الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقول الله عز وجل: الآنَ جئتنا حين ضعفَتْ مفاصلك.
الآن وقد ذهبت قُوّتك.
الآن وقد نفد عمرك.
الآن وقد قَسا بالمعاصي قَلْبك.
الآن وقد ضاع في البطالة وقْتك.
هذا لمن تاب، فكيف حال مَنْ هو في قَفص الطبع محجوب
عن العتاب، نعقد عقدة التوبة بخيط العنكبوت ظاهراً وباطناً، نتلذّذ بها، فكيف لا نحلها، لو صدقت التوبة منا لوجدنا مرارتها، كما وجدنا حلاوتها، إلهي التوبة لا تدوم لي، والمعصية لا تنصرف عني، ولا أدري بِمَ تختم لي، غير أنَّ عفوك ورجاءك أطمعني أن أسألك ما لا أستَوْجِبه منك، فهب لي منك توبةً باقية، واصرف أزمة الشهوات عني، وحقّقني بحقيقة الإيمان، وأعنّي على نفسي والهوى والشيطان، بحرمة سيدنا ونبينا ومولانا سيد الثَّقَلين صلى الله عليه وعلى آله ما اختلف الْمَلَوان.
(فإن أعْرَضوا) :
الضمير لقريش، أي أعرضوا عنك يا محمد فسآخذهم أخذةً شديدةً، مثل أخذ عادٍ وثمود، وقد كانوا أشدَّ منهم قوةً وأكثر أموالاً وأولادا، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون.
(فإنا بما أُرسِلتُم به كافرون) :
ليس فيه اعتبار الكفار بالرسالة، وإنما معناه بما أرسلتم على قولكم ودَعْوَتكم، وفيه تهكم.
(فالَّذِينَ عِنْد ربِّك) :
يعني الملائكة، ووصفهم بالعندية للتشريف والتكريم، إذ يستحيل في حقه جلّ وعلا التجسيم، المجسم أعمى والمعطل أكمه.
(فحكمه إلى اللَهِ) :
الضمير في المختلف فيه، يعني ما اختلفتم أنتم والكفّار مِنْ أمر الدين الْحُكم فيه إلى الله بأنْ يعاقب المبطل ويُثيب المحق، أو ما اختلفتم فيه من الخصومات فتحاكَمُوا فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا كقوله: (فردوه إلى الله والرسول) .
(فإمّا نَذْهَبَن بكَ فإنَّا منهم مُنْتَقِمون) :
يحتمل أن يريد بهذا الانتقام قَتْلهم يوم بَدْر، وفَتْح مكة، وشبه ذلك من الانتقام في الدنيا،
أو يريد به عذابَ الآخرة.
وقيل: إن الضمير في (منهم منتقمون) للمسلمين، وإن معنى ذلك أن اللهَ قضى أن ينتقم منهم بالفِتَن والشدائد، وأنه أكرم نبيَّه صلى الله عليه وسلم بموته قبل رؤيته الانتقام منهم.
والصحيح أنَّ مقصد الآية وَعِيدٌ الكفار، يعني إن عَجَّلْنَا وفاتَك قَبْلَ الانتقام
منهم فيقع الانتقامُ منهم بعده، وإن أخَّرْنا وفاتَك إلى حين الانتقام منهم (فإنَّا
عليهم مقتدرون) .
ثم شهد له بأنه على صِرَاطٍ مستقيم، وكيف لا يكون على الصراط الستقيم
وقد كان يقمُّ البيْتَ، ويحلب الشاة، ويعلف الناضح، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، وينام على الحصير، ولا ينام على الوَثِير، ويسلِّمُ مبتدراً على مَنْ لقي من صغير أو كبير، ويأخذ بيد الخادم ويَطْحَن معها إذا عيَّت، حتى قال الحق فيه:(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ، وأنزل عليه الكتابَ الحكيم، وشرح صَدْرَه، ويَسَّر أمره، وأعْلَى في العالمين ذِكْرَه، وأمره بالاستمساك بما أوْحى إليه، ليَقتَدِي به مَنْ بعده، فهو أحمد، وأمَّته الحامدون، ومستغفِرٌ وأمَّتُه التوَّابون، خصه الله وأمته بخصائص لم يعطها مَن تقدم في الدنيا ولا في الآخرة: في الدنيا يطول ذكرها، وفي الآخرة لا يُقدر قَدرها، كالحوض، والكوثر، واللواء الذي عَرْضُه ما بين الْمَشْرِق والْمَغْرِب مكتوب عليه:
لا إله إلا الله محمد رسول الله، تقدمته آدم ونوح، وخلفه إبراهيم وموسى، وعن يمينه جبريل وميكائيل، وعن يساره إسرافيل وعزرائيل، وساقته أصحابه وأمته، رافعاً صوته: يا ربّ، أمتي أمتي، وقد وعدتني الشفاعةَ فيهم، وهم عَبيدُك، فاغفر لهم ما جَنَوْا، ولا تُؤَاخذهم بما عَصَوا، يا أكرم الْخَلق، يا رسول الله، عبدك الصنف قد وحل في شَرَك المعاصي، ولم يجد منْقِذاً ينْقذه منه غَيْرَ جاهك العظيم، فلا تخيّبه منه، وخُذْ بيده، ولا تعامِلْة بما جفاك به، حاشا لفضلك أنْ تخيب راجياً، الخير أكبر، والمواهب أوسع!
(فأنا أولُ العابدين) :
هذه الآية ردٌّ على الكفار،