الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عن سعيد بن المسيِّب قال: لما طُعِن أبو عبيدة رضي الله عنه بالأردن دعا من حضره من المسلمين وقال:
ومات رحمه الله. فقام معاذ رضي الله عنه في الناس فقال:
كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري.
سيرة الخلفاء والأمراء
سيرة أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه سيرته رضي الله عنه قبل تولِّي الخلافة وبعدها
أخرج ابن سعد عن ابن عمر، وعائشة، وابن المسيِّب وغيرهم رضي الله عنهم دخل
حديث بعضهم في حديث بعض - قالوا: بويع أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الإِثنين لاثنتي عشرة ليلة خلَت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان منزله بالسُّنْح عند زوجته حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير من بني الحارث بن الخزرج، وكان قد حجَّر عليه حُجْرة من شعر، فما زاد على ذلك حتى تحوَّل إلى منزله بالمدينة، فأقام هناك بالسُّنْح بعدما بويع له ستة أشهر يغدو على رجليه إلى المدينة، وربما ركب على فرس له وعليه إزار، ورداء مُمَشَّق، فيوافي المدينة فيصلِّي الصلوات بالناس، فإذا صلَّى العشاء رجع إلى أهله بالسُّنْح، فكان إذا حضر صلَّى بالناس، وإذا لم يحضر صلَّى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وكان يقوم يوم الجمعة في صدر النهار بالسُّنْح يصبغ رأسه ولحيته، ثم يروح لَقَدر الجمعة فيُجَمِّع بالناس.
وكان رجلاً تاجراً فكان يغدو كل يوم السوق فيبيع ويبتاع. وكانت له قطعة غنم تروح عليه وربما خرج هو نفسه فيها، وربما كُفِيَها فرُعِيت له. وكان يحلب للحيّ أغنامهم، فلما بُويع له بالخلافة قالت جارية من الحيّ: الآن لا تُحلب لنا مَنائح دارنا، فسمعها أبو بكر رضي الله عنه فقال: بلى لعمري لأحلُبَنَّها لكم، وإنِّي لأرجو أن لا يغيِّرني ما دخلت فيه عن خُلِق كنت عليه، فكان يحلب لهم فربما قال للجارية من الحي: يا جارية أتحبين أن أرغي لكل أو أُصَرِّح، فربما قالت: صرِّح، فأي ذلك قالت فعل.
فمكث كذلك بالسنح ستة أشهر ثم نزل إلى المدينة، فأقام بها ونظر في
أمره، فقال: لا والله ما يُصلح أمر الناس التجارة، وما يصلح لهم إلا التفرغ، والنظر في شأنهم، وما بُدٌّ لعيالي ممّا يصلحهم، فترك التجارة، واستنفق من مال المسلمين ما يصلحه ويصلح عياله يوماً بيوم، ويحج، ويعتمر، وكان الذي فرضوا له كل سنة ستة آلاف درهم. فلما حضرته الوفاة قال: ردّوا ما عندنا من مال المسلمين فإنِّي لا أُصيب من هذا المال شيئاً، وإِن أرضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم. فدُفع ذلك إلى عمر ولَقوح، وعبد صَيْقَل، وقطيفة ما يساوي خمسة دراهم. فقال عمر رضي الله عنه: لقد أتعب مَنْ بعده.
قالوا: واستعمل أبو بكر رضي الله عنه على الحج سنة إحدى عشرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم اعتمر أبو بكر رضي الله عنه في رجب سنة إثنتي عشرة، فدخل مكة ضَحْوة، فأتى منزله وأبو قحافة رضي الله عنه جالس على باب داره، معه فتيان أحداث يحدّثهم إلى أن قيل له: هذا إبنك، فنهض قائماً وعَجِل أبو بكر رضي الله عنه أن ينيخ راحلته فنزل عنه وهي قائمة، فجعل يقول: يا أبتِ لا تقم، ثم لاقاه فالتزمه وقبَّل بين عيني أبي قحافة، وجعل الشيخ يبكي فرحاً بقدومه. وجاء إلى مكة عتَّاب بن أسِيد، وسهيل بن عمرو، وعِكرمة بن أبي جهل، والحارث بن هشام رضي الله عنهم فسلَّموا عليه: سلام عليك يا خليفة رسول الله، وصافحوه جميعاً، فجعل أبو بكر رضي الله عنه يبكي حين يذكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سلَّموا على أبي قحافة. فقال أبو قحافة: يا عتيق، هؤلاء الملأ فأحسن صحبتهم، فقال أبو بكر: يا أبت لا حول ولا قوة إلا بالله، طُوِّقت عظيماً من الأمر لا قوة لي به ولا يدان إلا بالله.
ثم خل فاغتسل وخرج وتبعه أصحابه فنحَّاهم، ثم قال: أمشوا على
رِسْلكم، ولقيه الناس يتمشّون في وجهه ويُعزُّونه بنبي الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، حتى انتهى إلى البيت، فاضطبع بردائه، ثم استلم الركن ثم طاف سبعاً، وركع ركعتين ثم انصرف إلى منزله. فلما كان الظهر خرج فطاف أيضاً بالبيت ثم جلس قريباً من دار النَّدْوة فقال: هل من أحد يتشكَّى من ظُلامة أو يطلب حقاً؟ فما أتاه أحد، وأثنى الناس على واليهم خيراً، ثم صلَّى العصر وجلس فودَّعه الناس ثم خرج راجعاً إلى المدينة. فلما كان وقت الحج سنة إثنتي عشرة حجَّ أبو بكر رضي الله عنه بالناس تلك السنة، وأفرد الحج، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه. قال ابن كثير: هذا سياق حسن، وله شواهد من وجوه أخر، ومثل هذا تقبله النفوس وتلقَّاه بالقبول.
قصة عمير بن سعد الأنصاري رضي الله عنه سيرته لما بعثه عمر رضي الله عنهما عاملاً على حمص وقول عمر فيه
أخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن عمير بن سعد الأنصاري رضي الله عنه قال: بعثه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عاملاً على حمص، فمكث حولاً لا يأتيه خبره. فقال عمر لكاتبه: أكتب إلى عمير، فوالله ما أراه إِلا قد خاننا.
«إذا جاءك كتابي هذا فأقبل، وأقبل بما جبيت من فيء المسلمين حين تنظر في كتابي هذا» .
فأخذ عمي رضي الله عنه جرابه، فجعل فيه زاده وقصعته، وعلَّق إداوته، وأخذ عَنَزَته، ثم أقبل يمشي من حمص حتى دخل المدينة. قال:
فقدم وقد شحب لونه واغبرَّ وجهه وطالت شَعْرته. فدخل على عمر رضي الله عنه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال عمر: ما شأنك؟ فقال عمير: ما ترى من شأني؟ ألست تراني صحيح البدن، طاهر الدم، معي الدنيا أجرُّها بقَرنها. قال: وما معك؟ فظن عمر رضي الله عنه أنه قد جاء بال. فقال: معي جرابي أجعل فيه زادي، وقَصْعتي آكل فيها وأغسل فيها رأسي وثيابي، وإداوتي أحمل فيها وَضوئي وشرابي، وعَنَزَتي أتوكأ عليها وأُجاهد به عدواً إن عرض؛ فوالله ما الدنيا إلا تبع لمتاعي. قال عمر: فجئت تمشي؟ قال: نعم. قال: أما كان لك أحد يتبرع لك بدابة تركبها؟ قال: ما فعلوا وما سألتهم ذلك. فقال عمر رضي الله عنه: بئس المسلمون خرجت من عندهم. فقال له عمير رضي الله عنه: إتَّق الله يا عمر، قد نهاك الله عن الغيبة، وقد رأيتُهم يصلّون صلاة الغداة.
قال عمر: فأين بعثتك؟ - وفي رواية الطبراني: فأين ما بعثتك به؟ - وأي شيء صنعت؟ قال: وما سؤالك يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: سبحان الله فقال عمير: أما لولا أنِّي أخشى أن أغمَّك ما أخبرتك، بعثتني حتى أتيت البلد، فجمعت صُلَحاء أهلها فوليتهم جباية فيْئِهم، حتى إذا جمعوه وضعته مواضعه ولو نالك منه شيء لأتيتك به. قال: فما جئتنا بشيء؟ قال: لا. قال: جدِّدوا لعمير عهداً. قال: إنَّ ذلك لشيء لا عملت لك ولا لأحد بعدك، والله ما سلمت بل لم أسلم، لقد قلت لنصراني - أي أخزاك الله - فهذا ما عرضتني له يا عمر وإن أشقَى أيامي يوم خُلِّفت معك يا عمر؛ فاستأذنه فأذن له فرجع إلى منزله، قال: وبينه وبين المدينة أميال.
فقال عمر رضي الله عنه حين انصرف عمير: ما أراه إلا قد خاننا، فبعث رجلاً يقال له الحارث وأعطاه مائة دينار، فقال له: إنطلق إلى عمير حتى
تنزل به كأنك ضيف، فإن رأيت أثر شيء فأقبل، وإِن رأيت حالة شديدة فادفع إليه هذه المائة الدينار.e فانطلق الحارث فإذا هو بعُمير جالس يَفلي قميصه إلى جانب الحائط. فسلَّم عليه الرجل، فقال له عُمَير: أنزل - رحمك الله - فنزل. ثم سأله فقال: من أين جئت؟ قال: من المدينة. قال: فكيف تركت أمير المؤمنين؟ قال: صالحاً. قال: فكيف تركت المسلمين؟ قال: صالحين. قال: أليس يقيم الحدود؟ قال: بلى، ضرب إبناً له أتى فاحشة، فمات من ضربه. فقال عمير: اللهمَّ أعِن عمر، فإني لا أعلمه إلا شديداً حبه لك. قال: فنزل به ثلاثة أيام وليس لهم إلا قرصة من شعير كانوا يخصُّونه بها ويطوون حتى أتاهم الجهد. فقال له عمير: إنك قد أجعتنا فإن رأيت أن تتحول عنا فافعل. قال: فأخرج الدنانير فدفعها إليه فقال: بعث بها إليك أمير المؤمنين فاستعن بها. قال: فصاح، وقال: لا حاجة لي فيها ردَّها. فقالت له إمرأته: إن احتجت إِليها وإلا فضعها مواضعها. فقال عمير: والله ما لي شيء أجعلها فيه، فشقَّت إمرأته أسفل درعها فأعطته خِرقة فجعلها فيها. ثم خرج فقسمها بين أبناء الشهداء والفقراء، ثم رجع والرسول يظن أنه يعطيه منها شيئاً. فقال له عمير: إقرأ مني أمير المؤمنين السلام.
فرجع الحارث إلى عمر، فقال: ما رأيت؟ قال: رأيت يا أمير المؤمنين حالاً شديداً. قال: فما صنع بالدنانير؟ قال: لا أدري. قال: فكتب إليه عمر إذا جاءك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تقبل. فأقبل إلى عمر فدخل عليه فقال له عمر: ما صنعت بالدنانير؟ قال: صنعت ما صنعت وما سؤالك عنها؟ قال: أنشد عليك لتخبرنِّي ما صنعت بها؟ قال: قدَّمتها لنفسي. قال: رحمك الله، فأمر له بوَسْق من طعام وثوبين. فقال: أما الطعام فلا حاجة لي فيه قد تركت في المنزل صَاعَين من شعير إلى أن آكل ذلك قد جاء الله تعالى بالرزق، ولم يأخذ
الطعام. وأما الثوبان فقال: إنَّ أُم فلان عارية، فأخذهما ورجع إلى منزله فلم يلبث أن هلك، رحمه الله. فبلغ عمر ذلك فشقَّ عليه وترحَّم عليه، فخرج يمشي ومعه المشاؤون إلى بقيع الغرقد، فقال لأصحابه: لِيَتَمنَّ كل رجل منكم أمنية. فقال رجل: وددت يا أمير المؤمنين أنَّ عندي مالاً فأعتق لوجه الله عز وجل كذا وكذا. وقال آخر: وددت يا أمير المؤمنين أنَّ عندي مالاً فأنفق في سبيل الله، وقال آخر: وددت لو أنَّ لي قوة فأمتح بدلو زمزم لحجّاج بيت الله. فقال عمر: وددت أنَّ لي رجلاً مثل عمير بن سعد أستعين به في أعمال المسلمين. وأخرجه الطبراني أيضاً مثله عن عمير بن سعد. قال الهيثمي: وفيه عبد الملك بن إبراهيم بن عنترة وهو متروك. انتهى. هكذا وقع عند الهيثمي، والذي يظهر أن الصواب عبد الملك بن هارون بن عنترة كما في كتب أسماء الرجال، وقد أخرج ابن عساكر من طريق محمد بن مزاحم بطوله بمعناه مع زيادات، كما في الكنز.
قصة سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي رضي الله عنه سيرته رضي الله عنه وهو عالم بحمص
أخرج أبو نعيم في الحلية عن خالد بن معدان قال: إستعمل علينا عمر بن الخطاب بحمص سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي رضي الله عنه. فلما قدم عمر بن الخطاب حمص قال: يا أهل حمص، كيف وجدتم
عاملكم؟ فشكوه إليه - وكان يقال لأهل حمص الكُوَيفة الصغرى لشكايتهم العمال - قالوا: نشكوا أربعاً: لا يخرج إِلينا حتى يتعالَى النهار. قال: أعْظِم بها. قال: وماذا قالوا: لا يجيب أحداً بليل. قال: وعظيمة. قال: وماذا؟ قالوا: وله يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا. قال: عظيمة. قال: وماذا؟ قالوا: يغنظ الغنظة بين الأيام - يعني تأخذه مُوتَة -.
قال: فجمع عمر رضي الله عنه بينهم وبينه وقال: اللهمّ لا تفل رأيي فيه اليوم، ما تشْكون منه؟ قالوا: لا يخرج إِلينا حتى يتعالى النهار. قال: والله إن كنت لأكره ذكره؛ ليس لأهلي خادم، فأعجن عجيني، ثم أجلس حتى يختمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ ثم أخرج إليهم. فقال: ما تشْكون منه؟ قالوا: لا يجيب أحداً بليل. قال ما تقول؟ قال: إن كنت لأكره ذكره؛ إنِّي جعلت النهار لهم، وجعلت الليل لله عز وجل. قال: وما تشكون؟ قالوا: إنَّ له يوماً في الشهر لا يخرج إلينا فيه. قال: ما تقول؟ قال: ليس لي خادم يغسل ثيابي ولا لي ثياب أبلها. قال: ما تشكون منه؟ قالوا: يغنظ الغنظة بين الأيام. قال: ما تقول؟ قال: شهدت مصرع خُبَيب الأنصاري رضي الله عنه بمكة، وقد بضَّعت قريش لحمه، ثم حملوه على جذعة فقالوا؛ أتحب أن محمداً مكانك؟ فقال: والله ما أحب أنِّي في أهلي وولدي وأن محمداً صلى الله عليه وسلم شِيك بشوكة، ثم نادى: يا محمد، فما ذكرت ذلك اليوم، وتَرْكي نُصرته في تلك الحال، وأنا مشرك لا أؤمن بالله العظيم؛ إلا ظننت أن الله عز وجل لا يغفر لي بذلك الذنب أبداً. قال: فتصيبني تلك الغنظة. فقال عمر: الحمد لله الذي لم يفل فراستي.