الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولهما: كون الآية على أسلوب التشبيه الذي أداته مُقدَّرة.
ثانيهما: أنه من التشبيه المؤكد الجمل لحذف الوجه مع الأداة.
والذي يبدو أن في عَذَ هذه الآية من باب التشبيه - سواء أكانت من التشبيه
المعدول أو المقلوب - مجافاة للصواب.
لأن الآية تبالغ في شأن من اتبع الهوى ونسي واجبات الخالق. وليس الغنى أنه ساوى بين واجبات الخالق.
ومغريات الهوى. إذن فليس له - من ظاهر حاله - إله غير الهوى.
وقد سبق عن ابن عباس أن في الآية تقديماً وتأخيراً. .
والتقدير: " اتخذ هواه إلهه ".
فعدها - إذن - من التشبيه ليس بمسلم.
وعدوا من المقلوب قوله تعالى حكاية عن ابنة عمران: (وَليْسَ الذَّكَرُ
كَالأُنثَى) . . والأصل: وليس الأنثى كالذكر. ولعل سر التقديم هنا أن
نفسها كانت تمتلئ رغبة في الذكر الذي طلبته.
* *
*
خصائص تشبيهات القرآن:
أولاً - إن القرآن الكريم قد اشتمل على قدر كبير من التشبيهات ومن
التمثيل لا تكاد تخلو منها واحدة من سوره الطوال.
بل قد حفلت قصاره بكثير منه.
وهو يتخذ من الأسلوب التشبيهى والتمثيلي وسيلة للبيان والتهذيب،
والتربية والإصلاح والمدح والذم، والإرشاد والتوجيه.
ثانياً - إن الغرض الدينى هو السمة الظاهرة في جميع تشبيهات القرآن
وتمثيله وليس بينها ما يخلو من هذه السمة.
ثالثاً - إن الفائدة في التشبيه القرآني تعود دائماً على المشبه لأن المشبه
به أقوى صلة بالصفة المشتركة بين الطرفين. وهذا هو الغالب فيه.
" ومن غير الغالب أن يتساوى الطرفان في الصفة. أو يكون المشبه أقوى
من المشبَّه به كقوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) ، وليس هناك داع للاحتجاج على مشروعية هذاَ
التشَبيه وصحة معَناه بأمثلة من الشعر أو غيره.
لأن المراد الإيضاح والبيان وليس المراد بيان المقدار ".
والتشبيه الإيضاحى لا يُشترط فيه قوة الصفة في المشبه به دون المشبه،
والأولى أن يقاس على القرآن أقوال الشعراء لا أن يقاس هو عليها سواء في
ذلك مسائل هذا الفن وغيره من الفنون كالنحو والصرف.
رابعاً - مادة التشبيه والتمثيل القرآني:
إن القرآن يتخذ من الطبيعة وظواهرها من سُحب وأمطار. ورعد وبرق.
ويحور وأنهار. وزروع وأشجار. وجبال وصواعق. وزوابع وأعاصير.
يتخذ من كل ذلك مادة حية في تشبيهاته وتمثيلاته. . كما يتخذ من الحيوانات والآفات التي تصيب الإنسان كالعمى والبُكم والصم. . .
وما أشبه ذلك، يتخذ منه كذلك مادة لتشبيهاته وتمثيلاته.
ويتخذ من أحوال الحياة من غير هذه العناصر مادة يُشكِّل فيها التشبيه والتمثيل على نمط فريد. واتخذ كذلك من المعادن النفيسة مادة لتلك التشبيهات.
كما اتخذ من صفات البَشر من الرق والحرية وما أشبههما مادة لتشبيهاته،
وقد تكون الصورة المشبَّه بها مفروضة غير مدركة كتشبيه الإنفاق الخالص بسنبلة
أنبتت سبع سنابل، وكتشبيه طلع شجرة الزقوم برؤوس الشياطين،
وكتشبيه اهتزاز العصا باهتزاز الجان.
ولذلك كانت تشبيهات القرآن خالدة حية مستمرة الجدة والطرافة، والرقة
والجزالة، لأنها مصنوعة من مادة حية متجددة الرواء والنماء.
خامساً - غناء التشبيه والتمثيل القرآني:
إن جملة التشبيه والتمثيل في القرآن غنية بالمعاني الإضافية التي تقوى من
المعنى الذي من أجله صيغ التشبيه أو التمثيل ولم يُكتَف فيها بمجرد وجود
التشبيه بين الطرفين نفياً أو إثباتاً، ذماً أو مدحاً، وتقوم فواصل الآي في هذا
المجال بنصيب كبير.
ففى تمثيل الإنفاق الخالص بالسنبلة التي أنبتت سبع سنابل تجد وجه الشبه
هو الكثرة والنماء. فجاءت الفاصلة مع قرينتها وافية بهذا المعنى أيما وفاء،
(وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) .
وفي تمثيل الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة جاءت الفاصلة مؤكدة لهذا المعنى: (أُصْلُهَا ثَابثٌ وَفَرْعُهَا فِي السماءِ) .
كما أكدت فاصلة تشبيه الكلمة الخبيثة المعنى حيث كانت: (اجْتُثتَ من
فَوْقِ الأرْضِ مَا لهَا مِن قَرَارٍ) .
ثم تأمل المقابلة الساحرة بين الموضعين: " أصلها ثابت " مع " اجتثت من
فوق الأرضِ "، و " فرعها في السماء " مع " ما لها من قرار ".
وإيثار لفظ مكان آخر يؤدى هذا الدور أيضاً، فقد جاء تشبيه الموج بالجبال، وتشببه السفن بها كذلك. ولكنه في جانب تشبيه الموج آثر كلمة:" الجبال "، وفي جانب تشبيه السفن بها آثر كلمة:" الأعلام " وأصل المعنى واحد.
ولعل السر في هذه التفرقة أن السفن أضخم عادة من الموج والمراد بالجبل
مطلق الجنس، أما الأعلام فلا يراد بها إلا الجبال العظيمة، فلذلك جاءت كل كلمة في الموضع المناسب لها من حيث الوفاء بحق المعنى في دقة وإحكام.
وقد ينمى القرآن المعنى المراد من التشبيه بزيادات لا تخلو من دلالة مهمة
كقوله تعالى: (وإنْ يَسْتَغيثُواْ يُغَاثُواْ بمَاءٍ كَالمهْلِ) ، وإلى هنا يكمل المعنى. .
ثم يأخذ القرآن بعد ذلك في إضافة زيادات مهمة تزيد المعنى
الأصلي قوة وسلطاناً. فيقول: (يَشْوي الوُجُوهُ)، ويقول: (بئْسَ
الشَّرابُ) ، ويقول:(وَسَاءت مُرْتَفَقاً) .
ومثله قوله تعالى: (كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) .
فقد وصف " المهل " بأنه: " يغلى في البطون ".
ثم أخذ " الغلي " المفهوم من الفعل: " يغلي " وأدخله في تشبيه
آخر: " كغلي الحميم " فخطا بالمعنى نحو القوة خطوة لها شأنها من حيث
المقام. مقام التهديد والإنذار. . وغير ذلك كثير.
فأنت ترى - إذن - أن جملة التشبيه أو التمثيل في القرآن مرنة لها من
الحرية أن تدخل من المعاني الإضافية واستبدال لفظ مكان آخر أو أن تأتي فى
الفاصلة بما يقوى المعنى ويؤكده. في غير ما سرف ولا فضول.
سادساً - إن الأداة الغالبة في تشبيهات القرآن هي " الكاف " ثم " كأن "،
وغالباً ما تدخل الكاف على كلمة " مثل " فتشبه مثلا بمثل. وقَلَّ حذف الأداة فى تشبيهات القرآن على عكس ما يرى ابن الأثير في المثل السائر.
وقد تدخل " الكاف " على " ما " المصدرية.
وهي هنا تفيد التساوى بين الطرفين كما في قوله تعالى:
(آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ) .