الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
وما سر الحذف إذن
؟
أما الأول فأرى سر الحذف فيه إرادة التعميم.
ليقدروا ما شاءوا من صلات تعطلت كانت قوية بينهم.
أو أي أمر كان يجمعهم إلى آخر ما يحتمله المقام.
وفي الثاني وضعوا الفعل موضع الفاعل لدلالة الفعل على الاستقبال لأنه
حال التفكير في الأمر واستقرارهم على أن يسجنوه لم يكن سجيناً.
وإنما سُجِنَ بعد إجماعهم على هذا الرأي. ودلالة الفعل على الاستقبال ظاهرة.
ولو قال: " بدا لهم سجنه " لفات هذا المعنى.
ومعنى آخر صلح له الفعل دون الاسم هنا هو: أن الفعل أمكن معه تصوير
حالتهم النفسية وإجماعهم الأكيد على سجنه وأنهم لن يستبدلوا به أمراً آخر
أخف منه فدخلت على الفعل لام القَسَم ونونه، والاسم " سجنه " غير صالح
لهذه الدلالات بداهة.
والدكتور أحمد أحمد بدوي يرى أن الحذف لمجرد أن الفعل شديد الإيحاء
بالفاعل.
هذا صحيح ولكن ما رأيناه بجانب هذا أولى فيما أظن.
* *
3 -
حذف المبتدأ، وحذف الخبر:
حذف أحد ركني الجملة الاسمية - المبتدأ أو الخبر - كثير شائع في الكلام
العربي الفصيح وليس لديهم محظور في حذف أيهما إذا دلت عليه قرينة.
واقتضاه داع بلاغي أو صناعي.
وحذفهما له أحوال شتى عند النحاة. فقد يكون واجباً، وقد يكون جائزاً
.. وقد حققوا كل هذه المواضع ووضعوا أصولها وقواعدها.
وهذا بخلاف حرصهم الشديد على عدم الحذف في الجملة الفعلية.
إذ يرون أن ذكر الفاعل - دائماً - واجب إلا فيما ذكرناه.
والفعل الأصل فيه الذكر.
وليسَت هناك حالة واحدة يجب فيها حذفه فالأمر فيه دائماً معمول على الجواز.
فنظرتهم إلى ركني الجملة الفعلية غير نظرتهم إلى ركني الجملة الاسمية -
كما رأينا - ولم أجد توجيهاً لأى أحد في سبب اختلاف النظرتين.
وإن كنت أرى أن الرابطة بين الركنين في الاسمية رابطة متكافئة.
فليس أحدهما فيها بأظهر من الآخر.
أما الرابطة بين الركنين في الفعلية فغير متكافئة. لأنها ملحوظة في الفاعل
بدرجة أقوى إذ هو موجد للفعل. فيكون في حذفه إجحاف بالمعنى فلم يترخصوا فيه.
وفي القرآن الكريم مواضع متعددة وكثيرة جدا لحذف المبتدأ. أو الخبر.
أو هما معاً. . وفي كل موضع حدث فيه حذف من هذا النوع فالحذف فيه سواء أكان واجباً - كما ترى الصناعة النحوية - أو جائزاً. .
فهو أحسن من الذكر.
خذ إليك - مثلاً - قوله تعالى في مطلع سورة البقرة:
(الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) .
فقد جاء فيه المبتدأ محذوفاً قبل قوله " هدى " والتقدير: " هو هدى ".
فلماذا الحذف؟
أرى أن سر الحذف - هنا - أمران:
أحدهما: الإشعار بالاتصال المباشر بين " الكتاب " و " هدى " بعد جملة
الاعتراض ولو ذكر فقيل: هو هدى. لزال هذا الاتصال؛ لأنه مع الذِكر يكون " هدى " خبراً عن ضميراً لكتاب.
ومع الحذف فإن أول ما يقع في الذهن أنه صفة مباشرة له.
وكم بين هذا الكتاب ويين الهدى من اتصال.
حتى أوثر إنه هو الهدى نفس الهدى. ولم يقل: " هادياً " مثلاً.
ثانيهما: أن ذكر المبتدأ - هنا - يؤدى إلى نوع من الثقل اللفظي حيث
يصبح التركيب: " فيه هو هدى " لاجتماع ثلاثة هاءات لم يفصل بينها إلا
حرف واحد، والهاء من حروف الحلق، وحروف الحلق معروفة بالثقل.
هذا ما أراه.
وأرى في الوقت نفسه أن هذين الاعتبارين أولى مما ذهب إليه
الدكتور أحمد أحمد بدوي من أن سر الحذف فيه خشية أن يبعث في النفس
السآمة والملل لشدة وضوحه.
ويحذف المبتدأ - كذلك - إذا وقع في سياق تقدم ذكره فيه.
فتكون إعادته تكراراً لم تدع إليه حاجة.
وأمثلة ذلك كثيرة كقوله تعالى: (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)
وقوله تعالى: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) .
وقوله تعالى: (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11) .
وقوله تعالى: (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) .
وتقدير النظم في الآية الأولى: " وهو رب الشرق ". . وفي الثانية: " هى
لا تبقى ". . " هي لواحة ". . وهكذا بقية النصوص.
وليس مجرد قوة الظهور هي السر في هذا الحذف.
إذ لنا في المثال الأول: " هو رب " أن نقول: إن الخبر المذكور لا يصح إسناده إلا لضميره. لأنه ليس للمشرق والمغرب رب سواه وحذف المبتدأ محقق لتكثير الفائدة. إذ يجوز تقدير