الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(قال إن فيها لوطاً) :
ليس إخبارا بأنه فيها، وإنما قصد نجاةَ لوط من العذاب الذي يصيب أهلَ القرية وبراءته من الظلم الذي وُصفوا به، فكأنه قال: كيف تهلِكون أهْلَ هذه القرية وفيها لوط، وكيف تقولون: إنهم ظالمون وفيهم لوط؟
(قَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ) :
الضمير لعيسى، وذلك أنهم قالوا: إن كان عيسى يدخل النارَ فقد رضينا أن نكونَ وآلهَتنا معه، لأنه خير من آلهتنا.
وقيل: إنهم لما سمعوا ذِكْرَ عيسى قالوا: نحن أهْدَى من النصارى، لأنهم عبدوا آدميًّا، ونحن عَبَدْنَا الملائكةَ فمقْصِدهم تفضيل آلهتهم على
عيسى.
وقيل: إن قولهم: (أم هو) يَعْنون محمداً صلى الله عليه وسلم، فإنهم لما قالوا إنما يريد محمدٌ أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى قالوا:(أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ) - يريدون تفضيلَ آلهتهم على محمد، والأظهر أنَّ المرادَ بـ (هو) عيسى.
وهو قول الجمهور، ويدلّ على ذلك تقدم ذكْرِهِ.
(قوم خَصِمون) :
هذا من قول الله لهم، يعني يريدون أن يغالطوك في عيسى وإنما هو عَبْدٌ أنْعَمْنا عليه بالنبوة وَالمعجزات وغير ذلك.
(قال الذين كفَروا للّذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونَا إليه) :
القائلون لهذه المقالة هم أكابِر قريش لما أسلم الضعفاء، كبلال وعَمَّار
وصيهيب - قالوا: لو كان الإيمان خيراً ما سبقَنا هؤلاء إليه.
وقيل: بل قالها كنانة وقبائل من العرب لما أسلمَتْ غفار ومزَينة وجهينة، وقيل: بل قالها اليهود لما أسلم عَبْدُ الله بن سلام.
والأول أرجح: لأن الآية مَكيّة.
فإن قلت: كان الأوْلى أن يقول ما سَبَقْتمونا إليه، لأن قول الذين كفروا
للذين آمنوا مواجهة؟
والجواب معنى الذين آمنوا: من أجل الذين آمنوا، أي قالوا ذلك عنهم في
غَيْبتهم، وليس المعنى أنهم خاطبوهم بهذا الكلام، لأنه لو كان خطاباً لقالوا: ما سبقتمونا إليه.
(قد خَلَتِ النّذُر من بين يَدَيْه ومِنْ خَلْفِه) ، أي تقدمَتْ من قبله ومِنْ بعده.
والنّذر: جمع نذير.
فإن قيل: كيف يتصور تقدُّمها من خلفه؟
فالجواب أنَّ هذه الجملة اعتراض، وهي إخبار من الله تعالى أن الله قد بعث
رسلاً متقدمين قَبل هُود وبعده.
وقيل من خلفه: يعني خَلْفه في زمانه.
(قال إنما العِلْمُ عند الله) :
قال هود: العذابُ الذي قلتم ائتا به ليس لي علم وَقْت كونه، وإنما يعلمه الله، وما عليَّ إلا أنْ أبلغكم ما أرسلت به، ولكني أَراكم قوماً تجهلون أمْر الله ووَعيده.
(قالوا للذين أوتُوا العلم ماذا قال آنِفاً) :
قد قدمنا معنى آنفاً.
والمعنى أن قرَيشاً كانت تقول ذلك إمَّا احتقاراً لكلامه، كأنهم قالوا أيُّ
فائدة فيه، وإما جهلاً ونسياناً، لأنهم كانوا وقْتَ كلامه صلى الله عليه وسلم مُعْرِضين عنه.
(ق) :
قد قدمنا أنه جبل محيط بالأرض، أو هو مِن أسماء الله تعالى: القاهر، أو المقتدر، أو القادر (1) .
فإن قلت: أين جواب القسم، وما الفرق بينه وبين (يس) في إظهار
جوابِ القسم ووصف القرآن بالمجيد؟
والجواب أنَّ جوابَ القسم محذوف، تقديره ما ردُّوا أمرك بحجةٍ، وما
كذّبوا ببرهان، وشبه ذلك، وعن هذا المحذوف وقع الإضراب بـ بل.
ووصف كلامه هذا بالمجيد لشرفه، وفي سورة يس بالحكيم، لأنه محكم على غيره لرعاية الفواصل.
وقد قدمنا أنَّ اللهَ سمَّاه بستين اسماً، وما ذلك إلا لتعظيمه، فاعرفْ
قَدْرَ ما وصل إليكَ يا مَنْ أكرمه الله به.
(قعيد) ، أي قاعد، وقيل مقاعد يعني مجالس.
ورَواه ابنُ عطية بأنَّ المقاعد إنما يكون مع قعود الإنسان، وإنما أفرده وهمَا اثنان، لأنَّ
(1) كلام فيه نظر.
التقدير عن اليمين قَعِيد وعن الشمال قَعِيد من (المُتَلَقَيَانِ) ، فحذف أحدهما
لدلالة الآخر عليه.
وقال الفراء: لَفْظُ (قَعيد) يدل على الاثنين والجماعة، فلا يحتاج إلى حذف، وذكر جماعة ٌ عن مجاهد أن (قَعِيد) اسم كاتب السيئات.
(قاصِرَات الطَّرْف) :
معناه أنَّ الحُورَ العِين يقصرن أعينهن على النظر إلى أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم.
(قالوا لولا نزل هذا القرآنُ على رَجُل من القَرْيَتَيْنِ عَظيم) :
لم يكْفِ قريشاً معَانَدتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ضموا إليه مكابرتهم والاستخفاف بكتابِ الله وشرائعه والاحتكام على حكمة الله في تخيَّر صلى الله عليه وسلم مِن أهل زمانِه.
ومعنى القريتين: مكة، وعَنَوْا بالرجل منها الوليد بن المغيرة.
وقيل عتبة بن ربيعة.
والأخرى الطائف، وعَنَوْا بالرجل منها عروة بن مسعود.
وقيل حبيب بن عُمير.
ووصفوه بالعظمة لكثرة ماله، فأنكر اللهُ عليهم اعتراضَهم
وتحكُّمهم، وأن يكون لهم التدبير لأمر النبوءة بقوله: (أهُم يَقْسمون رحمةَ
رَبِّك) ، والتخير لها مَنْ يصلح لها ويقوم بها والمتولِّين لقسمة
رحمةِ الله التي لا يتولاها إلا هو بباهر قُدرته وبالغ حكمته، ثم ضرب لهم مثلاً
فأعلَم أنهم عاجزون عن تدبر خُوَيصة أمْرِهم وما يصلحهم في دُنْياهم، وأن الله عزّ وعلا هو الذي قَسم بينهم معيشتَهم وقدَّرها ودبَّر أحوالَهم تدبير العالم بها، فلم يُسَوِّ بينهم، ولكن فاوت بينهم في أسباب العيش، وغاير بين منازلهم، فجعل منهم أقوياء وأغنياء، ومحاويج وضعفاء، وموالي وخدماً، ليصرّف بعضهم بعضاً في حوائجهم، ويستخدموهم في مهنهم، ويسخروهم في أشغالهم حتى يتعايشوا ويتوافروا، ويصلوا إلى منافعهم، ويحصلوا على مرافقهم، ولو وَكَلَهُم إلى أنفسهم، وولَاّهُم تدبيرَ أمرهم لضاعوا وهلكوا، فإذا كانوا في تدبير المعيشةِ الدنيَّةِ في هذه الحياة الدنيا على هذه الصفة فما ظَنُّك بهم في تدبير أمْرِ الدين الذي هو رحمةُ اللهِ الكبرى ورَأفَتُه العظمى، وهو الطريقُ إلى خيار حظوظ الآخرة والسُّلَّم إلى حلول دار السلام.