الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدنيا دارُ مُهْلة وتَنَعُّم، وهناك كما وصف الله حالَهم (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) .
ووجوههم مغبرة ترهقها قَتَرة.
(يُوعُون) .
أي يجمعون في صدورهم من الكفْر والتكذيب، أو هو سبحانه عالم بما يجمعون في صحائِفهم من الأعمال.
يقال: أوعيت المالَ وغيره إذا جمعته.
ولنختم معاني هذه الحروف بذكر دخول مَنْ أورثه الله هذا الكتاب العظيم من
الظالم والمقتصد والسابق
، وأن الله وعدهم بجنةِ عَدْن يدخلونها، والضمير راجع إلى الثلاثة، قال تعالى:
(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْ
نَ) .
قالت عائشة رضي الله عنها: لو علموا ما تحت واو الجماعة لماتُوا فَرَحاً.
وقال صلى الله عليه وسلم: " سابقُنا سابق، ومقتصدنا لاحق، وظالمنا مغفور له ".
فإن قلت: ما فائدة تقديم الظالم، وهلَاّ جاءتِ الآيةُ مثل الحديث؟
فالجواب: عادةُ المخلوق يقَدِّمُ الأفضل، فخاطبهم الله على عوائدهم، ألا
ترى قوله: زُرْ كغُبًّا تَزْدَد حُبًّا.
وقال الله: (واعْبُدْ رَبك حتّى يأتِيَك اليَقِين) .
ويقولون: لا تعير فتبلى.
وقول الله: (فاعْتَرَفُوا بذَنْبهم) : ويقولون: أحْسِن إلى مَنْ أحسن إليك.
ولما كان السابق قريباً، والظالم بعيداً، والقريب يحتمل ما لا يحتمل البعيد.
والظالم منكس الرأس من حياءِ جُرْمه ومعصيته، فلما نكس رأسه رفعه الله كما أنَّ الجوديّ وطور زيتا لما لم يرفعا رؤوسهما أكرمهما الله كما قدمنا، والظالم ضعيف، والسابق قويّ، والعادة في القافلة تقديم الضعيف والرجالة، ألا تراه صلى الله عليه وسلم كان يقدم الضعفة إل مِنى قبل الفجر، فقدم الظالم لئلا يفتضح ولا يَعَاب، وأيضاً الظالم غير مدع والسابق مدع، ولو قدم السّابق وأخّر الظالم لبان منه
العَدْل، والظالم رفع قصته إلى الله فوقع له توقع الرحمة في قوله تعالى: (قل يا
عبادي الذين أسرفوا على أنْفسهم) ، وللمقتصد توقع التوبة في
قوله تعالى: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) .
وللسابق توقع الرضوان، قال تعالى:(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) .
فالمقاماتُ على ثلاثة أسْماء: الله الرحمن الرحيم، فانظر كيف اصطفاهم كما قال في إبراهيم:(ولقد اصْطَفينَاه في الدُّنيا وإنه في الآخرةِ لَمِن الصَّالِحين) .
فإن قلت: ما الفرق بين الاصطفاء والإفضال، ولِمَ لَمْ يقل فضّلنا؟
والجواب: أن الاصْطِفاء كلّي بجميع الأشياء، والإفضال بعض لبعض دون
بعض، والاصطفاء أخروي، (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) .
والإفضال دنيوي، (والله فَضل بَعْضَكم على بَعْض في الززْق) ، والإفضال عام، (وأني فَضَّلْتكم على العالَمين) ، أي على عالمي زمانهم، والاصطفاء خاصّ، والخاص مقدَّم على العام.
فإن قلت: ما الحكمة ُ في أنَّ الله أعطى القرآن بلفظ الميراث؟
والجواب: لأنه ليس شيء أطيب وألذّ وأجلَّ من الميراث، فذِكْرهُ بلفظ
الميراث أحلى وأطيب وأشهى.
وأيضاً الميراث لا يُنْزعَ من يَدِ الوارث بخلافِ العطايا والهبات، فذكره بلفظ الميراث ليعلم أنه لا يريد أن ينزعه عنك.
وأيضاً الميراث يعمّ الأولاد عصاة أو مطيعين، كذلك القرآن.
وإذا أكرم الله المؤمن على الجملة باثنتي عشرة كرامة فكيف بمن اصطفاه بهذا القرآن، قال تعالى:(الذين آمَنُوا ولم يُلْبِسُوا إيمانَهم بظُلم) .
(وإن الله لَهَادِي الذين آمنوا) ، (يثبِّتُ الله الذين آمنوا) .
(وبَشّر الذين آمَنوا) ، (وبشِّر المؤمنين) .
(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) .
(يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) .