الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهو مريض فأمر من يحمله إلى المنبر، فكانت آخرَ خطبة خطب بها، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
يا أيها الناس، إحذروا الدنيا ولا تثقوا بها (فإنها) غرَّارة، وآثروا الآخرة على الدنيا فأحبوها، فبحب كل واحدة منهما تبغض الأخرى؛ وإِن هذا الأمر الذي هو أملك بنا لا يصلح آخره إِلا بما صلح به أوله، فلا سيحمله إِلا أفضلكم مقدرة، وأملككم لنفسه، أشدكم في حال الشدة، وأسلسكم في حال اللين، وأعلمكم برأي ذوي الرأي، لا يتشاغل بما لا يعنيه، ولا يحزن بما لا ينزل به، ولا يستحيي من التعلم، لا يتحير عند البديهة، قوي على الأموال، ولا يخون بشيء منها حدّة بعدوان ولا يقصِّر، يرصد لما هو آتٍ، عتاده من الحذر والطاعة - وهو عمر بن الخطاب.
ثم نزل كذا في كنز العمال.
صفات الخليفة كما يراها عمر رضي الله عنه
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خدمت عمر رضي الله عنه خدمة لم يخدمها أحد من أهل بيته، ولطفت به لطفاً لم يلطفه أحد من أهله؛ فخلَت به ذات يوم في بيته - وكان يجلسني ويكرمني - فشهق شهقة ظننت أنَّ نفسه سوف تخرج منها، فقلت: أمن جزع يا أمير المؤمنين؟ قال: من جزع. قلت: وماذا؟ فقال: إقتربْ، فاقتربت. فقال: لا أجد لهذا الأمر أحداً فقلت: وأين أنت عن فلان، وفلان، وفلان، وفلان، وفلان، وفلان - فسمَّى له الستة أهل الشورى - فأجابه في كل واحد منهم بقولٍ، ثم قال: إنه لا يصلح لهذا الأمر لا قويّ في غير عنف، ليِّن في غير ضعف، جواد من غير سرف، ممسك في غير بخل.
وعند أبي عُبيد في الغريب، والخطيب في رواة مالك قال: إني لجالس مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم إذ تنفَّس نفسة ظننت أنَّ إضلاعه قد تفرَّجت. فقلت: يا أمير المؤمنين ما أخرج هذا عنك إلا شرّ. قال: شر، إِني لا أدري إلى من أجعل هذا الأمر بعدي. ثم التفت إليّ فقال: لعلك ترى صاحبك لها أهلاً. قلت: إنه لأهل ذلك في سابقته فضله. قال: إنه لكما قلت، ولكنه امرؤ فيه دُعابة - فذكره إلى أن قال: إنَّ هذا الأمر لا يصلحه إلا الشديد في غير عنف، الليِّن في غير ضعف، الجواد في غير سرف، الممسك في غير بخل. فكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: ما اجتمعت هذه الخصال إلا في عمر رضي الله عنه.
وعند ابن عساكر قال: خدمت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكنت له هائباً ومعظِّماً، فدخلت عليه ذات يوم في بيته وقد خلا بنفسه، فتنفَّس نفساً ظننت أنّ نفسه خرجت، ثم رفع رأسه إلى السماء فتنفَّس الصُعَداء. قال: فتحاملت وتشدّدت وقلت: والله لأسألنَّه فقلت: والله ما أخرج هذا منك إلا همٌّ يا أمير المؤمنين. قال: هم رضي الله عنه والله - هم شديد هذا الأمر لم أجد له موضعاً - يعني الخلافة -. ثم قال: لعلَّك تقول: إن صاحبك لها - يعني علياً رضي الله عنه قال قلت: يا أمير المؤمنين، أليس هو أهلَها في هجرته، وأهلها في صحبته، وأهلها في قرابته؟ قال: هو كما ذكرت، لكن رجل فيه دعابة - فذكره إلى أن قال: إن هذا الأمر لا يحمله إلا الليِّن في غير ضعف، والقويّ في غير عنف، والجواد في غير سَرَف، والممسك في غير بخل. قال: وقال عمر رضي الله عنه: لا يطيق هذا الأمر إلا رجل لا يصانع ولا يضارع، ولا يتَّبع المطامع؛ لا يطيق أمر الله إلا رجل لا يتكلم بلسانه كلمة لا ينتقض عزمه، ويحكم بالحق على حزبه - وفي الأصل - على وجوبه. كذا في
الكنز (3158 - 159) .
وعند عبد الرزاق عن عمر رضي الله عنه قال: لا ينبغي أن يلي هذا الأمر إلا رجل فيه أربع خصال: اللين في غير ضعف، والشدَّة في غير عنف، والإِمساك في غير بخل، والسماحة في غير سَرَف؛ فإن سقطت واحدة منهم فسَدَت الثلاث. وعنده أيضاً وابن عساكر وغيرهما عن عمر رضي الله عنه قال: لا يقيم أمر الله إلا من لا يصانع، ولا يضارع، ولا يتبع المطامع، يكف عن عزته، ولا يكتم في الحق على حدَّته. كذا في كنز العمال.
وأخرج ابن سعد عن سُفيان بن أبي العوجاء قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله ما أدري خليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكاً فهذا أمر عظيم. قال قائل: يا أمير المؤمنين، إن بينهما فرقاً، فإن الخليفة لا يأخذ إلا حقاً، ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك؛ والملك يعسِف الناس فيأخذ من هذا ويُعطي هذا، فسكت عمر. وعنده أيضاً عن سلمان أن عمر رضي الله عنه قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهماً أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة، فاستعبر عمر - كذا في منتخب كنز العمال.
وعند نُعيم بن حماد في الفتن عن رجل من بني أسد أنه شهد عمر بن