الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واختلف العلماء في ذلك، فحمل مالك والشافعي الإطعام على ما قبله، ورأى أنه لا يكون إلا قبل المسيس، وجعل ذلك من المطلق الذي يحْمَل على المقيد.
وقال أبو حنيفة: يجوز للمظاهر إذا كان من أهل الإطعام أن يطَأ قبل الكفَّارة، لأنَّ الله لم ينص في الإطعام أنه قبل المسِيس.
(يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) :
أمّا إخرابُ المؤمنين فهو هَدْم أسوارِ ألحصون ليدخلوها، وأسند ذلك إلى الكفار في قوله:(يُخْرِبُونَ) ، لأنه كان بسبب كفرهم وغَدْرِهم، وأما إخرابُ الكفار لبيوتهم فلثلاثةِ مقاصد:
أحدها حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدّوا بها أفواهَ الأزقّة
ويحصِّنوا ما أخْرَبه المسلمون من الأسوار، والآخر ليحملوا معهم ما أعجبهم من الخشب والسَّواري وغير ذلك.
والثالث ألَاّ تَبقى مساكنهم مبنيّة للمسلمين، فهدَموها شُحًّا عليها.
(يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) :
بالقتل والفيء والأسْرِ وغيرها.
(يثْقَفوكم) .:
يظفروا بكم.
(يَنْهَاكُم اللَّهُ عن الذين قاتَلوكم في الدين) :
هم كفار قريش، والآية في النهي عن الإحسان إليهم والتحبّب إليهم.
وأما مَنْ لم يقاتل فقد قدمنا في حرف اللام أنَّ الله رَخَّص للمسلمين في صلتهم.
وقد صحَّ أن أسماء بنت أبي بكر قالت: يا رسولَ الله، إنَّ أُمِّي قدمَتْ عليَّ وهي مشركة أفأصلها؟
قال: صِلِي أُمَّك.
(يَئِسُوا من الآخِرَة) .
أي من خيرها والسعادة فيها.
(يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدِّقا) .
هذا القول من عيسى عليه السلام تعريضٌ لهم واستدعاء لهم أن يتديَّنوا بدينه، وأن يصدفوا بما صدَّقَ به.
(ومصدقاً) حال مؤكدة، (ومبشراً) ، عطف عليه.
والمعنى أرسلتُ إليكم في حال تصديقي بما تقدمني من التوراةِ وفي حال
تبشيري برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، وأن ديني التصديق بكتاب الله
وأنبيائه جميعا ممَّنْ تقدّم أو تأخّر.
فإن قلت: لمَ لمْ يقل: يا قوم، كقول موسى عليه السلام: (يا قومِ لم
تُؤْذُونَني) ؟
والجواب أنَّ عيسى عليه السلام لما نسبَ له فيهم، فيكونوا قومه، إذ لم يكن
له فيهم أب.
فإن قلت: لم جاء قولُ عيسى عليه السلام فيما يرجع إلى التوراة بلفظ
التصديق، وفيما يرجع إلى النبي عليه السلام بلفظ البشارة، ولِمَ قال:(مصدقاً) بالتوراة ولم يقل بموسى؟
قلت: المراد أنْ يخبر عليه السلام بأنه مصدّق بمَنْ تقدم وتأخر من رُسله
وكتبه، فجاء لفظُ التصديق بالتوراةِ على الأمر المقصود، والتصديق بالتوراة
يستلزمُ التصديقَ بمَنْ جاء بها، وكأنه نزَّهَ الرسولَ الذي جاء بها عن أن يُسْتَراب برسالته حتى يحتاج إلى مَنْ يصدقه ممن هو مثله.
ولما كان مجيء محمدٍ صلى الله عليه وسلم أمراً منتظرا حَسُنَ التبشير به، والبشارةُ به تتضمَّن تصديقَه سيما وقد سمَّاه رسولا وعرفه بأحمد، الاسم المسمَّى به في السماء عند الملأ الأعلى، وهو أفخم للمسمى، وأبلغ في تفخيمه.
وهنا نكتة لطيفة، وهي أنَّ المبشَّر به يشعر بأن البشارة به تقتضي بأنه يأتي
بأمور فيها البشرى لمَنْ جاءهم بها وقبلوها منه.
قال ابن عطية: وهو في هذه الآية الكلمة لا الشخص، وليست على حدِّ قولك: جاءنا أحمد، لأنك ها هنا أوقعْتَ الاسْمَ على مسمَّاه، والآية إنما أراد فيها باسمه هذه الكلمة.
ووقع للفخر في سورة الحمد مناسبة اشتقاق اسمه أحمد ومحمد من الحمد، لأنه أول ما خلق الله العقل، فكان أول ما نطق به الحمد، وكان آخر الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام، فناسب الخَتْم أن يكونَ من نوع المبدأ، فاشتقَّ له من الحمد اسمان: محمد وأحمد، فأهل السماه هو أحمدهم، وأهل الأرض هو محمدهم.
فإن قلت: لم أخَّرَه صلى الله عليه وسلم وهو أفضل الخلْق؟
والجواب لخصائصه وخصائص أمته، منها أن مَنْ تقدم ظهرت فيهم الصناعة
المحتاج إليها، فظهرت الحراثةُ من آدم، والخياطة من إدريس، والنجارة من
نوح، والقيانة من داود، والخرازة من إلياس، وغير ذلك من الصنائع التي احتيج إليها، فجاءت إليهم مهذَّبة، ومنها لئلا يطلع على مساويهم أحدٌ من الأمم.
ومنها لئلا يطول مكثهم في التراب.
ومنها ليكونوا شهداءَ على مَنْ تقدّم، وغير ذلك من الخصائص التي نالوها بسببه صلى الله عليه وسلم ويطول ذكرها.
فإن قلت: هل لتسميته في الأحزاب حكمةٌ، لأنها مخالفة لتسمية عيسى؟
فالجواب: أنهم كانوا لا يعرفون في الكتب الماضية إلا هذا الاسم، وسِرّ
تسميته به أنه أشار إليهم فيها بأنه أحمدهم، وهذا الاسم لمْ تغيره ألسنةُ العامة، لأنهم يقولون محمد بفتح أوله أو بضم أوله، ويستعظمون ذِكْره على وجهه
للمواطأة فيه، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم للتغيير نسبة، إذ قال:" إنَّ الله صرف عني إيذاءَ قريش وسبَّهم، يسبّون ويذمُّون مذمَّما، وأنا محمد ".
ولما اتصف نبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم بكونه أباً للمؤمنين في سورة الأحزاب، لأنهم كانوا لا ينادونه إلا بهذا الاسم تجد المؤمن إذا دهمه أمْرٌ أو حدث له حادث لا يفزع إلا لهذا الاسم الشريف، إذ لا أحسن للإنسان من أبيه عند الفَزع.
وبهذا يندفع ما نحا إليه النووي في الأذكار حيث يزعم أنه لا يذكر اسمه عند العشرة فما فوقها، ولعلَّ السرَّ في هذه الآية هو من ناحية نفْيِ أبوَّة الأشباح، وصحة كونه أباً للأرواح مع كونها مقتضية للرسالة، وختم النبوءة.
وفي شرح البخاري لابن بطال أنَّ الأبوة أشهر من الأمومة، بدليل:(ادْعُوهُم لآبائِهم)، وللحديث:" ينصب للغادر لواء يوم القيامة ثم يقال: هذا لواء فلان ابن فلان ".
وإنما فرع من قال بالنسبة للأم، لأنه رأى الستر يوم القيامة أدْخَل في باب الإغضاء، وفيما قاله نظر، إذ الأبوة نسبة ظنّية والأخرى يقينية.