الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وردَّ تعلقهم، لأن المعنى أنَّ نوحاً عليه السلام لم يعلم هل هم ممَّنْ
يؤخر أو ممن يعاجل، ولا قال لهم إنكم تؤخرون عن أجل قد جاء، لكن سبق في الأزَل أنهم إما ممن قضِي له بالإيمان والتأخير أو ممن قضِي له وعليه بالكفر والمعاجلة، فكان الاحتمال يقتضيه ظاهر الآية إنما هو يبرزه الغَيْب من حالهم، إذ يمكن أن يبرز إما الإيمان والتأخير وإما الكفر والمعاجلة، وأمَّا ما عند الله فالحال الذي يكون منهم معلوم مقدَّر محتوم، وأجلهم كذلك معلوم مقدَّرٌ محتوم.
فإن قلت: ما المانع من كون (من) للغاية، أعني الابتداء والانتهاء.
كقولك: أخذت المالَ - من الصندوق؟
والجواب لا يصح هنا، لأنَّ الصندوق غير مأخوذ، بل مأخوذ منه، فيلزمِ
هنا أن تكونَ الذنوب غير مغفورة، ونقل عن أبي الربيع أنه إشارة إلى أنّ
الإسلامَ يحبط ما قبله.
وردّ بأنه يلزم صدق الذنوب على الماضي والمستقبل، لأن
الخطابَ للكفار، فيلزم المجاز، لأن الآتي لم يعملوه، فكيف يصدق عليه أنه
ذنوب قبل الفِعْل.
ونقل عن ابن عصفور أنه قال: يغفر لكم جملةً من ذنوبكم.
ورد بأن تلك الجملة بعض الذنوب، فلا حاجةَ إلى تقديرها، ولفظة من النائبة مناب بعض يغني عنها.
فتأمل يا محمديّ هذه العناية الربانية بكَ حيث خاطب هذه الأمّة، قال في
حقهم: (يغْفِرْ لكم ذنوبكم) ، وحيث خاطب الأمم المتقدمة أنبياؤهم خاطبوهم بالبعض، لتعلم الفَرْقَ بين خطاب المولى الكريم من خطاب عبيده.
(يقول سَفِيهنَا على الله شَطَطاً) :
هذا من كلام الجنّ، والمراد بالسفيهِ أبوهم إبليس.
وقيل هو اسْمُ جنس لكلّ سفيهٍ منهم، وهو المختارُ عند ابْن عطية.
(يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ) :
الضمير يعود على العرب، لأنهم كانوا إذا حلَّ أحدهم بوادٍ صاح بأعْلَى صوته: يا عزيز هذا الوادي، إني أعوذ
بك من السفهاء الذين في طاعتك، ويعتقد أن ذلك الجني الذي بالوادي يحميه، وهذا جهلٌ منهم وإنكار للربوبية، ولذلك قال الله:(فزادوهم رهقا) .
(يَدْعُوه) :
الضمير لعبد الله المتقدم.
وقد قدمنا مراراً أنَّ اللهَ سمّاه هذا لإضافته للتشريف والتكريم.
وقال الزمخشري: إنما لم يقل الرسول أو النبي لأن هذا وقع في كلام رسول الله عن نفسه، لأنه مما أوحي إليه، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم نَفْسَه على ما يقتضيه التواَضع والتذلل، وهذا بعيد مع أنه إنما يتمكن
على قراءة أنه لما قام بفتح الهمزة فيكون عطفاً على (أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ) .
وأمّا على القراءة بالكسر على الاستئناف فيكون إخبارا من الله، ومن جملة كلام الجن، فيبطل ما قاله.
(يكونون عليهِ لِبَداً) :
يحتمل أن يكون الضمير للكفار من الناس، أيْ كادوا يجتمعون على الرد إليه وإبطال أمْرِه، أو يكون للجن الذين استمعوا، أي كادوا يجتمعون عليه لاستماعِ القرآن للتبرُّك به.
(يَجعل له رَبِّي أمَداً) .
أي لا أدري أقريب ما توعدون مِن قتلكم يوم بَدْر أو موتكم بعد، ولذلك قال:(عالمُ الغيب) ، يعني هذا أمر مغيب.
(يوم تَرْجفُ) .
العامل في يوم معنى الكلام المتقدم، وهو (إنَّ لدينا أنْكالاً) .
(يجعَل الوِلْدَان شِيباً) .
يعني أن الأطفال يشيبون يوم القيامة من شدَّة الهول، فقيل إن ذلك حقيقة، وقيل إنه عبارة عن هَوْل ذلك اليوم، وأخذ من الآية أنَّ الهمَّ يسرع الشيب، وهذا مشاهَد في كثيَر من الأشخاص في كل عصر.
وقد رأينا مَنْ شاب من هَمِّ ساعة، ورأينا حكايات شتّى أنهم شابوا من ذلك، فإذا كان هذا في الدنيا المنْقَرِضة همومها،
لا خيرها يدوم ولا شرها يبقى، فما بالك بيوم تذهل فيه كلّ مرضعةٍ عمّا أَرضعت، ويفرّ المَرءُ من أخيه!
اللهم لا محيص من هَوْله إلَاّ بك، ولا مَفَرّ منه إلا بعفوك، فاجعله لنا يوم رحمةٍ لا يوم نِقْمة، إليك المشْتَكى، وبكَ المستغاث، وعليك التكلان، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بك.
(يَطمَعُ أَنْ أَزِيد) .
أي يطمع في الزيادة على ما أعطاه الله، ويظن أن حِرصَه واجتهاده يوصّله لمراده، وهذا غاية الجهل، ولذلك قال مهدّداً له:(كلا إنه كان لآياتنا عَنِيداً) .
(يقول الذين في قلوبهم مَرَضٌ والكافرون) :
المراد بالأولين المنافقون، لأنه وصفهم بمرض قلوبهم.
فإن قلت: ذلك في البقرة، وهذه الآية مكية، فكيف يصحّ إطلاقها عليهم
وليسوا بها؟
والجواب: أن معناه يقول المنافقون إذا حدثوا، ففيه إخبار بالغيب، أو يريد
مَنْ كان بمكة من أهل الشك.
(لِيَفْجُرَ أمَامَه) .
أي يفعل أفعالَ الفجور.
وفي معنى " أمامه " ثلاثة أقوال:
أحدها أنه عبارة عما يستقبل من الزمان، أي يفجر بقيةَ عمره.
الثاني أنه عبارة عن اتباع أغراضه وشهواته، يقال: مشى فلان قدَّامه إذا
لم يرجع عن شيء يريده، والضمير على هذين القولين يعود على الإنسان.
الثالث أَن الضمير يعود على يوم القيامة.
والمعنى يريد الإنسان أن يَفْجرَ قبل يوم القيامة.
(يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) .
أي يسأل الإنسان على وجه الاستخفاف والاستهزاء متى يوم القيامة.
وهذا لِجَهلِه إما على أن من مات فقد قامت قيامتُه وهو يشاهد الموت بَغْتة، فكيف يستبعدها وليس الخبر كالمعاينة.
لكن الجاهل أعمى، ولا يقال لهذا جاهل بل أحمق.