الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مالي أرى عَبْدي معرضاً عني أعطيه بجودٍ فلم يسألني، ثم انتزعْتُه منه فلم يسألني ردّه!
أفتراني أبتدئ بالعطية قبل المسألة، ثم أسأل فلا أجيب!
يا سائلآ غيري، أبخيل أنا فيبخِّلني عَبدي! أليست الدنيا والآخرة لي، أليس الكرم والجود لي، أليس الرحمة والفضل لي، أنا محلّ الآمال، من يعْطيها دوني، وما عسى أن يؤمل المؤملون لو جمعتُ أهْلَ سائي وأرضي، ثم أعطيتُ كلً واحد منهم ما أمل الجميع ما نقص مِنْ ملكي، وكيف ينقص ملك أنا فيه! فيا بُؤْسَ للقانطين مِن رحمتي، ويا بؤس لمَنْ عصاني، وتوثَّب على محارمي، ولم يسْتَحِ مني!
اللهم إني لم أسْتح منك، وبارزتُ بالعظائم، لكن رجائي فيك قويٌّ، وتوسلتُ إليك بجاهِ النبي الأميّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) :
العفو مع التوبة على حسب ما ذكرنا.
وأما العفو دون تَوْبة فهو على أربعة أقسام:
الأول: العَفْو عن الكفر، فلا يكون أصلاً، وعن مظالم العباد فلا يكون إلا لبعض خواص عباده، وعن الصغائِر إذا اجتنبت الكبائر، فهو حاصل بحسب وَعْده الصادق.
وعن الكبائرِ فأهل السنَّة أنه في المشيئة، وأهل البدعة على عدم غفْرانها، وقد أخطأوا لنَصِّ الآية والحديث.
(يَسْتَجِيبُ الذين آمَنوا) :
قيل يجيب.
و (الذين آمنوا) مفعول، والفاعل ضمير يعود على الله، أي يجيبهم فيما يطلبون منه.
وقال الزمخشري: أصله يستجيب للذين آمنوا، فحذفت اللام.
وقيل إن معناه يجيب.
والذين آمنوا فاعل، أي يستجيب المؤمنون لربهم باتِّباع دينه.
وقيل إن معناه يطلب المؤمنون الإجابةَ من ربهم، واستفعل على هذا
على بابه من الطلب.
والأول أرجح، لدلالة قوله:(ويَزِيدهم من فَضْلِه) ، أي يزيدهم ما لم يطلبوا زيادة على الاستجابة فيما طلبوا، وهذه الزيادة صَحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنها الشفاعةُ والرضوان.
(يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا) .
قيل لعمر رضي الله عنه: اشتدَّ القَحْط، وقنط الناس، فقال: الآن يُمْطرون.
وأخذ ذلك من هذه الآية.
ومنه الحديث: " اشتَدِّي أزْمَةُ تنفرجي ".
وقال تعالى: (إنَّ مَعَ العُسْر يُسْراً) .
وكان صلى الله عليه وسلم إذا كان وقت الشدائد والمخاوف رُئي عليه
أثر السرور، وإذا كان وقت السرور رُئي عليه أثَرُ الخوف، لعلمه بربه.
(يَنْشر رحمته) ، يعني المطر، فهو تكرار للمعنى الأول بلفظٍ آخر.
وقيل يعني الشمس.
وقيل بالعموم، وهو أظهر، إذْ رحمته سبحانه تعمّ جميع الموجودات.
(يَعْلَم الذين يُجَادلون في آياتِنا) ، أي يعلمون أنهم لا مهرب لهم من الله.
وقرئ يعلم بالرفع على الاستئناف، وبالنصب.
واختلف في إعرابه على قولين:
أحدهما أنه نصب بإضمار أنْ بعد الواو لما وقعت بعد الشرط
والجزاء، لأنه غير واجب.
وأنكر الزمخشري ذلك، وقال: إنه شاذّ، فلا ينبغي أن يُحْمل القرآن عليه.
والثاني قول الزمخشري: إنه معطوف على تعليل محذوف
لينتقم منه، ويعلم، قال: ونحوه من المعطوف على التعليل المحذوف كثير في
القرآن، ومنه قوله:(ولِنَجْعَلَه آيةً للناس) .
(يا بُشراي) :
نادى البشرى، كقوله: يا حسرتى، وأضافها إلى نفسه.
وقرئ يا بشرى، بحذف ياء المتكلم.
والمعنى كذلك.
وقيل على هذه القراءة نادى رجل منهم اسْمُه بشرى، وهذا بعيد، لأنه لما أدْلَى الدَّلْوَ في الجبِّ تعلَّق به يوسف، فحينئذ قال: يا بشراي، هذا كلام.
(يُرْسِلَ) :
قرئ بالرفع على تقدير: أو هو يرسل، وبالنصب عطفاً على (وحياً) لأن تقديره أن يوحي، فعطفت أن على أن المقدرة.
(يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ) .
أي يكبر ويَنْبت في استعمال الحلي من الذهب والفضة، والمراد بهم النساء.
وقرئ "ينشّأ" بضم الياء وتشديد الشين، بمعنى يُرَبّى فيها.
والمقصد الرد على الذين قالوا: الملائِكة بناتُ الله، كأنه قال: أجعلتم
لله من ينشّأ في الحلية، وذلك صفة النّقْصِ، ثم أتبعها بصفة نقص أخرى وهي
أنَّ الأنثى إذا خاصمت أو تكلمت لم تقدر أنْ تبيّن حجَّتَها لنَقْص عقلها، وقلما تَجِد امرأةً لا تفسد الكلام وتخلط المعاني، فكيف يُنْسب لكامل من اتصف بنقصٍ.
وأغربُ من ذلك أنهم يجعلون لأنفسهم المذكور، (ويجعلون لله البنات
سبحانه ولهم ما يشْتَهُون) .
وإعراب (من ينشأ) مفعول بفعل مضمر، تقديره: أجعلْتُم للَه مَنْ ينشأ في الحلية، أو مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: أو من ينشأ في الحلية خَصَصْتُم به الله.
(يَسْتَغِيثانِ الله وَيْلَكَ آمِنْ) :
ضمير التثنية يعود على الوالدين اللذين يستغيثان بالله مِن كراهتهما لما يقول ابْنُهما من الكفر، فيقولان له: وَيْلك آمِنْ، ثم يأمرانه بالإيمان فيقول:(ما هذا إلا أساطِيرُ الأولين) ، أي قد سطّره الأوَّلون في كتبهم، وذلك تكذيبٌ بالبَعْث والشريعة.
واختلف فيمن نزلت هذه الآية، فقيل في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق
حين كفْرِه، كان أبوه وأمّه يدعوانه إلى الإيمان فيأبى، ويقول لهما: أفٍّ لكما.
وأنكرته عائشة رضي الله عنها، وقالت: واللَه ما نزل في آلِ أبي بكر شيء من القرآن إلا براءتي.
وكان عبد الرحمن بن أبي بكر من خِيَار المسلمين، وكان له في الجهاد غناء عظيم.
وقال السُّدِّي: ما رأيت أعبد منه.
والصحيحُ أنها على الإطلاق فيمن كان على هذه الصفة من الكفْر والعقوق لوالديه، ويدل على أنها نزلت على العموم قوله:(أولئِكَ الذين حَقَّ عليهم الْقَوْلُ في أمَمٍ) ، بصيغة الجمع، ولو أراد واحداً بعينه لقال ذلك الذي حقَّ عليه القول.
(يَتَدَبَّرون القرآنَ) .
أي يتفكرون في معانيه، لتظهرَ أدِلَّتُه وبراهينه، وفيها حضّ على التدبر والتفكر فيه.
وقد كان صلى الله عليه وسلم يقرؤه بخشوع من غير هَذْرَمة.
(يَبْخَلُ) :
البخل هو الغمّ بالإعطاء والفرح بتَرْكه، وأما البخيل فهو الذى يغتمّ بالإعطاء ويذمّ عليه، ويفرح بتركه، وهذا من صفات
البخل كما قدمنا: (وأحْضِرت الأنْفُس الشحَّ) .
(يَتِرَكُمْ أعمالكم) .
أي ينقصكم، يقال وترت الرجل ترةً، إذا نقصته شيئاً.
وكيف ينقص السيد عَبْده، هذا في مخلوق فكيف بالغنيِّ على
الإطلاق، ولما نزلت:(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) .
شقَ ذلك على الصحابة.
وقالوا: يا رسولَ الله، إذا جازانا الله بأعمالنا هلكنا، فأنزل الله المضاعفة لأعمالهم، والمضاعفة في الحسنة لا حَصْرَ لها ولا مضاعفة للسيئة.
(يُطِيعكم في كثير من الأمْرِ لَعَنِتمْ) :
إنما لم يقلْ أطاعكم، للدلالة على أنهم كانوا يريدون استمرارَ طاعتِه عليه السلام لهم.
والحقّ خلاف ذلك، وإنما الواجب أن يطيعوه لا أن يطيعهم، وذلك أنَّ رأيه عليه الصلاة والسلام خير وأصوب مِن رأي غيره، ولو أطاع الناسَ في آرائِهم لهلكوا، فالواجب على الناس الانقياد إليه والطاعة لأمره.
(لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ) :
نهى الله في هذه الآية عن الاستهزاء بالناس واحتقارهم.
ولما كان "القوم" لا يقَع إلا على الذكران عطف النساء عليهم.
فالسخريةُ بالنساء من أعظم العيوب عند علَاّم الغيوب.
ولعلَّ المسخور منه خَيْرٌ من السَّاخر عند الله، والأعمال بالخواتم، ولا تقعُ هذه الخصلة الذميمة إلا من جاهل بنفسه راضٍ عنها، فيتكبَّر ويعجب، ولو رأى نفسه أقلَّ خَلْقِ الله لم يسخر ممَّنْ هو عند الله أعلى منه، ولذلك قيل: مَنْ ظنَّ أنه خير من الكلب فالكلب خير منه.
فالعاقل يرى الصغير أفْضَلَ منه، ويقول: أنا عصيت الله، وهذا لم يعصه، والكبير يقول: هذا عَبَدَ الله أكثر مني، فهو أفضل، لأن مَنْ