الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولهذا قال ابن عطاء الله: لا يكن طلبك تسبّباً إلى العطاء منه، فيقلّ فَهْمك عنه، وليكن طلبك لإظهار العبودية، وقياماً بحقوق الربوبية.
فإن قلت: إذا سبق العطاء منه فما فائدة الطلب، وقد أعطانا بغير سؤال؟
فالجواب إذا سبق في أَزَلِه العطاء وفَّق عَبْدَه لطلبه، فيجيب، ويفرح العبد
بذلك، ولو أعطاك بغير سؤال لطمع الكافر والمؤمن.
وهذه أسباب ووسائط يوفّق الله العبدَ إليها في أي وقت شاء على يد من يشاء
(لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) .
والكلامُ هنا طويل، وقد ألَّفت فيه تأليفاً عجيباً سميته مفاتح الطلب.
فانظره إن ظفرتَ به، وإلا ففي هذه النبذة كفاية إن شاء الله.
(فإذَا أَمِنْتم) :
الخطاب للمحْرمين مِنْ أَهل مكة وغيرهم.
ومعناه: إذا كنتم بحال أَمْنٍ، سواء تقدَّم مرض أو خوف عدوّ، أو لم يتقدم.
(فَمَنْ تَمَتَّعَ بالعمْرَة) : والتمتع هو أَنْ يعتمر الإنسان في أشهر الحج ثم يحج من عامه، فقد تمتّع بإسقاط أحد السفَرين للحج أو العمرة.
وقال عبد الله بن الزبير: التمتّع هو أن يحْصَر عن الحج بعدو حتى يفوته
فيعتمر عمْرةً يتحلل بها من إحرامه، ثم يحج مِنْ قابل قضاءً لحاجته، فهو قد
تمتع بفعل الممنوعات للحج من وقت تحلله بالعمرة إلى الحجّ القابل.
وقيل: التمتع هو قِران الحجِّ والعمرة.
(فمَنْ لم يَجِدْ فصِيام ثلاثةِ أيامٍ في الحجّ وسبْعَةٍ إذا رجَعْتم) :
يعني من لم يجد الشاةَ فليصمْ ثلاثة أيام، وقْتها من إحرامه إلى يوم
عرفة، فإن فاته صام أيام التَّشْريق وسبعة إذا رجع إلى بلاده.
(فمَنْ فَرض فيهنَ الحجَّ) .
أي أَلزم الحجَّ نفسه في شوال وذو القعدة وذو الحجة.
(فلا رَفَثَ) ، وهو الجماع،
(ولا فسوقَ) ، وهي المعاصي، إذْ علامةُ قبول الحج ترك المعاصي، ولا جزاء له إلا الجنة، كما صح.
(فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) ، لأن الإنسان كثيراً ما يذكر أباه.
والعارفُ يذكر الله أكثر، لأنه مخترعه وخالِقه كيف شاء، ورازِقه من أين شاء، وممِيته متى شاء، ويحييه إذا شاء، فكيف يغفل عمن هذه صفته، وقد دعا الْخَلق إلى نفسه، فالسابق منهم همّه اسمه، فدعاه بلفظ الرب، وقال:(وأنِيبوا إلى رَبِّكم) .
(فَفِرّوا إلى الله) .
والمقتصد منهم همه الرزق، فدعاه بقوله:(وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ)، وقال:(يرزق مَنْ يشاء بغير حساب) .
والظالم همه غفران ذنوبه، فدعاه بقوله:(وسارِعوا إلى مغفرةٍ مِنْ رَبِّكم) .
فعلى كل حال العبد لا يغفل عن سيده.
ولما كانت العرب تذكر أباها كثيراً مفاخرة عند الجمرة أمر الله بذكره
عوضاً عن ذلك، لأنه الضارُّ النافع.
(فَضْلاً مِنْ رَبِّكم) :
التجارة في أيام الحج أباحها الله لعباده، ولا يضر نيتها، ولا تفسد العبادة بها خلافاً لبعض الصوفية.
والصحيح أن النيةَ الصحيحة تقلِب القبيح حسناً، والحسن قبيحاً.
وتشريك النية الصالحة جائزة، بل مطلوبة في الأفعال، ورضي الله عن السيد الذي دق عليه، فقال لبعض التلامذة: قمْ حلّ له الباب.
فقام، فقال بعد رجوعه: بأي نيّةٍ قمْتَ له.
فقال: نيًة فتْح الباب.
فقال: هلاّ نوَيْت قضاء حاجته إن احتاج، والسلام عليه ومصافحته، وصار يعدد له سبْعَ نيات.
هكذا كانوا رضي الله عنهم يشركون أفعالهم لتضعيف حسناتهم، ونحن بالضدّ مِنْ هذا، فليس لنا نية ألبتَّة.
فلا تتحرك أيها الأخ حركةً إلا للَه تكثراً بنيتك، كلبْثِك بالمسجد بغية
الزيارة لله، وانتظار الصلاة، وكفّك عما نهيت، وعكوفك على الطاعة وسلامةِ الناسِ من شرِّك، وتعَلّم وتعليم واستفادة أخ، ونحوها.
وبدخولك الأسواق: ذكر الله تعالى، والسلام على إخوانك، وشهادة البقاع لك، ومَنْع الشيطان وطَرْده، وتغيير ما رأيتَ من المناكر إن قدرت صيانة، وأمرك بالمعروف صدقة، ورؤية نعمة فراغك وتوفيقك.
وقد علمت ذاكر اللَه في الغافلين كالمجاهد خَلْف الفارّين، ولا تشغلك رؤية شهوةٍ، فتصدَّقْ بقدميْك لزيارة إخوةٍ لئلا تحوجهم لزيارتك، وقضاء حاجتهم، ورد السلام على مَنْ سلّم منهم، وسماحاً في بَيْع، ورؤية صالح، ورؤية آياته تعالى: من تصرّف الخلق في معايشهم وحركاتهم وألوانهم، وما جبلوا عليه من حبِّ الدنيا، واختلاف أغراضهم، وتَصَرّفهم في المأكل والملابس، واختلاف السلع.
والكلام هنا طويل.
والقصد منه أنه يجب علم حقيقة النية، وتخليصها من كل
حظّ دنيوي حتما، ومن كل حظ أخرويّ ندْباً، وهي تمييز الأغراض بعضها من بعض، (وما يَعْقِلها إلا العالمون) .
ومتى حصلت الحركة وعَقَبها باعثٌ واحد فنيَّةٌ خالصة، وإيثارُ الراجح
اختيار، واقترانها بحكم فقضاء وبما له مقدار، أو عني بشيء خاص فعناية.
وتصميم الإرادة عَزْم وهَمّ ومشيئة.
وللحنفية: إنَّ المشيئة مشتقّ من الشيء، وفي كتب اللغة أنها إرادة لا فعل.
صح: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.
ومَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهوَ في سبيل الله، ومن هَمَّ بحسنةٍ ولم يعملها كتبت له حسنة، وإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ، ونظره تعالى إلى القلب للنية، والنية والعلم وغيرها مما ينسب للقلب، وهو قائم بالنفس، والعقل في القلب.
وتأمَّل قوله تعالى: (لَهمْ قلوب يعْقِلونَ بها) .
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) .
فتأمَّل أيها الأخ صُنْع الله في هذا المؤمن، حيث جعل له داخل ضميره شمساً
ساكناً في وسط الأحشاء أضْوَأ من الشمس اللامعة، حتى جاز الهوى، وملَك
طريق السماء، فلم يسكن على شيء دون الرّبّ جل جلاله، فصار حاله في الضمير كعود نصِب له في الأرض، فإذا اتَّصل بالأرض، والأرض به، نبتت المعرفة به، فصارت نزهةً للعارفين، ثم الشهادة عطاء المحبين، ثم المحبة على السابقين.
(فمن تَعَجَّلَ في يومين فلا إثْمَ عليه) :
قد قدمنا أنَّ هذه الآية أباحت التعجّل والتأخر.
وقيل: إنه إخبار عن غفْران الإثم، وهو الذنب للحاجِّ، سواء تعجّل أو تأخر.
وعلى الأول فيكون (لمن اتَّقَى) أنْ يَأثَم في التعجُّل والمتأخر لا إثم عليه.
وعلى الثاني أنَّ الغفران إنما هو (لمن اتَّقَى) الله في حَجِّه.
للحديث: "مَنْ حَجّ هذا البيت فلم يَرْفُث ولم يفسق خرج من ذُنوبه كيوم ولدَتْه أمه".
فاللام متعلقة إما بالغفران أو بالإباحة المفهومَيْن من الآية.
(فحَسبه جَهَنَّم) :
الضمير يعود على مَنْ لا يطيع من يأمره بالتقوى تكبراً وطغْياناً، وهو الذي يُقال له: اتَّق الله، فتأخذه العزَّةُ بالإثم.
والباء يحتمل أن تكون سببية، أو بمعنى مع.
وقال الزمخشري: هي كقولك: أخذ الناس الأمير بكذا، أي ألزمهم إياه.
فالمعنى حملته العزةُ على الإثم.
(فاعلَموا أَن اللهَ عَزِيزٌ حكيم) :
تهديد لمن زَلّ بعد البيان.
ويحتمل أن يكون الخطاب بقوله: (ادخلوا في السِّلْم) لأهل الكتاب، على معنى الأمر لهم بالدخول في الإسلام.
ولما سمع بعض الأعراب قارئاً يقرأ: (فاعلموا أن الله غفورٌ رحيم) - قال له: أخطأت.
فقال: من أين علمت، قال: أَيغريهم على المعصية.
(فلِلوَالدين والأقربين) :
بيان مَصْرف نفقَة التطوّع.
وتقدم في الترتيب الأهمّ فالأهمّ، وإن أريد بالنفقة الزكاة المفروضة فذلك
منسوخ.
(فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) :
أي اجتنبوا جِمَاعَهُنّ في