابلين لأن يملكوه، لأن الذي أعطاه لسادتهم كان قادراً على إعطائه لهم دون ساداتهم بناء على أنَّ من ملك أن يملك يعدّ مالكاً، وإن فسرنا الرزق بما منعه السادات مماليكَهم في قوله:(فما الذين فُضّلوا برادّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم) فتكون النعمة في قوله: (أَفَبِنعْمَة الله) - الرزق.
وإن جعلناه تمثيلاً، أي كما أنِفوا أن يشاركَهم أحَدٌ في رزقهم كذلك ينبغي ألَاّ يجعلوا مع الله شريكاً، فيكون المعنى أفبالدَّلائل الدالة على وحدانية الله يجحدون.
وانظر إذا ردّوا كلَّ رزقهم عليهم لا يكونون فيه سواء، وإنما يستوون معهم
بردّهم عليهم نصفَ فَضْل رزقهم، فإما أن يكونَ على حذف مضاف، أو يكون
الرزق مضافاً إلى ضمير ما ملكت أيمانهم، ويكون الذين فَضَّلُوا به مملوكهم هو رزق مملوكهم الذي يساوِيهم به في نفس الأمر.
(فلا تَضْرِبوا للهِ الأمْثَال) :
الضمير يعود على مَنْ عبد غير اللَه وأشركوهم في العبادة، مع أنهم لا يملكون شيئاً، فنبههم سبحانه بهذه الأمثال والمواعظ ليتنبّهوا ويرجعوا، لكن من المصيبة خطاب غير العاقل، والعاقل تكفيه الإشارة، ولا يستغرب هذا في حقهم، لأنَّا مثلهم في عدم الفهم والإدراك.
(فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) :
إما أن المراد به الكفار باعتبار من سيؤْمِنُ منهم وهم أقلّهم، فأقلهم يعلمون، وإما أن يراد به الأصنام، وعبَّر بالأكثر عن الكل، وهو بعيد.
ويحتمل أن يكون الحمد للَه من كلام الله تعالى، أثنى على نفسه بنفسه، أو
أمْرًا للنبي صلى الله عليه وسلم خاصا به، أو عامًّا له ولأمته: قولوا الحمد للَه على ما أنعم علينا، بأنْ هدانا ووفّقنا.
وفي قوله: (يَسْتَوُون) دليل لمن يقول: إنَّ أقلَّ الجمع اثنان كما قدمنا.
ونَفْيُ المساواة يقع في القرآن على وجهين: تارة مطلقاً كهذه الآية، وكقوله:(هل يَسْتَوي الذين يَعْلَمون والذين لا يَعْلمون) ، وتارة مع تعيّن الأرجح، كقوله: (لا يستوي أصحاب النارِ وأصحاب الجنةِ أصحابُ الجنة هم
الفائِزون) .
وكقوله: (لا يَسْتَوِي منكم مَن أنْفَق مِن قَبلِ الفَتْح) .
وإنما لم يعين هنا الأفضل لظهوره قبل، وكذلك كل أحد يعلم أنَّ أصحاب الجنة هم الفائزون.
وذلك أنَّ أصحاب النار يدخل فيهم العُصاة من المؤمنين والكفار، فهل قصد تفضيل أصحاب الجنة بالإطلاق على أصحاب النار بالإطلاق، أو على الكفار، فلما أعيد ذكر الأفضل علم أن المراد بأصحاب النار أصحابها حقيقة، وهو من حُكمَ عليه بالخلود فيها.
فإن قلت: الآية خرجت مخرج المدح لفاعل ذلك، فَهَلَاّ ذكر فيها صدقةَ
السرّ فقط، لأنها أفضل؟
والجواب: أنه قصد التنويه على كثرة إنفاقه ومبادرته إلى أفعال البِرّ كيفما
أمكنه، وبدأ بالسر، لأنه أفضل.
(فكفَرَتْ بأنْعُمِ الله) :
الضمير للقرية المذكورة في المثل.
واختلف فيها، فقيل مكة، لأنها كفرت بنبوءة محمد صلى الله عليه وسلم، فأصابهم الجَدْب والخوف من غَزْو النبي صلى الله عليه وسلم إليهم.
وقيل: إنما قصد قريةً غير معينة أصابها ذلك، فضرب الله بها مثلاً، وهذا أظهر، لأن المراد وعظ أهلِ مكة بما جرى لغيرهم، والضمير في قوله:(فأذاقَها الله لِبَاسَ الجوع والخَوْف) لأهل القرية: فاعل قوله: بما كانوا يصنعون.
والإذاقة واللباس هنا مستعاران، أمّا الإذاقة فقد كثرَ استعمالها في البلايا حتى صارت كالحقيقة.
وأما اللباس فاستعير للجوع والخوْف لاشتمالهما على اللّابس ومباشرتهما له كمباشرة الثوب.
(فحقً عليها القَوْلُ) ، أي القضاء الذي قضاه الله.
والضمير يعود على القرية التي أمر مُتْرَفيها ففسقوا فيها، أي قضينا عليه بالفِسق.
وعلى قراءة مدّ الهمزة من (آمرنا) فهو بمعنى كثّرنا.
وقراءة أمَّرنا - بتشديد الميم فهو من الإمارة، أي جعلهم أمراء ففسقوا.
(فَضَلْنَا بعْضَهم على بَعْضٍ) :
أي في رزق الدنيا، ليتخذ بعضهم بعضاً سخْرياً.
(فَاسأَلْ بني إسرائيل إذْ جاءَهم) :
هذه الآية خطاب لنبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، ومعناها سلَ الْمعاصرين لكَ من بني إسرائيل عما ذكرنا من قصة موسى، لتزدادَ بذلك يقينا.
وقال الزمخشري: المعنى قلنا لموسى: سَلْ بني إسرائيل من فرعون، أي اطْلُب منه أنْ يرسلهم معك، فهو كقوله:(أرسل معي بني إسرائيل) .
أو سلهم أن يعضدوك ويكونوا معك.
وهذا أيضاً على أن يكون الخطاب لموسى.
والأول أظهر.