الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كلمة " رب " خبراً لمبتدأ محذوف هو " هو " ويجوز اعتباره بدلاً من " رب "
الأولى في قوله تعالى: (واذكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتلْ إليْهِ تَبْتِيلاً) .
قال الزمخشري في تفسيره: قرئ - يعني " رب " الثانية - مرفوعاً
على المدح، ومجروراً على البدل من " ربك ".
وعن ابن عباس: عن القَسَم بإضمار حرف القسم.
كقولك: الله لأفعلن، وجوابه: لا إله إلا هو.
فهذه معان ثلاث احتملها المقام بسبب الحذف. . ولو ذكر المبتدأ لاقتصر
المعنى عليه دونما سواه.
وفي الأمثلة الثلاثة الأخر. تقدم ذكر النار في أسماء لها وصفات.
فصارت ماثلة في الذهن. لأنها عظيمة الشأن تملأ النفوس رهبة ورغبة.
رهبة من الوقوع فيها. ورغبة في النجاة منها. فكان هذا كافياً في حضورها في الذهن عند الحديث عنها. وفي هذا الحذف ترهيب لا يخفى أثره.
وفيه كذلك تعجيل الساءة لهم. حيث حذف الضمير " هي " وعوجلوا بذكر
النار أو بصفة من صفاتها المقبضة مثل: (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29)
* * *
*
أسباب أخرى لحذفهما:
ويحذف الخبر كذلك عند ظهوره وسهولة تعيينه مثل قوله تعالى:
(وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) .
فقد حذف الخبر من قوله تعالى: (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) والتقدير: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ كذلك أو مثلهن. فيكون الخبر محذوفاً وحده.
أو التقدير: فعدتهن كذلك، فيكون المبتدأ والخبر محذوفين. . والذي سوع
الحذف هنا هو العطف بالواو. لأن العطف يشرك المعطوف عليه فيما ثبت له من الإعراب والحكم.
ولذلك صرَّح بالخبر بعده في قوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) لاختلاف أجل الحامل عن أجل غيرها:
مَن هي يائسة من المحيض. أو مَن لم تحض.
فذكر الخبر هنا واجب لأن حذفه يؤدى إلى فساد المعنى.
كذلك ورد حذف الخبر في قوله تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22) .
وقبله حذف من نفس السورة " الزمر " في قوله تعالى:
(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) .
وكذلك جاء في سورة في " فاطر " في قوله تعالى:
(أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) .
هذه مواضع ثلاثة حُذفِ فيها الخبر. وفي " فاطر " قذر الزمخشري الخبر
بقوله: " أفمن زُيًنَ له سوء عمله من هذين الفريقين كمن لم يُزَينْ له "؟
وتابعه النسفي على هذا التقدير. ثم نقل عن الزجاج تقديرين آخرين.
قال: " وذكر الزجاج أن المعنى: أفمن زُين له سوء عمله ذهبت نفسك عليه حسرات.
فحذف الجواب لدلالة: فلا تذهب نفسك عليه.
أو: أفمن زُينَ له سوء عمده كمن هداه الله. فحذف لدلالة: فإن الله يضل
من يشاء ويهدى مَنْ يشاء عليه ".
وأقوم هذه الآراء - فيما أظن - الرأي الثالث مع احتمال الأسلوب لها
جميعاً.
ولعل هذا هو سر الحذف في هذه المواضع: أن تختلف وجهات النظر فيكثر
معها المعنى ويتعدد.
أما الموضعان اللذان في " الزمر " فقد قدر الخبر فيهما على النحو الآتى:
" أفمن هو قانت كغيره، ثم: أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن لم يشرح
صدره "؟ . وإذا قارنا بين المواضع الثلاثة نجد أنها:
أولاً: تنكر المساواة بين فريقين مختلفين في العقيدة والسلوك.
وفي المنزلة عند الله.
ثانياً: أنها - جميعاً - صدرت بحرف الاستفهام الإنكارى.
ثالثاً: أن المحذوف فيها ظاهر تعيينه لدلالة الكلام عليه، وإن اختلف فيه
أحياناً. والحذف مما يُمكِّن المحذوف من النفس بعد البحث عنه والتوصل إليه.
وهكذا فقد اجتمع للحذف في هذه المواضع: المسوغ والمقتضي.
وكذلك جاء حذف الخبر في قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) .
أَى: حِل لكم. وقد أغنى عن ذكره التصريح به مرتين في صدر الآية.
فكان فى حذفه حُسن الدلالة مع الإيجاز وعدم التكرار.
* *